"حتى لو تُرك الباب مفتوحا.. فلن يجرؤ أحد على الهرب"، بهذه العبارة استقبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر قرار تحويل ثكنة عسكرية بصحراء "تنزروفت" إلى سجن عالي التأمين مخصص لبارونات المخدرات ومروجيها. هذا المكان الذي وصفه الروائي الجزائري عبد القادر ضيف الله في روايته "تنزروفت بحثا عن الظل" التي صدرت منذ 13 عاما بأنه "مركز الجحيم. حيث تنتهي مباهج الدنيا وعظائمها ليبقى التراب والدود هو المصير"، أصبح اليوم يمثل واجهة لاستراتيجية ردع جديدة تعتمد على العزل الجغرافي الكامل في تجربة شبيهة بسجن "ألكاتراز" الشهير في أميركا أو سجون "سيبيريا" المعزولة.
فبينما ارتكزت هندسة سجن "ألكاتراز" الذي بُني فوق جزيرة ألكاتراز الصخرية في وسط خليج سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، على حصار مياه المحيط الهادئ شديد البرودة وتياراتها القوية لقطع أي أمل في النجاة، واعتمدت "المعتقلات السيبيرية" التاريخية على التوظيف الأمني للصقيع القاسي وغابات "التايغا" (التيغة) اللامتناهية لإجهاض أي محاولة اختراق أو هروب، فإن المعطيات الميدانية لسجن "تنزروفت" تضعه في مرتبة أكثر قسوة من النموذجين السابقين، إذ تصنف الجغرافيا الميدانية لهذه المنطقة كواحدة من أشد بقاع الأرض شراسة حيث يضعها خبراء البيئات الصحراوية في مرتبة متقدمة من حيث الخطورة بعد صحراء "الربع الخالي" في الجزيرة العربية.
أرض الموت الوجودي
في هذا المدى الجغرافي الشاسع الملقب بـ"أرض الرعب"، ويعرف أيضا بـ"صحراء الموت" أو "صحراء العطش"، تبدو الحياة وكأنها بلغت نقطة النهاية، وهو ما يترجمه الواقع الميداني بلافتة التحذير الشهيرة المرفوعة عند مشارف هذا الرق القاحل والتي تحمل عبارة صريحة "حذاري خطر الموت" ولافتات أخرى كتب عليها "كُن حذرا، لا تبتعد على ممر الإشارات".

ويمتد هذا الحيز الجغرافي على طول الحدود الجزائرية المالية غرب جبال الهُقار، ليشكل جنبا إلى جنب مع الصحراء الليبية، واحدة من أكثر بقاع الأرض قحطا وعزلة، حيث تنعدم فيها الحياة البشرية المستقرة تماما، وتفرض طبيعتها القاسية معادلة قوامها الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة التي يُمكن أن تصل في الصيف إلى 52 درجة مئوية حسب خبراء الطقس، والانعدام المطلق للموارد الحيوية وعلى رأسها الماء والغذاء.
حيث لا يلمح العابر لهذا المكان الموحش سوى بقايا جماجم لحيوانات نفقت عطشا، وهياكل سيارات شحبت ألوانها ونهشتها عوامل التعرية والرمال الزاحفة، لتوثق جغرافيا مصير كل من ضل طريقه في هذه البيئة الفتاكة.


