"تنزروفت" الجزائرية... جحيم الجغرافيا المعزولة أمام بارونات المخدرات

هكذا تحولت ثكنة عسكرية إلى سجن عالي التأمين

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
عنصر من الأمن الجزائري يُسيّر دورية في قرية عين صالح الصحراوية جنوبي الجزائر، في 22 ديسمبر 2016

"تنزروفت" الجزائرية... جحيم الجغرافيا المعزولة أمام بارونات المخدرات

"حتى لو تُرك الباب مفتوحا.. فلن يجرؤ أحد على الهرب"، بهذه العبارة استقبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر قرار تحويل ثكنة عسكرية بصحراء "تنزروفت" إلى سجن عالي التأمين مخصص لبارونات المخدرات ومروجيها. هذا المكان الذي وصفه الروائي الجزائري عبد القادر ضيف الله في روايته "تنزروفت بحثا عن الظل" التي صدرت منذ 13 عاما بأنه "مركز الجحيم. حيث تنتهي مباهج الدنيا وعظائمها ليبقى التراب والدود هو المصير"، أصبح اليوم يمثل واجهة لاستراتيجية ردع جديدة تعتمد على العزل الجغرافي الكامل في تجربة شبيهة بسجن "ألكاتراز" الشهير في أميركا أو سجون "سيبيريا" المعزولة.

فبينما ارتكزت هندسة سجن "ألكاتراز" الذي بُني فوق جزيرة ألكاتراز الصخرية في وسط خليج سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، على حصار مياه المحيط الهادئ شديد البرودة وتياراتها القوية لقطع أي أمل في النجاة، واعتمدت "المعتقلات السيبيرية" التاريخية على التوظيف الأمني للصقيع القاسي وغابات "التايغا" (التيغة) اللامتناهية لإجهاض أي محاولة اختراق أو هروب، فإن المعطيات الميدانية لسجن "تنزروفت" تضعه في مرتبة أكثر قسوة من النموذجين السابقين، إذ تصنف الجغرافيا الميدانية لهذه المنطقة كواحدة من أشد بقاع الأرض شراسة حيث يضعها خبراء البيئات الصحراوية في مرتبة متقدمة من حيث الخطورة بعد صحراء "الربع الخالي" في الجزيرة العربية.

أرض الموت الوجودي

في هذا المدى الجغرافي الشاسع الملقب بـ"أرض الرعب"، ويعرف أيضا بـ"صحراء الموت" أو "صحراء العطش"، تبدو الحياة وكأنها بلغت نقطة النهاية، وهو ما يترجمه الواقع الميداني بلافتة التحذير الشهيرة المرفوعة عند مشارف هذا الرق القاحل والتي تحمل عبارة صريحة "حذاري خطر الموت" ولافتات أخرى كتب عليها "كُن حذرا، لا تبتعد على ممر الإشارات".

(أ.ف.ب)
أفراد من الأمن الجزائري يُسيّرون دورية في صحراء تمنراست على بعد 2000 كيلومتر جنوبي الجزائر العاصمة، في 2 يوليو 2018

ويمتد هذا الحيز الجغرافي على طول الحدود الجزائرية المالية غرب جبال الهُقار، ليشكل جنبا إلى جنب مع الصحراء الليبية، واحدة من أكثر بقاع الأرض قحطا وعزلة، حيث تنعدم فيها الحياة البشرية المستقرة تماما، وتفرض طبيعتها القاسية معادلة قوامها الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة التي يُمكن أن تصل في الصيف إلى 52 درجة مئوية حسب خبراء الطقس، والانعدام المطلق للموارد الحيوية وعلى رأسها الماء والغذاء.

حيث لا يلمح العابر لهذا المكان الموحش سوى بقايا جماجم لحيوانات نفقت عطشا، وهياكل سيارات شحبت ألوانها ونهشتها عوامل التعرية والرمال الزاحفة، لتوثق جغرافيا مصير كل من ضل طريقه في هذه البيئة الفتاكة.

تعتمد استراتيجية "تنزروفت" على العزل الجغرافي الكامل في تجربة تشبه سجن "ألكاتراز" الأميركي والمعتقلات السيبيرية لكنها أشد قسوة، إذ تُصنَّف المنطقة من أشرس بقاع الأرض، حيث تبلغ الحرارة فيها صيفا 52 درجة وينعدم الماء والغذاء 

يتجاوز هذا الامتداد الشاسع في تصنيفات القسوة البيئية كلا من صحراء "أنتاركتيكا" وهي أكبر صحراء باردة في العالم وأبرد قارة على سطح الأرض، وصحراء "تاكلامكان" (بحر الموت الصيني)، بل وحتى صحراء "شيواوا" في أميركا اللاتينية الممتدة في عمق قارة أميركا الشمالية، والمعروفة تاريخيا بطبيعتها الموحشة، ذلك أن العبور من تنزروفت يضع الإنسان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما النجاة الاستثنائية التي تتولد بعدها شهادات تروى كالمعجزات، أو الفناء لتتحول المحاولة إلى مجرد قصة تُروى وعبرة لمن تُسول له نفسه تحدي أكثر صحارى العالم قسوة.

ولا تتوقف حدود الخطر في هذه المنطقة عند البيئة الجافة والحرارة القاتلة، بل تتعداها إلى شقها البيولوجي، إذ تُعتبر هذه الصحراء موطنا لحيوانات مفترسة على غرار الأفاعي، والعقارب، والذئاب والضباع، بل وتكشف التقارير الميدانية  وبعض المقاطع التوثيقية إلى رصد "الفهد الأفريقي المتوحش" في عمق براريها، فيما تحلق الصقور والغربان والبوم فوق رؤوس العابرين في شتى المسالك الصحراوية وكأنها تترقب لحظة سقوطهم.

هذا التوصيف لا يتوقف عند حدود التنظير فقط، بل تعززه شهادات ميدانية حية لشباب جزائريين مروا من هذا النطاق لقضاء واجب الخدمة الوطنية، حيث يروي أحد الذين أدوا خدمتهم معايشته القاسية في القطاع العملياتي القريب من المنشأة قائلا: "إن قرار تحويل الثكنة العسكرية إلى سجن عالي التأمين لبارونات المخدرات هو اعتراف رسمي مبطن بأن الجغرافيا التي خدمنا فيها لا تصلح للحياة البشرية، فبين أدرار وبرج باجي مختار، تمتد تنزروفت كقطعة من الجحيم، حيث ينعدم الغطاء النباتي وتختفي المعالم، ويسيطر الانقطاع اللاسلكي المطلق وسط فيادٍ من الرمل والسراب".

ويسترسل المتحدث في توثيق هذه الذاكرة الميدانية الموحشة لشرح طبيعة الحياة خلف الأسوار: "كنا نتحمل درجات حرارة قياسية تتجاوز الستين مئوية تحت لظى الشمس، وكان الحصول على جرعة ماء بارد حلما بعيد المنال، في وقت تصل فيه شاحنة الإمداد بالمياه مرة واحدة أسبوعيا، وهي الظروف القاسية التي يتداخل فيها حر الصيف وغبار خانق يتسلل إلى الرئتين أثناء النوم، وعقارب الليل، وأفاعي النهار، ورياح عاتية تدفن ملامح الأرض، كنا نقضي أشهرا طويلة معزولين تماما عن العالم وعن أهالينا بلا هاتف أو بريد، لقد كنا صغارا في السن، لكننا كنا كبارا في الصبر".

(أ.ف.ب)
جبل "الأسد الجالس" خارج قرية عين صالح الصحراوية جنوبي الجزائر، في 22 ديسمبر 2016

وأمام هذا الحصار البيئي الخانق، يصبح الفرار من أسوار السجن انتحارا محتوما، وهو ما يضعنا مباشرة أمام جملة من التساؤلات الجوهرية حول الخلفيات الاستراتيجية التي استندت إليها أعلى سلطة أمنية في البلاد: إلى أي مدى ستنجح هذه المقاربة الجديدة القائمة على العزل الجغرافي المطلق في كسر شوكة بارونات المخدرات وشل امتدادات شبكاتهم العابرة للحدود؟

وهل يقتصر هذا التموضع الأمني المستحدث في تنزروفت على الأبعاد العقابية والردع النفسي، أم إنه يحمل أبعادا استراتيجية أعمق تتعلق بإعادة رسم خارطة تأمين الشريط الحدودي الجنوبي للبلاد؟

 

الجغرافيا عقيدة الردع

مما لا شك فيه أن القرار يحمل أبعادا جيوستراتيجية بالغة العمق، وفي هذا الإطار التحليلي، تقول نبيلة بن يحيى، الدكتورة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية إن "هذا التموضع المستحدث يحمل دلالات أعمق ترتبط مباشرة باستراتيجيات حماية الأمن القومي، إذ يحمل القرار أبعادا جيوستراتيجية بالغة العمق، تصب في إطار تجفيف مسارات الجريمة المنظمة، وقطع سلاسل الإمداد العابرة للحدود، فضلا عن تحويل المناطق الأكثر عزلة إلى نقاط  ضغط  وردع حاسمة ضد شبكات التهريب".

والمُؤكد أن هذا التحول الاستراتيجي فرضته الأرقام والمعطيات الميدانية المرعبة التي توثقها البيانات الرسمية الصادرة عن مختلف الجهات الأمنية، حيث تشير إحصائيات المحجوزات لعام 2025 إلى اتساع غير مسبوق في جبهة الحرب ضد السموم، بعد ضبط ما يزيد على 40 مليون قرص من المؤثرات العقلية وعلى رأسها مادة البريغابالين أو ما يُعرف محليا بـ"الصاروخ" إلى جانب أزيد من 35 طنا من الكيف المعالج و934 كيلوغراما من الكوكايين الصلب.

ضبطت السلطات أكثر من 40 مليون قرص مخدر عام 2025، وصادرت في 2026 أكبر شحنة في تاريخ الجزائر بعشرة ملايين كبسولة مهلوسة، لكن الخبراء يؤكدون أن السجون وحدها لا تكفي دون تجفيف الحاضنات الاجتماعية للجريمة

وقد بلغت هذه الوتيرة المتصاعدة ذروتها في العمليات النوعية لعام 2026، فخلال السداسي الأول فقط، نجحت مفارز الجيش الوطني الشعبي في إحباط تهريب أزيد من 156 قنطارا من الحشيش، لتتوج المصلحة المركزية  لمكافحة الإتجار غير المشروع بالمخدرات جهودها في أغسطس/آب 2026 بتنفيذ أكبر عملية ضبط في تاريخ البلاد، أسفرت عن تفكيك شبكة دولية منظمة ومصادرة شحنة قياسية بلغت 10.4 مليون كبسولة مهلوسة دفعة واحدة، بالتزامن مع إحباط تهريب شحنات كوكايين متفرقة بينها 33.4 كيلوغرام في غربي البلاد وعملية أخرى ضخمة حجز فيها 228 كيلوغراما بوهران (ثاني أكبر مُدن الجزائر بعد العاصمة، تقع في شمال غرب الجزائر على بعد 432 كيلومترا عن الجزائر العاصمة).

وانطلاقا من هذه الأرقام المهولة التي تعكس حربا ممنهجة ضد الجزائر واستقرارها وأمنها القومي باستهداف مختلف الفئات العمرية خاصة منها الشباب والأطفال، تتقاطع المقاربة الأمنية مع المعيار الجغرافي لتضعنا أمام تجسيد ميداني لمعادلة "الجيوبوليتيك الوقائي"، وتشرح الدكتورة نبيلة بن يحيى أبعاد هذا المفهوم الاستراتيجي بالقول إن "الدولة تستخدم مجالها الجغرافي لتعزيز قُدرتها الاستباقية على منع التهديد وشل حركته قبل وصوله إلى مراكزها السكانية والاقتصادية الحيوية".

وفي حالة إسقاط هذه الرؤية على الحالة الجزائرية، تكتسب "تنزروفت" دلالة إضافية، فالصحراء التي تبدو للوهلة الأولى فراغا جغرافيا قاحلا، تتحول في العقيدة الاستراتيجية الحديثة إلى عمق أمني وحزام للردع وحتى مجال حيوي لإعادة هندسة الأمن القومي وحمايته، فالردع حسب نبيلة بن يحيى  لا يصنع الأسلحة وحدها، فأحيانا يصنع الجغرافيا.

 

تقويض شبكات النفوذ

ولا تتوقف الأبعاد الاستراتيجية لهذا الطوق الأمني عند حدود حماية الأمن القومي فقط، بل تمتد لتستهدف "البنية التنظيمية" لبارونات المخدرات عبر مقاربة تعتمد على "العزل النفسي والعملياتي المطلق"، ففي السجون الواقعة في المدن الكبرى، تضمن المنظومة العقابية قنوات تواصل دورية، حيث تُحدد أوقات الزيارات العائلية بانتظام وتُقسم بطريقة مرنة بين فترات صباحية ومسائية، تمنح السجناء صلة مستمرة بمحيطهم الخارجي.

لكن في عمق تنزروفت، تتلاشى خطوط التواصل مع العالم الخارجي إذ يواجه هؤلاء البارونات قطعا كاملا لخطوط الإمداد والتوجيه، مما يؤدي موضوعيا إلى تجريدهم من مصادر قُوتهم التنظيمية ووضع خلاياهم الميدانية في حالة شلل تام وفقدان للقيادة والسيطرة.

"وزارة الدفاع الوطني الجزائرية"
نشرت وزارة الدفاع الوطني الجزائرية ما يُظهر أفراداً من الدرك الوطني بقسنطينة وتوقيف شخصين ومصادرة نحو نصف مليون قرص مهلوس كانت مخبأة داخل شاحنة ضمن مكافحة المخدرات في الجزائر، في 15 أغسطس 2026

ويقدم في هذا السياق المختص في علم الاجتماع حسين زبيري، مقاربة سوسيولوجية لأبعاد هذا التحول المستحدث، معتبرا أن "الثكنة العسكرية التي تم تحويلها إلى منشأة احتجازية تتميز بظروف طبيعية قاسية، تجعل من مجرد البقاء على قيد الحياة إنجازا استثنائيا، حيث لن يجد الخارجون عن القانون في هذا المكان سوى الصمت القاتل الذي يفرض عليهم عزلة تامة وتقليصا حادا لروابط العائلين ما يجبرهم موضوعيا على مراجعة حتمية وإجبارية لسلوكياتهم ومبادئهم".

ويرى المتحدث أن "تجربة تنزروفت تمثل صدمة نفسية راديكالية تهدف لكسر شوكة بارونات المخدرات وعصابات الأحياء الموالية لها"، ومع ذلك، يشدد على أن "بناء السجون المحصنة لا يمثل الحل النهائي بمفرده، بل يبقى تجفيف الحاضنات الاجتماعية والبيئات المغذية لهذه الظواهر هو الأولوية القصوى للأمن المجتمعي. فإلى جانب المقاربة العقابية الصارمة، يستوجب الردع الشامل تفعيل آليات الوعي، وتحصين الجبهة الثقافية والأخلاقية داخل المجتمع لقطع الطريق أمام أي حاضنة قد توفر ملاذا آمنا لشبكات التهريب، مما يجعل من جحيم تنزروفت ليس مجرد أداة للعقاب، بل نقطة تحول لإعادة هندسة المناعة الاجتماعية وبناء مجتمع محصن ضد الجريمة".

وفي المحصلة، يمثل سجن "تنزروفت" واجهة لاستراتيجية ردع غير مسبوقة تدمج بين الجغرافيا القاسية والرقابة الأمنية الصارمة لكبح نفوذ كبار البارونات، ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تفتح نافذة للوعي الجماعي، فبقدر ما نجحت الترسانة الاحتجازية في قطع خطوط إمداد السموم وعزل مدبريها في أقصى الجنوب، بقدر ما يتطلب المستقبل استكمال المعركة خارج الأسوار بتجفيف الحاضنات الاجتماعية للجريمة.

font change

مقالات ذات صلة