شريك في أمن المنطقة... عرض صيني جديد للشرق الأوسط

وسيط أم مستفيد؟

أ.ب
أ.ب
الرئيس الصيني شي جينبينغ، وهو يصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل اجتماعهما في القاهرة، مصر، في 2 سبتمبر 2026

شريك في أمن المنطقة... عرض صيني جديد للشرق الأوسط

ودّع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الصيني شي جينبينغ في مطار القاهرة مساء الأربعاء 2 سبتمبر/أيلول الجاري، بعد زيارة حملت دلالات تتخطى العلاقات المصرية-الصينية، وما إن غادر الرئيس الصيني حتى جاء أول اتصال للسيسي صباح الخميس مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

ويكتسب اتصال الرئيس السيسي وولي العهد الأمير محمد بن سلمان أهمية خاصة بتوقيته ومضمونه، إذ ركز على أمن المنطقة والتنسيق بين مصر والسعودية، في وقت كانت القاهرة قد استمعت للتو إلى طرح شي لإعادة صياغة الأمن الإقليمي، ودعوته إلى بناء "هيكل أمني جديد" للشرق الأوسط عبر أربعة مقترحات تستهدف إرساء "أمن مشترك" ومستدام في المنطقة.

مبادرة الرئيس الصيني من القاهرة

وفي القاهرة، وضع شي ملامح الهيكل الأمني الجديد في أربعة محاور مترابطة: أن يكون أمن المنطقة مسؤولية دولها بعيداً عن التدخلات الخارجية، ومعالجة أزماتها بصورة شاملة ومترابطة مع إبقاء القضية الفلسطينية في صلبها، وربط الأمن بالتنمية والمصالح الاقتصادية المشتركة، بما يشمل حماية الممرات الملاحية، واستناد هذا الهيكل إلى القانون الدولي وتعزيز دور الأمم المتحدة.

الدول الثلاث المنخرطة في "حلف مكة"، السعودية وتركيا وباكستان، تلتقي في التشديد على مركزية القضية الفلسطينية، وإن اختلفت درجات ومقاربات كل منها

وتكتسب الإشارة إلى أمن الملاحة أهمية خاصة في ظل استمرار إيران في عرقلة حركة السفن في مضيق هرمز وتهديد الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إذ ربط شي بين الأمن الإقليمي وأمن خطوط التجارة الدولية.

وبعد مغادرة شي القاهرة، جاء تأكيد وزير الخارجية الصيني وانغ يي ليضع المقترح في سياق الدور الذي تسعى بكين إلى لعبه في أمن المنطقة، إذ قال وزير الخارجية الصيني، في إحاطة صحافية، إن المقترح "يقدم حلاً صينياً لتحقيق السلام والاستقرار طويلَي الأمد في المنطقة".

4 مؤشرات على التحول 

لا يمكن فصل طرح شي جينبينغ حول الهيكل الأمني الجديد للشرق الأوسط عن خمسة مؤشرات برزت في الفترة نفسها، تكشف- كل من زاوية مختلفة- عن اتساع قدرة الصين على التأثير في شكل الترتيبات الأمنية والسياسية في المنطقة وتغير البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها.

المؤشر الأول، يتمثل في تزامن زيارة شي إلى القاهرة مع مشاركة مقاتلات "جي-16" الصينية المتطورة في مناورات "نسور الحضارة 2026" في مصر، بالتوازي مع العرض الذي قدمته "هواوي" لبناء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في مصر. وهذا قد يشير إلى أن الصين بدأت تقدم، ولو نظرياً، بدائل في مجالي السلاح والتكنولوجيا اللذين يعدان من أقوى أوراق النفوذ الأميركي في المنطقة، ولا سيما تقنيات الرقائق والذكاء الاصطناعي.

أما المؤشر الثاني، فيتمثل في اللقاء العابر والبارد بين شي والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون، الذي تزامن مع تسرب معلومات عن شروط صينية وُضعت على إيران، أبرزها فتح مضيق هرمز وحل الخلافات مع السعودية. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تشير إلى تموضع صيني يأخذ في الاعتبار مصالح معظم دول المنطقة التي ترفض اعتداءات إيران على دول الجوار وعرقلتها للملاحة في هرمز من دون أن يعني ذلك تحول الصين إلى طرف في الاستقطاب الإقليمي. كما توفر حملة العقوبات الأميركية المشددة على إيران حافزاً إضافياً لبكين لإعادة ضبط العلاقة مع طهران، بحيث لا تتحول إلى مصدر ضرر للمصالح الصينية.

أ.ف.ب
صورة جماعية قبل قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك في الأول من سبتمبر 2026

والمؤشر الثالث، هو إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من بشكيك، استعداد تركيا للانضمام كعضو كامل إلى منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها بكين، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع حضور المنظمة في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام نفوذ صيني متزايد، داخل أي ترتيبات إقليمية جديدة.

أما المؤشر الرابع، فهو التحرك القطري باتجاه الصين، مع زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إلى بكين، كأول زيارة عربية إليها بعد زيارة شي للقاهرة. وتكتسب الزيارة دلالة خاصة مع تصريح المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري بأن على دول الخليج أن تدرك أن التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، رغم أهميته، "غير كاف". وهو موقف خليجي صريح يتقاطع مع الطرح الصيني في القاهرة حول إعادة صياغة الأمن الإقليمي.

المبادرة وحلف مكة

يصعب قراءة طرح شي جينبينغ حول الأمن الإقليمي بمعزل عن "اتفاقية مكة"، ليس فقط بسبب العلاقات السياسية والدبلوماسية والتجارية المتنامية بين الصين والسعودية، وحجم الاستثمارات الصينية في المملكة ودول الخليج، بل أيضاً بسبب العلاقة الاستراتيجية والعسكرية الوثيقة بين بكين وإسلام آباد، أو ما يصفه الصينيون بـ"الأخوة الحديدية" مع باكستان. ومن هذه الزاوية، تبدو تقاطعات الطرح الصيني مع الحلف لافتة، من دون أن يعني ذلك وجود تنسيق مباشر بينهما.

أولاً، الأمن تحت سقف القانون الدولي، فقد أكد حلف مكة منذ إعلانه أنه يعمل في إطار القانون الدولي والمواثيق والقواعد الدولية، وليس خارجها. وفي المقابل، وضع شي الأمم المتحدة والقانون الدولي في صلب الهيكل الأمني الذي يقترحه للمنطقة، داعياً إلى تعزيز دور الأمم المتحدة في إدارة قضايا الأمن الإقليمي.

ثانياً، القضية الفلسطينية بوصفها جزءاً من الأمن الإقليمي. فالدول الثلاث المنخرطة في "حلف مكة"، السعودية وتركيا وباكستان، تلتقي في التشديد على مركزية القضية الفلسطينية، وإن اختلفت درجات ومقاربات كل منها. وتتمسك الرياض بقيام دولة فلسطينية قبل الانتقال إلى أي تطبيع مع إسرائيل، بما يعني أن إدماج تل أبيب في أي بنية أمنية إقليمية لا يمكن أن يسبق معالجة جوهر الصراع. وهو موقف ينسجم، في خطوطه العامة، مع الموقفين التركي والباكستاني، كما يلتقي مع ما شدد عليه شي في القاهرة حين وضع القضية الفلسطينية في صلب أي معالجة شاملة لأزمات المنطقة. ويأتي ذلك في وقت لا تزال واشنطن تطرح، بين حين وآخر، إشارات إلى إمكان المضي في ترتيبات إقليمية قبل الوصول إلى تسوية فلسطينية، أو من دون وجود مسار واضح وموثوق يقود إليها.

إن لم تكن الولايات المتحدة قد علّقت على مبادرة شي الرباعية، فإنها رحّبت بـ"اتفاق مكة"، وإن اكتفت بأن يكون ذلك على لسان الرئيس دونالد ترمب

ثالثاً، أن أمن المنطقة يجب أن يبدأ من دولها. فقد وصف "حلف مكة" على نطاق واسع بأنه محاولة لبناء قدرة أمنية ودفاعية تنطلق من دول الإقليم نفسها، لا من قوة خارجية تتولى إدارة أمنها. وهذه الفكرة تكاد تكون النقطة الأكثر وضوحاً في مبادرة شي، الذي دعا إلى أن تكون دول الشرق الأوسط وشعوبه "سيدة شؤونها"، وأن تتولى دول المنطقة الحوار حول السلام والأمن وإعادة تشكيل هيكلها الأمني، بعيداً عن التدخل الخارجي.

ويذهب تانغ تشي تشاو، مدير قسم الدراسات السياسية في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية ونائب رئيس الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط، أبعد من ذلك، إذ يرى أن "حلف مكة" يجسد مبدأ "الملكية الإقليمية" الذي تدعو إليه الصين، بحيث تكون دول المنطقة صاحبة الدور القيادي في أمنها، فيما تؤدي الأطراف الخارجية دوراً داعماً ومسانداً. ويوضح تانغ، في حديث لـ"المجلة" أن الطبيعة الدفاعية للحلف، وعدم استهدافه طرفاً بعينه، يتوافقان مع رفض بكين تشكيل تكتلات عسكرية تقوم على المواجهة، في حين أن انفتاحه على انضمام دول أخرى ينسجم مع مفهوم الأمن المشترك والجماعي الذي تدعو إليه الصين. وبذلك، يخلص تانغ إلى أن الحلف يتضمن العناصر الأساسية لرؤية شي جينبينغ حول الهيكل الأمني الجديد للشرق الأوسط.

واس
ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب اردوغان ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف بعد توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك في الديوان الملكي في قصر الصفا في مكة المكرمة، 7 أغسطس/آب 2026

ما هو دور مصر؟

ورغم أن مصر لم تنضم إلى "حلف مكة"، فإنها شاركت على مدى أشهر في مداولات الرباعي الإقليمي الذي يضمها إلى السعودية وتركيا وباكستان، ما يجعلها جزءاً من النقاش حول الترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة. ولأن حسابات القاهرة قد تختلف عن حسابات الدول الثلاث التي شكلت الحلف، فقد يكون اختيار بكين لها محاولة لجسر المسافة بين المسارين. وهنا تبدو بكين وكأنها تتعامل مع "حلف مكة" كأحد مكونات الهيكل الأمني الجديد، لا بوصفه الهيكل نفسه، بما يترك الباب مفتوحاً أمام دول أخرى، مثل مصر، للمشاركة في الترتيبات الإقليمية من خارج الحلف. ومن شأن هذا الطرح أن يعيد بعض التوازن إلى النقاش حول شكل أمن المنطقة.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور أحمد قنديل، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وخبير الشؤون الآسيوية في المركز، لـ"المجلة" إن موقع مصر عند تقاطع عدد من دوائر الأمن الإقليمي، من القضية الفلسطينية والبحر الأحمر وقناة السويس إلى شرق المتوسط وأمن الخليج، إلى جانب ثقلها السياسي والعسكري وعلاقاتها الدولية المتوازنة وشراكاتها مع دول الخليج، يجعلها طرفاً لا غنى عنه في أي ترتيبات أمنية جادة.

وفي تقديره، فإن المنطقة تتجه إلى مشهد متعدد المراكز، تتجاور فيه ترتيبات "حلف مكة" مع المبادرة الصينية والحضور والتحالفات الأميركية، ما يفتح أمام مصر مساحة للتحرك بين هذه المسارات ومنع تحولها إلى محاور متنافسة.

المظلة الأميركية والبديل الصيني

من ناحية أخرى، وإن لم تكن الولايات المتحدة قد علّقت على مبادرة شي الرباعية، فإنها رحّبت بـ"اتفاق مكة"، وإن اكتفت بأن يكون ذلك على لسان الرئيس دونالد ترمب. فقد رأى بعض المراقبين أن هذا الترحيب المحدود ينطلق من حقيقة أن دول الحلف تتمتع بعلاقات وثيقة مع واشنطن، وأن الاتفاق بينها يلبي، إلى حد ما، رغبة أميركية متكررة، منذ عهد باراك أوباما، في أن تتولى دول المنطقة حصة أكبر من أعباء الدفاع الإقليمي.

في المقابل، رأى مراقبون آخرون، بأن التردد المؤسسي في الترحيب بالحلف لا سيما من قبل وزارتي الخارجية والدفاع، يعكس حقيقة أن هذه المبادرة ترجمة عملية لتراجع الثقة بالضمانات الأمنية الأميركية في المنطقة.

الصين التي وصفها أوباما في عام 2014 بأنها "راكب مجاني" في قطار النظام الأمني الأميركي، داعياً إياها إلى أن تكون "شريكاً مسؤولاً"، تدخل اليوم إلى قلب النقاش حول النظام الأمني الجديد للشرق الأوسط

وفي هذا السياق، يرى تانغ أن الهيكل الأمني الإقليمي القديم، الذي كانت الولايات المتحدة تهيمن عليه، "أصبح متقادماً بوضوح ولم يعد قادراً على أداء دور إيجابي".

وتكشف هذه القراءات المتباينة، مساحة الحركة التي باتت متاحة أمام الصين، وتفتح الباب أمام نموذج مختلف لدورها الإقليمي.

وإذا كانت الصين تدرك أن الحرب الإيرانية عززت الشراكات الدفاعية بين دول المنطقة وواشنطن، وأن هذه الدول لا تتجه إلى التخلي عن المظلة الأمنية الأميركية، فإن مبادرة شي في القاهرة تبدو وكأنها ترسم حدوداً مختلفة لدور بكين. فالصين تدخل إلى المجال الأمني عبر دعم الآليات الإقليمية والمشاركة في بناء ترتيباتها، بما يسمح لها بتوسيع حضورها في المعادلة الأمنية من دون تبني نموذج الضمانات والانتشار العسكري الأميركي. وهنا يمكن استعارة مفهوم "القيادة الشبكية"، وهو مفهوم استخدمه قنديل في توصيف الدور المصري لقراءة التحرك الصيني أيضاً، حيث تتحول شبكة المصالح والعلاقات إلى مدخل لبناء ترتيبات أمنية قابلة للاستمرار.

القمة مع ترمب

فيما يستعد شي جينبينغ لزيارة واشنطن بعد أقل من شهر، ستكون مبادرته من القاهرة إحدى الأوراق التي تدخل حسابات القمة مع ترمب. وهي مبادرة يتجاوز وزنها حدود الطرح الدبلوماسي، إذ إن الصين، التي راكمت خلال السنوات الماضية حضوراً اقتصادياً وسياسياً واسعاً في الشرق الأوسط، تدخل الآن النقاش حول أمن المنطقة نفسه، وتطرح لنفسها موقعاً مؤثراً في صياغة الترتيبات والقواعد التي ستحكم النظام الأمني الجديد، بالتوازي مع استمرار الحضور والتحالفات الأميركية.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال اجتماع ثنائي في مطار غيمهاي الدولي، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، في بوسان، كوريا الجنوبية، في 30 أكتوبر 2025

وفي وقت تكافح فيه واشنطن لإنهاء حرب إيران وإعادة ترتيب المنطقة وفق مصالحها، يدخل شي إلى البيت الأبيض هذه المرة بورقة مختلفة. فالصين التي وصفها أوباما في عام 2014 بأنها "راكب مجاني" في قطار النظام الأمني الأميركي، داعياً إياها إلى أن تكون "شريكاً مسؤولاً"، تدخل اليوم إلى قلب النقاش حول النظام الأمني الجديد للشرق الأوسط، فيما باتت دول في المنطقة ترى فيها شريكاً موثوقاً، وفي بعض الأحيان أكثر موثوقية من الولايات المتحدة، يمكن التعويل عليه في ترتيباتها الأمنية والسياسية.

font change

مقالات ذات صلة