هل يكفي التدخل الأميركي لإنقاذ الين الياباني؟

حدث نادر يعيد ذكريات "اتفاق بلازا" و1998 لكن الأزمة مستمرة

رويترز
رويترز
شخص يمشي بجانب شاشة تعرض أسعار العملات الأجنبية مقابل الين الياباني بعد انهيار قيمته، 3 أغسطس/آب 2026

هل يكفي التدخل الأميركي لإنقاذ الين الياباني؟

لم يكن انهيار الين الياباني حدثا مفاجئا، بل جاء نتيجة مسار طويل بدأ مع اتساع الفجوة بين السياسة النقدية في الولايات المتحدة واليابان. ففي الوقت الذي أبقى فيه الاحتياطي الفيديرالي الأميركي أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، واصل بنك اليابان تبني سياسة نقدية أكثر تيسيرا، مما دفع المستثمرين إلى بيع الين وشراء الدولار للاستفادة من العوائد الأعلى على الأصول الأميركية.

كما أدى ارتفاع أسعار النفط بفعل الحرب مع إيران إلى زيادة فاتورة واردات الطاقة في اليابان، وهو ما ضاعف الضغوط على العملة، باعتبار اليابان من أكبر مستوردي الطاقة في العالم. ونتيجة لذلك، هبط الين إلى أدنى مستوياته منذ نحو أربعة عقود.

وتجاوز مستوى 163 ينا للدولار لأول مرة منذ عام 1986 خلال تداولات نيويورك يوم 21 يوليو/تموز 2026، ثم استقر فوق هذا المستوى في التعاملات الآسيوية يوم 22 يوليو/تموز، مسجلا نحو 163.21-163.24 ينا للدولار. وقد رفع هذا الأمر تكلفة الواردات وزاد الضغوط التضخمية على الأسر والشركات اليابانية.

وفي محاولة لوقف هذا التدهور، عقد بنك اليابان اجتماعه الدوري للسياسة النقدية يومي 30 و31 يوليو/تموز 2026، وقرر إبقاء سعر الفائدة عند 1 في المئة، وهو أعلى مستوى في 31 عاما، لكنه أشار إلى استعداده لمواصلة رفع الفائدة تدريجيا إذا استدعت التطورات الاقتصادية ذلك. إلا أن الأسواق كانت تتطلع إلى إجراءات أكثر حزما، معتبرة أن تثبيت الفائدة لن يكون كافيا وحده لوقف نزيف الين.

وقبل صدور قرار البنك المركزي بساعات، نفذت السلطات اليابانية تدخلا في سوق الصرف عبر شراء الين وبيع الدولار في نيويورك، في أول تدخل منذ ثلاثة أشهر.

أدى ارتفاع أسعار النفط بفعل الحرب مع إيران إلى زيادة فاتورة واردات الطاقة في اليابان، وهو ما ضاعف الضغوط على العملة، باعتبار اليابان من أكبر مستوردي الطاقة في العالم

وسرعان ما ظهرت مؤشرات الى أن التدخل لم يكن يابانيا خالصا، إذ ألمح كبير مسؤولي العملة في اليابان أتسوشي ميمورا إلى وجود دعم أميركي، بينما قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الين "يبدو أقل من قيمته الحقيقية".

وبعد أيام، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزارة المالية اليابانية أن وزارة الخزانة الأميركية شاركت رسميا في تدخل منسق مع طوكيو لدعم الين، في خطوة نادرة هي الأولى من نوعها منذ التدخل المشترك عقب زلزال وتسونامي عام 2011.

فاشترت الولايات المتحدة الين وباعت الدولار للمساعدة في رفع قيمة العملة اليابانية. وأكدت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما أن الوزارة اشترت الين "بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأميركية"، فيما أكد ترمب أن الولايات المتحدة قدمت هذا الدعم لليابان.

وأشارت الوثائق التي ظهرت لاحقا إلى أن وزارة الخزانة الأميركية خططت لشراء ما بين 5 و10 مليارات دولار من الين، مقابل بيع قيمة مماثلة من الدولار، إلا أن واشنطن لم تعلن رسميا حجم العمليات التي نُفذت فعليا. ونفذت اليابان تدخلا واسعا في سوق الصرف عبر شراء الين وبيع الدولار، لكن وزارة المالية امتنعت عن الإفصاح عن حجم العملية، بينما رجحت صحيفة "نيكي" أن يكون التدخل كبيرا.

رويترز
البنك المركزي اليابان، طوكيو، 15 يونيو/حزيران 2026

وقدمت الولايات المتحدة دعما عملياتيا عبر الاحتياطي الفيديرالي في نيويورك، إذ أشار كبير مسؤولي العملة في اليابان أتسوشي ميمورا إلى أن الدعم الأميركي تجاوز "الدعم النفسي"، وشمل ما يعرف بـفحوص السوق (Rate Checks)، وهي اتصالات يجريها الاحتياطي الفيديرالي مع المتعاملين لاستطلاع أوضاع السوق، وتُعد غالبا خطوة تمهيدية قبل تنفيذ تدخل رسمي في سوق العملات.

تعافى الين بشكل ملحوظ عقب التدخل الأميركي-الياباني، ليتراجع سعر صرف الدولار من أكثر من 163 ينا إلى نحو 156.7 ينا في حلول 3 أغسطس/آب الجاري، في أكبر مكاسب للعملة اليابانية منذ أشهر.

إلا أن بعض المحللين يعتبرون أن التدخل المشترك نجح في وقف التراجع الحاد للين، لكنه لا يعالج الأسباب الهيكلية لضعفه. فاستدامة تعافي العملة تتطلب تضييق فجوة أسعار الفائدة مع الولايات المتحدة، وهو ما يستدعي استمرار بنك اليابان في تشديد سياسته النقدية تدريجيا، إلى جانب تراجع الضغوط الناجمة عن ارتفاع فاتورة واردات الطاقة. 

لم تعلن وزارة المالية اليابانية العدد الرسمي لعمليات التدخل، لكنها كشفت أنها أنفقت إجمالا 11.7 تريليون ين (73.5 مليار دولار) خلال تدخلات أواخر أبريل/نيسان وأوائل مايو/أيار

وقال ستيفن إينيس، من شركة "أس بي آي" لإدارة الأصول (SPI Asset Management)، إن "فارق العوائد لا يزال واسعا، وعبء واردات الطاقة في اليابان لا يزال كبيرا، كما أن بنك اليابان لا يزال يتحرك بوتيرة أبطأ مما تتطلبه الأسواق لتحقيق انعكاس مستدام في مسار العملة".

لماذا تدخلت الولايات المتحدة؟

سبق التدخل الأميركي تدخلات يابانية بدأت في 30 أبريل/نيسان، عبر شراء الين وبيع الدولار، بعدما سجل الدولار مستوى 160.725 ينا، وهو أضعف مستوى للين منذ يوليو/تموز 2024. وأدى التدخل إلى هبوط الدولار سريعا إلى نحو 155.5 ينا. تلتها عمليات إضافية خلال عطلة الأسبوع الذهبي في أوائل مايو/أيار، قبل أن تعود طوكيو إلى السوق مجددا في 31 يوليو/تموز في تدخل منسق مع الولايات المتحدة.

ولم تعلن وزارة المالية اليابانية العدد الرسمي لعمليات التدخل، لكنها كشفت أنها أنفقت إجمالا 11.7 تريليون ين (73.5 مليار دولار) خلال تدخلات أواخر أبريل/نيسان وأوائل مايو/أيار.

رويترز
أتسوشي ميمورا، نائب وزير المالية الياباني للشؤون الدولية، يتحدث إلى وسائل الإعلام في شأن التحرك المشترك بين الولايات المتحدة واليابان في سوق الصرف الأجنبية، في مبنى وزارة المالية في طوكيو، اليابان، 3 أغسطس/آب 2026

ويمكن إرجاع التدخل الأميركي إلى دوافع عدة، أبرزها دعم حليف استراتيجي، والمساهمة في استقرار أسواق العملات والسندات، والحد من التقلبات المفرطة في سعر الصرف التي قد تمتد آثارها إلى النظام المالي العالمي.

ونقلت وكالة "رويترز" عن شيغيتو ناغاي، كبير الاقتصاديين لشؤون اليابان في "أوكسفورد إيكونوميكس" (Oxford Economics)، أن التدخل كان "وسيلة منخفضة التكلفة لواشنطن لرد الجميل لحليف رئيس، مع حماية استقرار أسواق الصرف والسندات"، بينما وصفه الرئيس ترمب بأنه "إشارة صداقة" ويأنه "جيد أيضا للاقتصاد العالمي". كما أن ضعف الدولار الناتج من التدخل يجعل الصادرات الأميركية أكثر قدرة على المنافسة في السوق اليابانية.

وأوضح نيل نيومان، المدير التنفيذي لشركة "أستريس أدفايزوري اليابان" (Astris Advisory Japan)، أن انخفاض الدولار يخفض تكلفة السلع الأميركية المقومة بالين، مما يعزز تنافسيتها في اليابان.

وفي تقريرها نصف السنوي في شأن سياسات الصرف الصادر في 23 يوليو/تموز 2026، دعت وزارة الخزانة الأميركية بنك اليابان إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة، معتبرة أن تطبيع السياسة النقدية سيساعد في ترسيخ توقعات التضخم والحد من التقلبات المفرطة في سعر الصرف. كما حذرت من استمرار ضعف الين على الرغم من تضييق فجوة أسعار الفائدة بين البلدين، ووصفت التقلبات المفرطة في العملة بأنها غير مرغوبة.

اتفقت الاقتصادات الصناعية الكبرى في اللوفر عام 1987 على أن التعديلات التي أعقبت "اتفاق بلازا" حققت أهدافها إلى حد كبير، وأن الأولوية أصبحت للحفاظ على استقرار أسعار الصرف حول مستوياتها الجديدة

ويضع التدخل الأميركي الأخير في سياق تاريخ طويل، لكنه نادر، لاستخدام واشنطن سوق الصرف كأداة لتحقيق الاستقرار المالي الدولي. فمنذ إنشاء صندوق استقرار الصرف (ESF) عام 1934، اقتصرت التدخلات الأميركية الكبرى على محطات مفصلية.

ففي "اتفاق بلازا" عام 1985، نسقت الولايات المتحدة مع اليابان وألمانيا الغربية وفرنسا وبريطانيا عمليات واسعة لبيع الدولار، بعدما اعتبرت دول مجموعة الخمس أن ارتفاعه المفرط أسهم في تعميق الاختلالات التجارية العالمية، وأن أسعار الصرف يجب أن تعكس الأساسيات الاقتصادية بصورة أفضل.

رويترز
شاشة تعرض خطا بيانيا يوضح تراجع سعر الين الياباني مقابل الدولار الأميركي، طوكيو، اليابان، 3 أغسطس/آب 2026

وبعد نحو عامين، جاء اتفاق اللوفر عام 1987، حيث اتفقت الاقتصادات الصناعية الكبرى على أن التعديلات التي أعقبت "اتفاق بلازا" حققت أهدافها إلى حد كبير، وأن الأولوية أصبحت للحفاظ على استقرار أسعار الصرف حول مستوياتها الجديدة، مع تعزيز التنسيق بين السياسات الاقتصادية للدول الكبرى.

كما شاركت الولايات المتحدة عام 1998 في شراء الين الياباني دعما لخطط طوكيو الرامية إلى تعزيز اقتصادها خلال الأزمة المالية الآسيوية، قبل أن تنضم عام 2000 إلى البنك المركزي الأوروبي في تدخل منسق لشراء اليورو، انطلاقا من المخاوف من أن يؤدي استمرار ضعف العملة الأوروبية إلى تداعيات على الاقتصاد العالمي.

ويظهر هذا السجل أن التدخل الأميركي في أسواق العملات لا يُستخدم بصورة روتينية. فهو أداة استثنائية تلجأ إليها واشنطن  حين ترى أن تقلبات أسعار الصرف تجاوزت ما تبرره الأساسيات الاقتصادية أو باتت تشكل خطرا على الاستقرار المالي العالمي، وهو ما يفسر الأهمية التي اكتسبها التدخل المشترك الأخير لدعم الين الياباني.

font change

مقالات ذات صلة