أميركا تهرب من الصين إلى قاع المحيطhttps://www.majalla.com/node/332827/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7-%D8%AA%D9%87%D8%B1%D8%A8-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%82%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7
لم تعد حرب المعادن الحرجة تدور فقط حول من يملك المناجم على اليابسة. ففي مواجهة هيمنة الصين على استخراج العناصر الأرضية النادرة وتكريرها وتصنيع المغناطيسات، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها يبحثون عن موارد جديدة في أماكن كانت حتى وقت قريب تبدو بعيدة عن الحسابات الصناعية، من أعماق المحيط إلى المناطق القطبية.
وفي قلب هذا التحول يقع مشروع ياباني لتطوير رواسب الطين الغني بالعناصر الأرضية النادرة قرب ميناميتوريشيما، دخلته واشنطن وطوكيو في إطار تعاون لتطوير موارد أعماق البحار وبناء سلاسل إمداد للمعادن الحرجة. كما تؤكد الخطة اليابانية إجراء تجارب استخراج من عمق يقارب 6,000 متر.
لكن أهمية المشروع لا تكمن فقط في حجم الرواسب أو في القدرة على الوصول إليها. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد استخراج الطين. هل يمكن رفعه من قاع المحيط بتكلفة مقبولة؟ وهل يمكن نقله ومعالجته وفصل عناصره وتكريرها؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة واليابان تحويل هذه المواد إلى مغناطيسات تنافس المنتجات الصينية، ثم إلى سيارات كهربائية وإلكترونيات وروبوتات ومعدات دفاعية؟ فالعثور على المعدن ليس المشكلة الأساس، تحويله إلى منتج صناعي منافس هو المشكلة.
ميناميتوريشيما: ثروة في قاع المحيط
تقع ميناميتوريشيما، وهي أبعد الجزر اليابانية شرقا، على بعد نحو 1,900 كيلومتر جنوب شرق طوكيو، وتحيط بها منطقة اقتصادية خالصة واسعة تحتوي على رواسب غنية بالعناصر الأرضية النادرة.
وتشير دراسة لجامعة طوكيو إلى أن مساحة بحثية تبلغ نحو 2,500 كيلومتر مربع في المنطقة تحتوي على موارد مقدّرة بأكثر من 16 مليون طن من أكاسيد العناصر الأرضية النادرة. لكن من المهم هنا التمييز بين المورد الجيولوجي وبين الاحتياطي التجاري القابل للاستخراج اقتصاديا، فالرقم الأول لا يعني أن الكمية كلها قابلة للإنتاج أو مربحة عند الأسعار الحالية.
تشير دراسة لجامعة طوكيو إلى أن مساحة بحثية تبلغ نحو 2,500 كيلومتر مربع في المنطقة تحتوي على موارد مقدّرة بأكثر من 16 مليون طن من أكاسيد العناصر الأرضية النادرة
وأظهرت تحليلات العينات التي جرى رفعها في 2026 ارتفاع نسبة العناصر الأرضية النادرة المتوسطة والثقيلة، بما فيها الإيتريوم والغادولينيوم والديسبروسيوم، التي شكّلت معا نحو 54 في المئة من إجمالي العناصر الأرضية النادرة في العينات المحللة. كما حُددت كمية الطين المستخرج بنحو 50 طنا بعد استبعاد مياه البحر المضافة أثناء عملية الاستخراج.
ويُستخدم الديسبروسيوم، على سبيل المثل، في المغناطيسات العالية الأداء المستخدمة في محركات السيارات الكهربائية، بينما يدخل الإيتريوم والغادولينيوم في مجموعة من التطبيقات المتقدمة في أشباه الموصلات والطاقة والطب والطيران. لكن ذلك كله يظل في خانة إمكانات الموارد، لا الإنتاج التجاري.
من إثبات وجود المورد إلى إثبات إمكان استخراجه
في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2026، أجرت وكالة اليابان لعلوم وتكنولوجيا البحار والأرض، اختبارا لنظام تعدين الطين الغني بالعناصر الأرضية النادرة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان.
ووصل طول أنبوب الرفع الذي يحدد عمق المياه إلى عمق 5,569 مترا، وتمكن خلال ثلاثة أيام من رفع نحو 50 طنا من الطين، بعد استبعاد مياه البحر التي أضيفت أثناء عملية جمع الرواسب. وكانت النتيجة الأهم هي إثبات إمكان رفع الطين بصورة مستمرة من هذا العمق، وهو إنجاز هندسي مهم، لكنه لا يمثل بعدُ إثباتا للجدوى التجارية. فالانتقال من تجربة هندسية إلى منجم تجاري يتطلب زيادة هائلة في الحجم.
ولهذا تخطط اليابان لإجراء اختبار أكبر لمدة شهر تقريبا اعتبارا من فبراير/شباط 2027، يستهدف رفع نحو 350 طنا من الطين يوميا. ولن يقتصر الاختبار على عملية الاستخراج، بل سيشمل نزع المياه من الطين في ميناميتوريشيما، ثم نقله إلى البر لاختبار عمليات الفصل والتكرير والصهر. ومن المقرر إجراء تقييم شامل لإمكانات التصنيع التجاري في مارس/آذار 2028. وهذا يعني أن اليابان نفسها لا تتعامل مع المشروع باعتباره منجما تجاريا جاهزا، بل باعتباره مشروع إثبات جدوى على مراحل.
واشنطن تدخل إلى أعماق المحيط
بالنسبة إلى اليابان، يمثل المشروع محاولة لتنويع مصدر المعادن الاستراتيجية وتقليل تعرض اقتصادها للصدمات الخارجية. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فهو جزء من معركة أوسع لإعادة بناء سلاسل إمداد المعادن الحرجة.
وفي 19 مارس/آذار 2026، وقعت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية ووزارة التجارة الأميركية مذكرة تعاون في شأن تطوير الموارد المعدنية في أعماق البحار. وتنص المذكرة على إنشاء مجموعة عمل لتبادل المعلومات والخبرات والتكنولوجيا، واستكشاف فرص التعاون في مشاريع الموارد البحرية، بما فيها مشروع الطين الغني بالعناصر الأرضية النادرة قرب ميناميتوريشيما.
تخطط اليابان لإجراء اختبار أكبر لمدة شهر تقريبا اعتبارا من فبراير/شباط 2027، يستهدف رفع نحو 350 طنا من الطين يوميا
وفي الإطار الأوسع، اتفقت واشنطن وطوكيو على تعزيز التعاون في مشاريع المعادن الحرجة والتعدين والمعالجة والتصنيع، بما في ذلك مشاريع في البلدين ودول ثالثة، مع بحث أدوات مثل الحدود الدنيا للأسعار وغيرها من الآليات التي يمكن أن تحمي الاستثمارات الجديدة من المنافسة السعرية الشديدة. وهذا يكشف أن الهدف ليس مجرد الحصول على مصدر جديد للخام. الهدف هو بناء سلسلة إمداد بديلة بأكملها.
المشكلة الأميركية تبدأ قبل قاع البحر
قد يبدو أن الولايات المتحدة تعاني أساسا نقصا في المعادن، لكن المشكلة الأكثر تعقيدا تقع في منتصف السلسلة الصناعية. فالعناصر الأرضية النادرة لا تخرج من المنجم في صورة تصلح مباشرة لصناعة السيارات أو الصواريخ أو الروبوتات. فبعد التعدين تأتي عمليات التركيز والفصل الكيميائي، ثم التكرير وتحويل العناصر إلى معادن وسبائك ومساحيق، وبعدها تصنيع المغناطيسات الدائمة. وكل مرحلة تحتاج إلى منشآت وتقنيات وخبرات وأسواق مستقرة. ولهذا فإن فتح منجم جديد لا يحل المشكلة إذا لم توجد القدرة على معالجة الخام بعد استخراجه.
وتكشف البيانات الأميركية الحالية حجم الفجوة. ففي 2025 بلغ الطلب الأميركي على أكثر أنواع المغناطيسات الأرضية النادرة شيوعا نحو 48 ألف طن، بينما لم توفر المصادر المحلية سوى نحو 300 طن، بحسب بيانات نقلتها "رويترز" عن شركة الاستشارات "آرثر دي ليتل" (Arthur D. Little).
وقد ضخت واشنطن عشرات المليارات من الدولارات في نحو 150 شركة تعمل في المعادن الحرجة، لكن بناء المناجم والمصانع والمصافي والمغناطيسات لا يمكن إنجازه في بضعة أشهر.
الصين لا تملك المعدن فقط، تملك الطريق إليه
هنا تظهر الميزة الصينية الحقيقية. فالصين لا تعتمد فقط على وفرة مواردها أو على حجم إنتاجها من العناصر الأرضية النادرة، بل على امتلاكها معظم الحلقات الصناعية التي تحول هذه المواد إلى منتجات ذات قيمة عالية.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والرئيس الصيني شي جين بينغ يتصافحان لدى وصولهما لإجراء محادثات في قاعدة جيمهاي الجوية، الواقعة بجوار مطار جيمهاي الدولي في بوسان، 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، استحوذت الصين في 2024 على 60 في المئة من إنتاج العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في المغناطيسات، و91 في المئة من الإنتاج العالمي المكرر، فضلا عن 94 في المئة من إنتاج المغناطيسات الدائمة الملبدة. وهذا هو الفارق بين امتلاك مورد وامتلاك سلسلة قيمة.
يمكن واشنطن أن تستخرج الخام في كاليفورنيا، أو تحصل عليه من أوستراليا، أو تطوره مع اليابان في قاع المحيط، لكنها لا تكون قد تخلصت من الاعتماد على الصين إذا ظلت تحتاج إلى قدراتها في الفصل أو التكرير أو تصنيع المغناطيسات. بمعنى آخر، قد تنتقل نقطة الاختناق من المنجم إلى المصنع.
من الطين إلى المغناطيس
لنفترض أن اليابان نجحت في استخراج مئات الأطنان من الطين يوميا. لن تكون المهمة قد انتهت. يجب أولا نزع المياه من الطين، ثم نقله إلى منشآت المعالجة، وفصل العناصر الأرضية النادرة بعضها عن بعض، ورفع درجة نقاوتها، وتحويلها إلى أكاسيد ثم معادن وسبائك ومساحيق.
بعد ذلك فقط تبدأ صناعة المغناطيسات. وهذه المغناطيسات هي التي تربط المعادن بصميم الاقتصاد الحديث. فهي تدخل في محركات السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والروبوتات، والمعدات الصناعية، والإلكترونيات، ومراكز البيانات، وبعض التطبيقات الطبية والعسكرية.
يمكن واشنطن أن تستخرج الخام في كاليفورنيا، أو تحصل عليه من أوستراليا، أو تطوره مع اليابان في قاع المحيط، لكنها لا تكون قد تخلصت من الاعتماد على الصين إذا ظلت تحتاج إلى قدراتها في الفصل أو التكرير أو تصنيع المغناطيسات
ولهذا فإن القيمة الاقتصادية الكبرى توجد في الحلقات الصناعية التي تأتي بعده. وهنا تقع المشكلة الأميركية واليابانية الأساس: هل يستطيع البلدان بناء هذه الحلقات بسرعة وبتكلفة تكفي لمنافسة الصين؟
السلسلة هي التي ستقرر الرابح
قد يكون التركيز على عمق 6 آلاف متر مضللا. فالعمق هو التحدي الهندسي الأكثر إثارة، لكنه ليس الرقم الذي سيحسم مستقبل المشروع. فالأرقام الحاسمة هي تكلفة الطن الذي يصل إلى المصنع، ثم تكلفة المغناطيس الذي يخرج منه.
عندها ستحتاج الصناعة إلى دعم حكومي، أو عقود شراء طويلة الأجل، أو ضمانات ائتمانية، أو آليات لحماية الأسعار، أو علاوة أمن قومي تجعل الشركات والحكومات مستعدة لدفع تكلفة أعلى مقابل ضمان الإمدادات.
وهنا تتغير المعادلة الاقتصادية. فالمسألة لم تعد مجرد إنتاج المعادن بتكلفة تنافس الصين، بل بناء إمدادات تستطيع الصناعة تحمل تكلفتها وتبريرها مقابل مكسب استراتيجي أكبر يتثمل في تقليص مخاطر الاعتماد على مصدر مهيمن. وهذا هو الاختبار الحقيقي للتعاون الأميركي–الياباني الذي يكمن في قدرة البلدين على بناء سلسلة إمداد بديلة تكون قابلة للحياة اقتصاديا، لا بمجرد منافسة السعر الصيني، بل بتسعير قيمة أمن الإمدادات وتنويعها.
كومة من الفحم المستورد بعد تفريغها من سفينة في محطة الفحم بميناء ليانيونغانغ، في مقاطعة جيانغسو شرقي الصين، 21 مايو/أيار 2026برس)
فإذا انتهى المشروع إلى استخراج الخام من قاع المحيط ثم الاعتماد على الصين في حلقات المعالجة اللاحقة، فلن تكون واشنطن وطوكيو قد كسرتا قبضة بكين، بل تكونان قد نقلتا نقطة الاعتماد من المنجم إلى المصنع.
تكلفة الاستقلال عن الصين
لا توجد حتى الآن، في المصادر المتاحة، تكلفة نهائية موثوق بها يمكن من خلالها الحكم على سعر الطن المنتج تجاريا من مشروع ميناميتوريشيما. وهذا بحد ذاته جزء من القصة. فالمشروع لم يصل بعد إلى مرحلة الإنتاج التجاري، والاختبارات المقبلة هي التي ستحدد كمية الطين التي يمكن استخراجها بصورة مستمرة، وتركيز العناصر القابلة للاسترداد، وكفاءة عمليات الفصل والتكرير، وتكلفة النقل والمعالجة.
وتشير الخطط والتقييمات اليابانية إلى أن تحويل رواسب ميناميتوريشيما إلى مصدر تجاري يتطلب سلسلة صناعية متكاملة، من التعدين والرفع من أعماق البحار إلى نزع المياه والفصل والتكرير والصهر، قبل الحكم على الجدوى الاقتصادية. ولهذا فإن أي مقارنة مباشرة في المرحلة الحالية بين تكلفة إنتاج هذه المعادن والأسعار الصينية يجب التعامل معها بحذر، إذ لا تزال اليابان في مرحلة اختبار التكنولوجيا وتقييم اقتصاديات المشروع.
لكن هناك حقيقة اقتصادية أكثر وضوحا، تتجلى في أن الصين تبدأ من قاعدة صناعية قائمة، بينما تبدأ الولايات المتحدة واليابان من سلسلة تحتاج أجزاء كبيرة منها إلى البناء أو التوسعة. وهذا يمنح الصين أفضلية في اقتصاد الحجم لا يمكن تعويضها بمجرد اكتشاف مورد جديد.
علاوة الأمن القومي
في سوق تنافسية تقليدية، يميل الطلب إلى المنتج الأقل تكلفة. لكن المعادن الحرجة لا تعمل دائما وفق هذا المنطق؛ فتركيز الإمدادات في عدد محدود من الدول يجعل أمن التوريد وتنويعه جزءا من قيمة المعدن نفسه. وإذا كان انقطاع الإمدادات قادرا على تعطيل قطاعات مثل السيارات والطيران والدفاع، فقد يكون دفع سعر أعلى مقابل مصدر أكثر موثوقية منطقيا للحكومات والشركات. وهنا تتحول التكلفة الإضافية للتنويع إلى "علاوة أمن" أو نوع من التأمين الصناعي ضد مخاطر انقطاع الإمدادات.
إذا كانت الأسعار العالمية منخفضة إلى درجة تضعف قدرة المنتجين الجدد على المنافسة، فقد توفر هذه الآليات أرضية سعرية تساعد في حماية الاستثمارات الجديدة وتعزيز استمرارية سلاسل الإمداد البديلة
وبرزت هذه الفكرة بقوة بعد القيود الصينية على صادرات بعض العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات، والتي كشفت مدى حساسية صناعات السيارات والتكنولوجيا والدفاع للمرحلة الوسطى من سلسلة الإمداد.
ومن هنا تأتي أهمية بحث واشنطن وطوكيو في آليات مثل الحدود الدنيا للأسعار. فإذا كانت الأسعار العالمية منخفضة إلى درجة تضعف قدرة المنتجين الجدد على المنافسة، فقد توفر هذه الآليات أرضية سعرية تساعد في حماية الاستثمارات الجديدة وتعزيز استمرارية سلاسل الإمداد البديلة. وهذا تحديدا ما تبحثه خطة العمل الأميركية-اليابانية، التي تنص على مناقشة آليات مثل الحدود الدنيا للأسعار المعدّلة على الحدود وغيرها من التدابير لتعزيز مرونة سوق المعادن الحرجة وتنافسية الصناعات المرتبطة بها.
لهذا قد يصبح التعدين البحري مجديا استراتيجيا حتى لو كان أعلى تكلفة من البدائل البرية، إذا كانت "علاوة الأمن القومي" التي تدفعها واشنطن وطوكيو أقل من تكلفة التعرض لاضطراب الإمدادات أو الابتزاز الجيوسياسي.
وبذلك يصبح الاستقلال عن الصين ليس مشروعا لخفض تكلفة المعادن، بل مشروعا لدفع علاوة مقابل أمن الإمدادات.
2027 الموعد الذي تصطدم فيه السياسة بالاقتصاد
حددت واشنطن الأول من يناير/كانون الثاني 2027 موعدا لدخول قيود أوسع على مشتريات وزارة الدفاع من بعض المعادن والمواد ذات الأهمية الاستراتيجية حيز التنفيذ، تشمل سلاسل توريد المغناطيسات الأرضية النادرة، إضافة إلى التنغستن والتنتالوم وغيرها. لكن الصناعة الأميركية لا تزال بعيدة عن بناء قدرة محلية تكفي للاستغناء عن المصادر الصينية بحلول ذلك الموعد.
وتشير "رويترز"، استنادا إلى مقابلات مع مسؤولين ومستثمرين وخبراء في الصناعة، إلى أن الشركات الأميركية ما زالت بعيدة عن تلبية الطلب المحلي، على الرغم من تدفق عشرات المليارات من الدولارات من التمويل الفيديرالي. كما أن الولايات المتحدة تفتقر إلى قدرات تكرير كافية، بينما تسيطر الصين على أكثر من 80 في المئة من سوق تكرير العديد من المعادن. (نفستينغ دوت كوم 26 يوليو/تموز 2026)
وتظهر الفجوة في مشاريع محددة أيضا. فبعض الشركات التي تعمل على بناء قدرات أميركية جديدة في التعدين والتكرير وتصنيع المغناطيسات لن تصل إلى طاقتها الإنتاجية الكاملة قبل سنوات. وفي الوقت نفسه، أطلقت إدارة ترمب "مشروع فولت" (Project Vault) لإنشاء مخزون استراتيجي من المعادن الحرجة، في اعتراف عملي بأن بناء بدائل محلية ومتحالفة سيستغرق وقتا، وأن بعض المواد قد تضطر في المرحلة الأولى إلى أن تأتي من السوق العالمية، بما فيها الصين.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح، إذ قد تضطر واشنطن إلى استخدام بعض المعادن الصينية خلال المرحلة الانتقالية لكي تبني القدرة الصناعية التي تسمح لها بالاستغناء عنها لاحقا.
لذلك يبدو 2027 أقرب إلى موعد لبدء اختبار الاستقلال منه إلى موعد واقعي لاختفاء الاعتماد على الصين.
اليابان: شريك الموارد والصناعة
تمتلك اليابان موقعا فريدا في هذه المعادلة. فهي تطور موردا بحريا محتملا في مياهها الاقتصادية الخالصة، وتمتلك قاعدة تكنولوجية وصناعية متقدمة في قطاعات تعتمد بكثافة على المغناطيسات، مثل السيارات والإلكترونيات. والأهم أنها لا تبدأ من الصفر في صناعة المغناطيسات؛ فقد كانت لاعبا رئيسا تاريخيا في هذا القطاع، ولا تزال ثاني أكبر منتج للمغناطيسات الدائمة الملبدة خارج الصين. وفي 2024 بلغت حصة اليابان 3.9 في المئة من الإنتاج العالمي للمغناطيسات الدائمة، لتكون ثاني أكبر منتج بعد الصين، بحسب وكالة الطاقة الدولية، ولو بفارق كبير بين البلدين.
حاويات تُحمَّل على متن سفينة شحن راسية في ميناء تابع لهيئة موانئ تايلاند، عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض رسوم جمركية بنسبة 36 في المئة على السلع القادمة من تايلاند اعتبارا من 1 أغسطس/آب، تايلاند، 8 يوليو/تموز 2025
يمكن اليابان أن توفر جزءا من التكنولوجيا والخبرة والمواد والصناعة التحويلية، بينما توفر الولايات المتحدة رأس المال، والطلب الدفاعي، والدعم الحكومي، والسوق الضخمة. وفي هذه الحالة لا تكون النتيجة سلسلة "أميركية" أو "يابانية" بالكامل، بل سلسلة حلفاء موزعة بين عدة دول. وهذا قد يكون أكثر واقعية من محاولة إعادة إنتاج كل مراحل السلسلة داخل الولايات المتحدة وحدها.
المفارقة البيئية: نقل الضرر أم تقليله؟
يقدم مؤيدو التعدين البحري حجة رئيسة مفادها أن استخراج المعادن من قاع المحيط قد يخفف بعض الضغوط المرتبطة بالتعدين البري، مثل إزالة الغابات وفقدان الموائل وتلوث المياه وتراكم مخلفات المناجم. كما تشير شركات القطاع إلى أن تقنيات الاستخراج والرصد الحديثة يمكن أن تحد من بعض الآثار البيئية، وأن بعض الدراسات وجدت إمكانا لتحقيق بصمة كربونية أقل من بعض أشكال التعدين البري. لكن هذه المزايا لا تزال موضع نقاش علمي، ولا سيما بسبب عدم اليقين بشأن آثار أعمدة الرواسب واضطراب النظم البيئية في أعماق البحار.
يقدم مؤيدو التعدين البحري حجة رئيسة مفادها أن استخراج المعادن من قاع المحيط قد يخفف بعض الضغوط المرتبطة بالتعدين البري، مثل إزالة الغابات وفقدان الموائل وتلوث المياه وتراكم مخلفات المناجم
لكن المحيط العميق ليس بيئة فارغة. فقد خلصت مراجعة منشورة في مجلة "كارنت بيولوجي" (Current Biology) إلى أن آثار اضطراب قاع البحر الناجم عن تعدين العقيدات يمكن أن تستمر لعقود، فيما قد تنتشر أعمدة الرواسب لمسافات واسعة، بينما لا تزال المعرفة العلمية بالنظم البيئية في أعماق البحار محدودة، ولا سيما في شأن قدرتها على التعافي من الاضطرابات المتكررة.
وحتى في مشروع ميناميتوريشيما، وعلى الرغم من استخدام أدوات متقدمة لمراقبة الرواسب والكائنات البحرية خلال اختبارات 2026، فإن نجاح تجربة محدودة لا يعني إثبات غياب المخاطر عند الانتقال إلى الإنتاج التجاري الواسع. والمفارقة هنا أن محاولة خفض الضرر البيئي على اليابسة قد تنتهي فقط بنقله إلى أعماق البحار.
من يملك ثروات قاع المحيط؟
السؤال القانوني لا يقل أهمية عن السؤال الاقتصادي. في حالة ميناميتوريشيما، تقع الرواسب داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان، وبالتالي تتمتع اليابان بحقوق سيادية على الموارد الطبيعية في هذه المنطقة.
لكن الوضع مختلف في قاع البحار الواقع خارج حدود الولاية الوطنية. فهناك ما يعرف بـ"المنطقة"، أي قاع البحار وباطنها خارج نطاق الولاية الوطنية، وتعتبر مواردها المعدنية، بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تراثا مشتركا للبشرية. وتتولى "السلطة الدولية لقاع البحار" تنظيم أنشطة استكشاف واستغلال هذه الموارد.
وهذا لا يعني أن أي شركة أو دولة تستطيع ببساطة النزول إلى قاع المحيط واستخراج ما تشاء. بل يعني أن استغلال الموارد في المناطق الدولية يخضع لنظام قانوني دولي خاص، يتعلق بالتراخيص والبيئة وتقاسم المنافع.
عمال ينقلون تربة تحتوي على عناصر أرضية نادرة تمهيدا لتصديرها في ميناء ليانيونغانغ، مقاطعة جيانغسو، الصين، 31 أكتوبر/تشرين الأول 2010
ومن هنا يصبح السؤال "من يملك قاع المحيط؟" سؤالا يتجاوز الجيولوجيا. إنه سؤال عن السيادة، والقانون الدولي، وتقاسم الثروة، ومن يملك التكنولوجيا والقدرة على استغلالها.
قاع المحيط ليس الجبهة الوحيدة
ميناميتوريشيما ليست سوى جزء من تحول أوسع في صناعة التعدين، التي تبحث بصورة متزايدة عن الموارد في المناطق القطبية وأعماق المحيطات وغيرها من البيئات التي كانت تعد حتى وقت قريب بعيدة أو غير اقتصادية.
لكن كلما انتقلت الصناعة إلى بيئات أكثر صعوبة، ارتفعت تكلفة التكنولوجيا والمخاطر البيئية والقانونية. ولهذا فإن السباق إلى قاع المحيط لا يعني بالضرورة أن المعادن البرية لم تعد كافية. إنه يعني أن قيمة أمن الإمدادات ارتفعت إلى درجة تجعل موارد كانت تعتبر غير اقتصادية تدخل الآن في الحسابات الاستراتيجية.
وهذه هي النقطة التي تفسر لماذا تنظر واشنطن وطوكيو إلى مشروع يبدو، من منظور السوق وحده، شديد التكلفة.
المعركة الحقيقية تبدأ بعد قاع المحيط
قد يكون الوصول إلى عمق 6 آلاف متر إنجازا هندسيا هائلا، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصل الطين إلى السطح: هل تستطيع اليابان والولايات المتحدة تحويله إلى عناصر مكررة وسبائك ومغناطيسات تنافسية، من دون أن تعود السلسلة في أي حلقة حاسمة إلى الصين؟
إذا نجحتا في ربط التعدين بالمعالجة والتكرير والتصنيع وتأمين أسواق طويلة الأجل، فقد يتحول قاع المحيط من مصدر للخام إلى لبنة في بنية أمن صناعي جديدة. أما إذا بقيت هذه الحلقات ناقصة، فلن يكون المشروع سوى تغيير في جغرافيا المادة الخام، بينما تظل السلسلة التي تحول المعادن إلى منتجات استراتيجية في قبضة بكين.