وارش يعلن نهاية "الإرشاد المسبق" والأسواق تبحث عن البوصلة

التضخم ينتصر مؤقتا والفيديرالي يتمسك بالفائدة المرتفعة

المجلة
المجلة

وارش يعلن نهاية "الإرشاد المسبق" والأسواق تبحث عن البوصلة

مرة جديدة، وقف العالم يترقب اجتماع الاحتياطي الفيديرالي الأميركي وقراره في خصوص سعر الفائدة. وانطلق المحللون يبحثون في انعكاسات ذلك على الاقتصاد الأميركي وعلى الاقتصادات الأخرى.

وكما كان متوقعا، وافقت اللجنة الفيديرالية للسوق المفتوحة بغالبية 9 أصوات مقابل 3 على إبقاء النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيديرالية عند 3.5 في المئة إلى 3.75 في المئة، دعما للتفويض المزدوج للاحتياطي الفيديرالي المتمثل في تحقيق استقرار الأسعار وتعظيم التوظيف. كما تواصل اللجنة سياستها الرامية إلى الحفاظ على مستوى وفير من الاحتياطيات في النظام المصرفي.

وعلى الرغم من ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه خفض الفائدة، رفض الأخير توجيه أي انتقاد لكيفن وارش، الذي اختاره بنفسه لقيادة البنك المركزي. وقال ترمب للصحافيين من المكتب البيضاوي: "إنه رجل لامع". وأضاف: "أعرف أنه يرغب في رؤية أسعار فائدة أقل، لكنه يعمل مع مجلس، وهو مجلس ذو طابع سياسي، وأعضاؤه يريدون إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة. لكننا سنتجاوز تحدي أسعار الفائدة".

تباطؤ منظم مع تضخم عنيد

يدخل الاقتصاد الأميركي النصف الثاني من عام 2026 وهو يحافظ على متانة النمو وسوق العمل، لكنه لا يزال يواجه تضخما يفوق المستهدف، في وقت تزيد فيه الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة من تعقيد مهمة الاحتياطي الفيديرالي في تحقيق استقرار الأسعار.

ووفق أحدث البيانات الرسمية الخاصة بشهر يونيو/حزيران 2026، بلغ معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة 3.5 في المئة، منخفضا من 4.2 في المئة في مايو/أيار الماضي، فيما بلغ التضخم الأساس (Core CPI)، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلبا، فقد بلغ 2.6 في المئة على أساس سنوي، انخفاضا من 2.9 في المئة في مايو/أيار، لكنه لا يزال أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيديرالي البالغ 2 في المئة. وعلى أساس شهري، انخفض مؤشر أسعار المستهلك 0.4 في المئة في يونيو/حزيران، وهو أكبر تراجع شهري منذ أبريل/نيسان 2020.

أكدت اللجنة أن التضخم لا يزال مرتفعا، وأنها ستحقق استقرار الأسعار، وهي عبارة حاسمة تعني أن مكافحة التضخم لا تزال الأولوية الأولى

وخلال المؤتمر الصحافي الذي أعقب اجتماع الاحتياطي الفيديرالي، جدد رئيسه التزامه إعادة التضخم إلى المستهدف وتحقيق استقرار الأسعار، قائلا: "نحن نقوم بواجبنا، وسننجز المهمة. ينصب تركيزنا بالكامل على تحقيق هذا الهدف". لكنه أقر في الوقت نفسه بأنه "لا توجد عصا سحرية" تمكّن البنك المركزي من خفض التضخم بسرعة.

أ.ف.ب
كيفن وارش رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، يؤدي اليمين في مجلس الشيوخ أمام لجنة المصارف والإسكان، 21 أبريل/نيسان 2026

أما معدل البطالة فقد بلغ 4.2 في المئة، منخفضا بشكل طفيف من 4.3 في المئة في مايو/أيار الماضي. وقد بلغ عدد العاطلين عن العمل نحو 7.1 ملايين شخص، ولم يشهد تغيرا يُذكر مقارنة بالشهر السابق أو بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما أضاف الاقتصاد الأميركي 57 ألف وظيفة فقط خارج القطاع الزراعي خلال يونيو/حزيران، بينما استمر نمو التوظيف في قطاعات الخدمات المهنية، والرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية، في حين فقد قطاع الترفيه والضيافة وظائف.

ماذا يعني تثبيت الفائدة مرة أخرى؟

يأتي قرار يوليو/تموز مواصلا نهج الاحتياطي الفيديرالي في تثبيت أسعار الفائدة منذ ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما خفضها إلى نطاق 3.5 في المئة–3.75 في المئة، مع استمرار البنك المركزي في تقييم أثر السياسة النقدية المشددة على التضخم والنمو الاقتصادي. حتى الاجتماع الأخير، يكون الفيديرالي قد ثبت أسعار الفائدة خمس مرات متتالية، وجاءت قرارات التثبيت في اجتماعات يناير/كانون الثاني 2026، ومارس/آذار 2026، وأبريل/نيسان 2026، ويونيو/حزيران 2026، ويوليو/تموز 2026.

يحمل بيان يوليو/تموز رسائل تتجاوز قرار تثبيت الفائدة نفسه، ويمكن تلخيصها بدلالات رئيسة عدة، أولاها أن تثبيت الفائدة ليس رسالة تيسيرية. فعلى الرغم من تثبيت سعر الفائدة، فإن البيان لا يحمل أي إشارة إلى اقتراب خفضها، بل على العكس، حافظ على لهجة متشددة تجاه التضخم.

فقد أكدت اللجنة أن التضخم "لا يزال مرتفعا"، وأنها "ستحقق استقرار الأسعار"، وهي عبارة حاسمة تعني أن مكافحة التضخم لا تزال الأولوية الأولى، حتى مع استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي. وقد عزا الفيديرالي استمرارية التضخم "جزئيا" في بيانه إلى صدمات العرض التي دفعت الأسعار إلى الارتفاع في بعض القطاعات، بما في ذلك قطاع الطاقة. وتؤكد اللجنة التزامها تحقيق استقرار الأسعار.

كان لحرب الشرق الأوسط حصة بالغة الأهمية. فللمرة الثانية، يربط الفيديرالي صراحة حالة عدم اليقين بالصراع في الشرق الأوسط، في إقرار بأن التطورات الجيوسياسية أصبحت عاملا مؤثرا في السياسة النقدية الأميركية

وقال وارش، عقب إعلان القرار، إن خمس سنوات من التضخم المرتفع خلّفت لدى بعض الأسر والشركات والمتعاملين في الأسواق انطباعا خاطئا يصعب التخلص منه، مفاده أن الاحتياطي الفيديرالي يتسامح ضمنيا مع معدل تضخم يتجاوز مستهدفه البالغ 2 في المئة، مشددا على أن هذا الانطباع غير صحيح. وقال: "أكرر مجددا: لا يوجد هدف تضخم مرن، ولا يوجد هدف ضمني متساهل مع التضخم، ما دامت هذه اللجنة تتولى المسؤولية".

وعلى الرغم من تعهداته السابقة بإعادة التضخم إلى مستهدف الاحتياطي الفيديرالي، تجنب وارش حتى الآن التصريح صراحةً بأنه يعتزم رفع أسعار الفائدة. لكنه اقترب أكثر من هذا الاحتمال خلال المؤتمر الصحافي الذي أعقب اجتماع الأربعاء. وقال: "إذا ظل التضخم مرتفعا طوال فترة التوقعات، فقد تكون أسعار الفائدة جزءا من الحل، لكنني لا أقول إنها الحل الوحيد".

وعند سؤاله عن سبب عدم رفع أسعار الفائدة في اجتماع الأربعاء، أوضح وارش أن عوائد السوق ارتفعت بالفعل منذ الاجتماع السابق، في إشارة إلى أن المستثمرين شددوا الأوضاع المالية من تلقاء أنفسهم، وهو ما خفف الحاجة إلى تحرك فوري من الاحتياطي الفيديرالي.

رويترز
أسعار الوقود في محطة تابعة لشركة شل، في مدينة ديل مار بولاية كاليفورنيا، الولايات المتحدة، 3 مارس/آذار 2026

وكان لحرب الشرق الأوسط حصة بالغة الأهمية. فللمرة الثانية، يربط الفيديرالي صراحةً حالة عدم اليقين بالصراع في الشرق الأوسط، في إقرار بأن التطورات الجيوسياسية أصبحت عاملا مؤثرا في السياسة النقدية الأميركية. وقال بيان الفيديرالي إن الاقتصاد الأميركي "يواصل التوسع بوتيرة قوية، على الرغم من استمرار حالة عدم اليقين المرتفعة، والتي تعود جزئيا إلى الصراع في الشرق الأوسط". لكن اللافت أن البنك لم يعتبر هذه التطورات سببا لتغيير موقفه، بل أكد في الوقت نفسه أن الاقتصاد الأميركي لا يزال متماسكا. بمعنى آخر، الحرب أصبحت جزءا من البيئة الاقتصادية، لكنها ليست مبررا لتخفيف السياسة النقدية.

وأبرز البيان أربعة عناصر إيجابية هي النشاط الاقتصادي يتوسع بوتيرة قوية، والإنتاجية ترتفع، والاستثمار الرأسمالي قوي، أما البطالة فمستقرة. وهذا يعني أن الفيديرالي لا يرى علامات تباطؤ اقتصادي تستدعي دعما نقديا عاجلا، وهو ما يمنحه مساحة لإبقاء الفائدة مرتفعة إذا اقتضت الحاجة.

ردود الفعل الأولية

حمل رد فعل الأسواق عقب الاجتماع رسالة مختلفة. فبعد تثبيت أسعار الفائدة، انخفضت عوائد السندات الأميركية القصيرة الأجل، في حين ارتفعت عوائد السندات الطويلة الأجل، متجاوزة عوائد سندات الثلاثين عاما مستوى 5.2 في المئة للمرة الأولى منذ عام 2007، وهو ما فسره محللون بأنه يعكس تشكك المستثمرين في قدرة الاحتياطي الفيديرالي على إعادة التضخم إلى مستهدفه.

إن قرار الاحتياطي الفيديرالي يتوافق مع توقعات الأسواق، إلا أن الأنظار تتجه الآن إلى اجتماع سبتمبر/أيلول، في ظل تزايد الضغوط التي قد تدفع البنك المركزي إلى استئناف رفع الفائدة

رايان ديتريك، كبير استراتيجيي الأسواق في "كارسون غروب"

وفي هذا السياق، كتب محللو "بنك أوف أميركا" أن الأسواق باتت تشكك في صدقية البنك المركزي، معتبرين أن هذا الوضع قد يزيد، بصورة مفارقة، احتمال رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر/أيلول لاستعادة تلك الصدقية.

وقال رايان ديتريك، كبير استراتيجيي الأسواق في "كارسون غروب"، إن قرار الاحتياطي الفيديرالي يتوافق مع توقعات الأسواق، إلا أن الأنظار تتجه الآن إلى اجتماع سبتمبر/أيلول، في ظل تزايد الضغوط التي قد تدفع البنك المركزي إلى استئناف رفع الفائدة. وأضاف أن تسارع التضخم وارتفاع أسعار النفط عززا قناعة المستثمرين بأن الخطوة التالية للفيديرالي قد تكون زيادة جديدة في أسعار الفائدة.

وأنهت المؤشرات الأميركية الرئيسة تعاملاتها على انخفاض تجاوز 1.5 في المئة، بعدما كانت قد استقبلت في البداية قرار الاحتياطي الفيديرالي بارتياح. لكن اتجاه الأسواق تبدّل خلال المؤتمر الصحافي لوارش، بعدما شدد على التزام البنك إعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المئة وتحقيق استقرار الأسعار.

إلى جانب قرار الاحتياطي الفيديرالي، استوعبت الأسواق أيضا القفزة الأخيرة في أسعار النفط، بعدما تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالرد بقوة على إيران عقب الهجوم الذي استهدف قواعد أميركية في الأردن. وفي السياق نفسه، أعلنت السعودية والولايات المتحدة، الأربعاء، تنفيذ ضربات استهدفت مواقع لمسلحين في العراق، بينما اتهمت إسرائيل، حليفة واشنطن، "حزب الله" بانتهاك اتفاق الهدنة.

رويترز
أحد المتداولين يعمل بينما تعرض الشاشات مؤتمراً صحفياً لرئيس مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي كيفن وارش عقب إعلان قرار الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، في قاعة التداول ببورصة نيويورك، 29 يوليو/تموز 2026

وقفزت العقود الآجلة لخام برنت، المعيار العالمي لأسعار النفط، بنحو 8 في المئة لتصل إلى 90.74 دولارا للبرميل، فيما تذبذبت أسعار الذهب، إذ انقسم المستثمرون بين قراءة القرار على أنه يقلل احتمالات رفع الفائدة في الأجل القريب، وبين اعتبار الانقسام داخل لجنة السياسة النقدية وإشارات وارش دليلا على استمرار النهج المتشدد في مواجهة التضخم. وعلى الرغم من أن تثبيت الفائدة يدعم الذهب عادة عبر خفض تكلفة الاحتفاظ به، فإن الأسواق لا تزال مترددة في تفسير موقف الفيديرالي، في وقت يتلقى فيه المعدن النفيس دعما من عمليات الشراء عند انخفاض الأسعار والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، ليستقر قرب مستوى 4,000 دولار للأوقية.

وبعد المكاسب القوية التي حققها في الربع الثاني، دخل مؤشر ناسداك-100 في وقت سابق من الأسبوع منطقة التصحيح، وهي مرحلة تعني تراجع المؤشر بنسبة 10 في المئة أو أكثر من آخر ذروة سجلها

وفي الوقت ذاته، واصل المستثمرون مراقبة نتائج أعمال شركات التكنولوجيا الكبرى، التي تعد المحرك الرئيس للاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتي يعول عليها في دعم آفاق النمو الاقتصادي الأميركي. وبعد المكاسب القوية التي حققها في الربع الثاني، دخل "مؤشر ناسداك-100" في وقت سابق من الأسبوع منطقة التصحيح، وهي مرحلة تعني تراجع المؤشر بنسبة 10 في المئة أو أكثر من آخر ذروة سجلها.

ويرى محللون أن موجة البيع التي طالت أسهم التكنولوجيا جاءت نتيجة مخاوف من أن نتائج الأعمال الحالية قد لا تكون كافية لتبرير الارتفاعات الكبيرة التي سجلها القطاع خلال الربع الثاني. وعقب إغلاق تعاملات الأربعاء، ارتفع سهم "مايكروسوفت" بعد إعلان نتائجه المالية، في حين هبط سهم "ميتا" بشكل حاد.

كما تراجع الدولار أمام اليورو وعدد من العملات الرئيسة الأخرى. وفي أوروبا، تمكن مؤشر "فايننشال تايمز 100" (FTSE 100) في لندن من تسجيل مستوى قياسي جديد، مدعوما بارتفاع أسعار النفط الذي عزز أسهم شركات الطاقة الكبرى، وفي مقدمتها "شل" و"بي بي". ولامس المؤشر مستوى 10,951.06 نقطة، متجاوزا قمته القياسية السابقة البالغة 10,934.94 نقطة، والمسجلة في نهاية فبراير/شباط، قبل أن يقلص جزءا من مكاسبه.

رويترز
رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفن وارش، في مؤتمر صحفي بعد قرار الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مقر الاحتياطي الفيديرالي، واشنطن العاصمة، 29 يوليو/تموز 2026

وفي آسيا، هبط المؤشر الكوري الجنوبي، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره مؤشرا رئيسا لأداء قطاع الذكاء الاصطناعي بسبب الثقل الكبير لشركتي "إس كيه هاينكس" (SK hynix) و"سامسونغ" فيه، بنسبة 6 في المئة، مواصلا خسائره بعد الانخفاض الحاد الذي قارب 11 في المئة في جلسة الثلاثاء. 

ويترقب الاحتياطي الفيديرالي قبل اجتماعه المقبل صدور تقريرين جديدين عن كل من التضخم وسوق العمل، وهما ما سيحددان إلى حد كبير مسار السياسة النقدية. ويرى بعض المحللين أن السيناريو المرجح هو رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر/أيلول، ما لم تشهد سوق العمل تدهورا حادا أو تباطؤ التضخم الأساس بوتيرة تفوق التوقعات.

هل أخفق وارش؟

جاء البيان مختصرا للغاية مقارنة بالسنوات السابقة، ولا يتضمن أي تلميحات في شأن الخطوة المقبلة. وهذا ينسجم مع توجه وارش، الذي يسعى إلى تقليص سياسة "الإرشاد المسبق" (Forward Guidance)، بحيث تصبح كل الاجتماعات مفتوحة على جميع الاحتمالات، بدلا من تمهيد الطريق للأسواق مسبقا.

جاء البيان مختصرا للغاية مقارنة بالسنوات السابقة، ولا يتضمن أي تلميحات في شأن الخطوة المقبلة. وهذا ينسجم مع توجه وارش، الذي يسعى إلى تقليص سياسة "الإرشاد المسبق"

وانتقد مايكل فيرولي، كبير الاقتصاديين الأميركيين في "جيه بي مورغان"، في مذكرة أعقبت المؤتمر الصحافي لوارش وكتب تعليقا قائلا: "من الصعب استخلاص رسالة واضحة من تصريحات وارش، فقد تضمنت الكثير من العبارات المصوغة بعناية، لكنها افتقرت إلى رؤية اقتصادية كلية متماسكة يمكن البناء عليها".

رويترز
كيفن وارش رئيس مجلس الاحتياطي الفيديرالي، يدلي بشهادته في مبنى الكابيتول، واشنطن، 15 يوليو/تموز 2026

وعلى الرغم من امتناعه عن الكشف عن الخطوة المقبلة في السياسة النقدية، لفت وارش إلى أن "قرارات هذه اللجنة لها أهمية كبيرة، وعندما تقتضي الضرورة ويكون ذلك مناسبا، فلن نتردد في التحرك".

وأكد وارش أنه ارتاح لكون الأسواق خلال الفترة الفاصلة بين اجتماعي يونيو/حزيران ويوليو/تموز لم تعد تعتمد على تصريحات مسؤولي البنك المركزي أو توقعات أسعار الفائدة الفصلية (المعروفة بـ"الرسم النقطي")، بل أصبحت تبني قراراتها على قراءتها الخاصة للبيانات الاقتصادية. وشدد على أن الاحتياطي الفيديرالي لا يستهدف توجيه تحركات الأسواق أو المصادقة على تسعيرها، وإنما يراقبها باعتبارها مصدرا مهما للمعلومات.

قبل توليه رئاسة الاحتياطي الفيديرالي، كان وارش ينتقد بشدة سلفه جيروم باول، معتبرا أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الطويلة الأجل بعد خفض أسعار الفائدة آنذاك يعكس تراجع صدقية البنك المركزي. لكن المفارقة أن الأسواق أبدت هذه المرة شكوكا مشابهة على الرغم من قرار وارش تثبيت الفائدة، في حين أرجع هو ارتفاع العوائد إلى مؤشرات إيجابية، مثل قوة استثمارات الشركات.

ورأى محللون أن وارش أخفق في توضيح الشروط التي قد تدفعه إلى رفع أسعار الفائدة مستقبلا إذا استمر التضخم مرتفعا. وكتب جون هيلسنراث، أحد أبرز المتابعين لسياسات الاحتياطي الفيديرالي، أن رئيس البنك المركزي لم يشرح رسالته بوضوح، وهو ما انعكس سلبا على سوق السندات. وقال وارش إن الاحتياطي الفيديرالي يحتاج إلى مراقبة ردود فعل الأسواق تجاه التطورات الاقتصادية "بشكل مباشر ومن دون ترشيح"، إلا أن هذا النهج أثار حيرة عدد من الاقتصاديين، إذ وصف إريك وينوغراد، كبير الاقتصاديين الأميركيين في شركة "ألاينس بيرنشتاين" (AllianceBernstein)، المؤتمر الصحافي بأنه "مربك، وتضمن تناقضات داخلية في أكثر من موضع".

بالإضافة إلى إحجام وارش عن تحديد العوامل التي قد تدفعه إلى رفع أسعار الفائدة مستقبلاً، جاءت إشارته إلى أنه لا يعد الاعتماد على مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) أمرا مسلما به، تساؤلات جديدة في الأسواق في شأن نهجه في إدارة السياسة النقدية. وكتب مايكل فيرولي، كبير الاقتصاديين الأميركيين في "جيه بي مورغان"، أن هذين الموقفين يثيران شكوكا حول قدرة وارش على الوفاء بتعهده بإعادة التضخم إلى مستهدفه.

دلالات الانقسام داخل اللجنة

الرسالة الأبرز ليست تثبيت الفائدة، وإنما تصويت ثلاثة أعضاء لصالح رفعها فورا بمقدار ربع نقطة مئوية. فقد صوّت ضد قرار السياسة النقدية كل من بيث إم. هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري ك. لوغان، إذ فضلوا رفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيديرالية بمقدار ربع نقطة مئوية (0.25 نقطة مئوية) في الاجتماع.

تزداد أهمية هذا القرار مع استمرار الحرب، إذ إن ارتفاع أسعار النفط والطاقة يغذي الضغوط التضخمية عالميا، ما يقلل فرص خفض الفائدة في الولايات المتحدة ويطيل أمد تشديد الأوضاع المالية

ويمثل هذا أول انقسام واضح داخل اللجنة منذ تولي وارش رئاسة الاحتياطي الفيديرالي، بعدما جاء أول اجتماع برئاسته في يونيو/حزيران الماضي بإجماع كامل (12-0). ويكشف تصويت ثلاثة أعضاء لصالح رفع الفائدة عن تنامي جناح يرى أن التضخم لا يزال مرتفعا بما يبرر تشديدا إضافيا. لذلك يمكن اعتبار الاجتماع بمثابة تمهيد لاحتمال رفع الفائدة في الاجتماعات المقبلة إذا لم يتراجع التضخم بصورة واضحة.

لا ينفرد رئيس الاحتياطي الفيديرالي باتخاذ قرار الفائدة، إذ يمتلك صوتا واحدا فقط ضمن أعضاء اللجنة الفيديرالية للسوق المفتوحة. وفي حين اعترض 3 أعضاء على قرار تثبيت الفائدة في اجتماع يوليو/تموز، ورأى محللون أن استمرار الضغوط التضخمية قد يدفع مزيدا من الأعضاء إلى تأييد رفعها في الاجتماعات المقبلة.

وأشار فيرولي إلى أن هذا الانقسام قد يزيد الضغوط على بقية أعضاء اللجنة للتحرك بما يتوافق مع تفويضهم في مكافحة التضخم، لافتا إلى أن رئيس الاحتياطي الفيديرالي لم يسبق له أن وجد نفسه في موقع الأقلية عند التصويت على أسعار الفائدة. وبذلك، يجد وارش نفسه في موقف دقيق بعد أشهر قليلة من توليه المنصب، مع تصاعد التساؤلات حول صدقيته، سواء في نظر الأسواق أو داخل الاحتياطي الفيديرالي نفسه.

بماذا يؤثر قرار الفيديرالي؟

يؤثر قرار الاحتياطي الفيديرالي في مختلف جوانب الاقتصاد الأميركي، لأنه يحدد سعر الفائدة المرجعي الذي تستند إليه البنوك في تسعير القروض. وينعكس ذلك مباشرة على تكلفة بطاقات الائتمان، وقروض السيارات، والرهون العقارية، فضلا عن العوائد التي يحصل عليها المدخرون.

ومع إبقاء الفائدة دون تغيير، ظلت تكلفة الاقتراض عند مستويات مرتفعة، إذ استقر متوسط الفائدة على بطاقات الائتمان الجديدة قرب 24 في المئة، بينما بلغ متوسط الفائدة على قروض السيارات الجديدة نحو 7 في المئة، و10.5 في المئة للسيارات المستعملة.

رويترز
لافتة "وول ستريت" أمام بورصة نيويورك في مانهاتن، 9 مارس/آذار 2020

ويهدف الاحتياطي الفيديرالي من إبقاء الفائدة المرتفعة إلى الحد من التضخم عبر كبح الإنفاق والاقتراض، بما يسهم تدريجيا في استقرار أسعار السلع والخدمات. لكن هذا النهج يفرض في المقابل ضغوطا على الأسر، إذ يزيد تكلفة التمويل ويقلص قدرة أصحاب الدخل المتوسط والمنخفض على شراء المنازل والسيارات، في حين يستفيد المدخرون من استمرار ارتفاع العوائد على الودائع وأدوات الادخار.

انعكاسات قرار الفيديرالي عربيا

يمتد قرار الاحتياطي الفيديرالي تثبيت أسعار الفائدة مباشرة إلى الاقتصادات العربية، خصوصا في ظل الحرب مع إيران. ففي دول الخليج، حيث ترتبط معظم العملات بالدولار، تميل البنوك المركزية إلى مجاراة السياسة النقدية الأميركية للحفاظ على استقرار سعر الصرف، مما يعني استمرار تكلفة الاقتراض عند مستويات مرتفعة للأفراد والشركات والحكومات.

وتزداد أهمية هذا القرار مع استمرار الحرب، إذ إن ارتفاع أسعار النفط والطاقة يغذي الضغوط التضخمية عالميا، مما يقلل فرص خفض الفائدة في الولايات المتحدة ويطيل أمد تشديد الأوضاع المالية.

ويحذر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من أن الحرب في الشرق الأوسط أدت إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والتجارة، مع تراجع توقعات النمو في المنطقة، بينما تواجه الدول العربية المستوردة للطاقة ضغوطا أكبر على الموازنات والتضخم، في حين تستفيد الدول المصدرة للنفط من ارتفاع الأسعار، وإن كانت مكاسبها قد تتراجع إذا طال أمد الصراع أو تعطلت الصادرات عبر الممرات الحيوية.

font change

مقالات ذات صلة