لطالما قيس نفوذ العملات بحصتها في احتياطيات المصارف المركزية، أو استخدامها في التجارة الدولية وتسعير النفط والسلع. إلا أن هذا القياس لم يعد كافيا. لا تتحول العملة، مهما كان الاقتصاد الذي يصدرها كبيرا، إلى قوة عالمية إذا تعذر نقلها بسهولة، أو إذا لم تتوافر لها السيولة والأصول الآمنة وشبكات القبول والتسوية. لهذا تكتسب ندوة "جاكسون هول" الاقتصادية لعام 2026 أهمية تتجاوز السؤال المعتاد عن اتجاه معدلات الفائدة.
عقد الندوة مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي في كانساس سيتي بين 27 و29 أغسطس/آب تحت عنوان "الابتكار المالي: الآثار المترتبة على المدفوعات والسياسة"، وخصص برنامجها لبحث البنية التي يتحرك المال عبرها من أنظمة الدفع الفوري، والعملات المستقرة، والأصول المرمزة، والعملات الرقمية للمصارف المركزية، ومستقبل المصارف مع اتساع نفوذ المنصات. ووصف منظمو الندوة أنظمة الدفع بأنها "جهاز الدورة الدموية للاقتصاد". وليس امتلاك العملة المصدر الوحيد للنفوذ، فهناك أيضا القدرة على تحديد القواعد التي تنتقل الأموال بموجبها، ومعرفة وجهتها، والسماح بوصولها أو منعها.
الدولار ليس عملة فقط
لا تستند قوة الدولار إلى حجم الاقتصاد الأميركي أو عمق سوق سندات الخزانة وحدهما. تقوم قوته أيضا على منظومة مالية مترابطة تشمل المصارف المراسلة، وأسواق الصرف، والبنى التحتية للمقاصة والتسوية، والمؤسسات القانونية والتنظيمية. ويظهر حجم هذه المنظومة في سوق الصرف الأجنبي، الذي بلغ متوسط التداول فيه 9.6 تريليون دولار يوميا في أبريل/نيسان 2025، بزيادة 28 في المئة عن 7.5 تريليون دولار في 2022، وكان الدولار طرفا في 89 في المئة من جميع معاملات الصرف الأجنبي.
وتؤدي "سويفت" (SWIFT) - وهي شبكة عالمية للرسائل المالية الآمنة، تستخدمها البنوك والمؤسسات المالية لتبادل التعليمات والمعلومات المتعلقة بالمدفوعات العابرة للحدود، لا تحتفظ بالأموال أو تدير الحسابات، ولا تنقل الأموال بنفسها، إذ تتم حركة الأموال عبر المؤسسات المالية المشاركة في العملية - دورا مهما في هذه المنظومة. وترتبط تربط منصة "سويفت" أكثر من 11,500 مؤسسة مصرفية ومالية وبنى تحتية وأسواقا وشركات في أكثر من 200 دولة وإقليم، وتتيح لها تبادل الرسائل المالية المعيارية بصورة آمنة. أما انتقال الأموال وتسويتها فعليا فيجريان عبر حسابات المؤسسات وبنى دفع متخصصة، من بينها "فيدواير" التابع للاحتياطي الفيديرالي و"تشيبس". وتُظهر إحصاءات "فيدواير" أن النظام عالج في 2025 نحو 217 مليون تحويل، فيما بلغ متوسط قيمة التحويلات اليومية نحو 4.6 تريليون دولار، وهي أرقام تعكس ضخامة البنية التحتية للمدفوعات بالدولار.
وفي مدفوعات التجزئة، تظهر طبقة أخرى من القوة تتمثل في شبكات مثل "فيزا" و"ماستركارد". لا تعمل الشركتان كبنوك تقليدية للمستهلكين، فالبطاقات تصدرها عادةً بنوك أو مؤسسات مالية، بينما تربط شبكات البطاقات بين البنك المُصدر للبطاقة والبنك المُستحوذ الذي يخدم التاجر، وتوفر البنية اللازمة لتوجيه المعاملة والتحقق منها ومقاصتها وتسويتها. وتوضح "فيزا" أن شبكتها "فيزا نت" (VisaNet) تتولى توجيه طلبات التفويض من البنك المستحوذ إلى البنك المُصدر، ثم توفر خدمات المقاصة والتسوية بينهما. وبالمثل، تقول "ماستركارد" إن شبكتها تنفذ وظائف التفويض والمقاصة والتسوية.






