"ندوة جاكسون هول" تكشف معركة المال الجديدة

هل يستطيع العالم بناء بديل من الدولار؟

.أ.ب
.أ.ب
يتحدث رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش، في الوسط، مع محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي، في اليمين، ومحافظ بنك كندا تيف ماكليم، خلال الندوة السنوية لسياسات الاقتصاد في جاكسون هول، يوم الجمعة ، في موران بولاية وايومنغ، 28 أغسطس 2026

"ندوة جاكسون هول" تكشف معركة المال الجديدة

لطالما قيس نفوذ العملات بحصتها في احتياطيات المصارف المركزية، أو استخدامها في التجارة الدولية وتسعير النفط والسلع. إلا أن هذا القياس لم يعد كافيا. لا تتحول العملة، مهما كان الاقتصاد الذي يصدرها كبيرا، إلى قوة عالمية إذا تعذر نقلها بسهولة، أو إذا لم تتوافر لها السيولة والأصول الآمنة وشبكات القبول والتسوية. لهذا تكتسب ندوة "جاكسون هول" الاقتصادية لعام 2026 أهمية تتجاوز السؤال المعتاد عن اتجاه معدلات الفائدة.

عقد الندوة مجلس الاحتياطي الفيديرالي الأميركي في كانساس سيتي بين 27 و29 أغسطس/آب تحت عنوان "الابتكار المالي: الآثار المترتبة على المدفوعات والسياسة"، وخصص برنامجها لبحث البنية التي يتحرك المال عبرها من أنظمة الدفع الفوري، والعملات المستقرة، والأصول المرمزة، والعملات الرقمية للمصارف المركزية، ومستقبل المصارف مع اتساع نفوذ المنصات. ووصف منظمو الندوة أنظمة الدفع بأنها "جهاز الدورة الدموية للاقتصاد". وليس امتلاك العملة المصدر الوحيد للنفوذ، فهناك أيضا القدرة على تحديد القواعد التي تنتقل الأموال بموجبها، ومعرفة وجهتها، والسماح بوصولها أو منعها.

الدولار ليس عملة فقط

لا تستند قوة الدولار إلى حجم الاقتصاد الأميركي أو عمق سوق سندات الخزانة وحدهما. تقوم قوته أيضا على منظومة مالية مترابطة تشمل المصارف المراسلة، وأسواق الصرف، والبنى التحتية للمقاصة والتسوية، والمؤسسات القانونية والتنظيمية. ويظهر حجم هذه المنظومة في سوق الصرف الأجنبي، الذي بلغ متوسط التداول فيه 9.6 تريليون دولار يوميا في أبريل/نيسان 2025، بزيادة 28 في المئة عن 7.5 تريليون دولار في 2022، وكان الدولار طرفا في 89 في المئة من جميع معاملات الصرف الأجنبي.

وتؤدي "سويفت" (SWIFT) - وهي شبكة عالمية للرسائل المالية الآمنة، تستخدمها البنوك والمؤسسات المالية لتبادل التعليمات والمعلومات المتعلقة بالمدفوعات العابرة للحدود، لا تحتفظ بالأموال أو تدير الحسابات، ولا تنقل الأموال بنفسها، إذ تتم حركة الأموال عبر المؤسسات المالية المشاركة في العملية - دورا مهما في هذه المنظومة. وترتبط تربط منصة "سويفت" أكثر من 11,500 مؤسسة مصرفية ومالية وبنى تحتية وأسواقا وشركات في أكثر من 200 دولة وإقليم، وتتيح لها تبادل الرسائل المالية المعيارية بصورة آمنة. أما انتقال الأموال وتسويتها فعليا فيجريان عبر حسابات المؤسسات وبنى دفع متخصصة، من بينها "فيدواير" التابع للاحتياطي الفيديرالي و"تشيبس". وتُظهر إحصاءات "فيدواير" أن النظام عالج في 2025 نحو 217 مليون تحويل، فيما بلغ متوسط قيمة التحويلات اليومية نحو 4.6 تريليون دولار، وهي أرقام تعكس ضخامة البنية التحتية للمدفوعات بالدولار.

وفي مدفوعات التجزئة، تظهر طبقة أخرى من القوة تتمثل في شبكات مثل "فيزا" و"ماستركارد". لا تعمل الشركتان كبنوك تقليدية للمستهلكين، فالبطاقات تصدرها عادةً بنوك أو مؤسسات مالية، بينما تربط شبكات البطاقات بين البنك المُصدر للبطاقة والبنك المُستحوذ الذي يخدم التاجر، وتوفر البنية اللازمة لتوجيه المعاملة والتحقق منها ومقاصتها وتسويتها. وتوضح "فيزا" أن شبكتها "فيزا نت" (VisaNet) تتولى توجيه طلبات التفويض من البنك المستحوذ إلى البنك المُصدر، ثم توفر خدمات المقاصة والتسوية بينهما. وبالمثل، تقول "ماستركارد" إن شبكتها تنفذ وظائف التفويض والمقاصة والتسوية.

الدولار استحوذ في مايو/أيار على 59.1 في المئة من قيمة المدفوعات الدولية عند استبعاد المعاملات داخل منطقة اليورو، في مقابل 13.9 في المئة لليورو و2.2 في المئة لليوان الصيني

لذلك قد تضم عملية الدفع أطراف عدة وبنى تحتية: حامل البطاقة، والتاجر، والبنك المُصدر، والبنك المستحوذ، وشبكة البطاقة، وربما معالج دفع أو بوابة دفع. وتتم عملية التفويض في ثوانٍ عادةً، بينما تأتي المقاصة والتسوية في مرحلة لاحقة وفق آلية الشبكة والبنوك المعنية. أما التسوية بين البنوك فقد تتم عبر أنظمة دفع تستخدم أموال البنوك التجارية أو أموال المصرف المركزي؛ ويُعد "فيدواير" مثلا على نظام يسوي المدفوعات النهائية في أموال المصرف المركزي. 

بحسب بيانات "سويفت" عن مايو/أيار 2026، استحوذ الدولار على 59.1 في المئة من قيمة المدفوعات الدولية عند استبعاد المعاملات داخل منطقة اليورو، في مقابل 13.9 في المئة لليورو و2.2 في المئة لليوان الصيني. لا تشمل هذه الأرقام المدفوعات كلها التي جرت في العالم، بل الرسائل التي تمر عبر "سويفت". ومع ذلك، فهي توضح الفارق بين وزن الاقتصاد الصيني والانتشار الدولي لعملته.

وتجدر الإشارة إلى أنه كلما انضم مزيد من المصارف والشركات والأفراد إلى شبكة مالية أو إلى استخدام عملة معينة، ازدادت مزايا استخدامها، وارتفعت تكلفة الانتقال إلى بديل. فتتراكم حول الشبكة مع الوقت السيولة، والخبرة، والعلاقات المصرفية، والمعايير الفنية والتنظيمية، والثقة. وتخلق هذه تأثيرات الشبكة حلقة تغذي نفسها، فاتساع الاستخدام يجذب مزيدا من المستخدمين، ومزيد المستخدمين يعمق السيولة ويزيد جاذبية الشبكة. لذلك يصعب إضعاف هيمنة الدولار بمجرد اتفاق مجموعة من الدول على استخدام عملاتها المحلية، إذ يحتاج البديل إلى منظومة مالية متكاملة تشمل أسواقا عميقة وسائلة، وشبكات مراسلة ومدفوعات، وعلاقات مصرفية، وقواعد ومعايير مشتركة، وآليات لتوفير السيولة والتسوية، وقادرة على العمل بكفاءة في الظروف العادية وأثناء الأزمات.

الصين تبني مسارا موازيا

لم تكتف الصين بالدعوة إلى توسيع استخدام اليوان في التجارة، بل أنشأت نظام المدفوعات بين المصارف عبر الحدود "سيبس" (CIPS)، الذي يقدم خدمات المقاصة والتسوية لمعاملات اليوان العابرة للحدود وخارجها. وفي نهاية يونيو/حزيران 2026، كان النظام يضم 210 مشاركين مباشرين و1,619 مشاركا غير مباشر.

رويترز
شاشة عملاقة تعرض خطاب الرئيس الصيني شي جين بينغ أثناء الجلسة العامة الثالثة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني، في بكين بالصين، بتاريخ 18 يوليو 2024

وكانت خدماته، وفق الشركة المشغلة، تصل في نهاية الربع الأول من العام إلى 191 دولة ومنطقة وأكثر من 5,100 مؤسسة مصرفية. ولا تعني هذه المؤسسات أنها كلها أعضاء مباشرين أو غير مباشرين في "سيبس"، لكنها تعكس مدى اتساع شبكة المؤسسات التي يمكن للنظام الوصول إليها من خلال المشاركين فيه.

وتجدر الإشارة إلى أنه كلما انضم مزيد من المصارف والشركات والأفراد إلى شبكة مالية أو إلى استخدام عملة معينة، ازدادت مزايا استخدامها، وارتفعت تكلفة الانتقال إلى بديل. فتتراكم حول الشبكة مع الوقت السيولة، والخبرة، والعلاقات المصرفية، والمعايير الفنية والتنظيمية، والثقة. وتخلق هذه تأثيرات الشبكة حلقة تغذي نفسها، فاتساع الاستخدام يجذب مزيدا من المستخدمين، ومزيد المستخدمين يعمّق السيولة ويزيد جاذبية الشبكة.

العملة الدولية تحتاج إلى قابلية التحويل بحرية، وأسواق مالية عميقة، وأصول آمنة يستطيع المستثمرون الاحتفاظ بها، وإطار قانوني يمكن توقعه

وازداد الاهتمام بهذه البنية بعدما أظهرت العقوبات الغربية على روسيا أن شبكات المال الدولية ليست منفصلة عن السياسة. فقد تحولت القدرة على استبعاد مصرف أو بلد من قنوات الدفع إلى أداة مهمة للضغط المالي. ففي عام 2022، استبعد الاتحاد الأوروبي ودول غربية أخرى بنوكا روسية رئيسية من شبكة "سويفت". لكن "سيبس" ليس نسخة صينية من "سويفت". فالأول نظام دفع ومقاصة وتسوية يركز على معاملات الرنمينبي الصينية العابرة للحدود، بينما الثانية شبكة عالمية لتبادل الرسائل المالية بعملات متعددة. ولا يزال النظامان متداخلين، إذ يستطيع المشاركون في "سيبس" استخدام "سويفت" لتبادل رسائل الدفع، خصوصا المؤسسات التي لا ترتبط مباشرة بنظام الرسائل الخاص بـ"سيبس".

كذلك تواجه الصين عقبة لا تحلها التكنولوجيا. تحتاج العملة الدولية إلى قابلية التحويل بحرية، وأسواق مالية عميقة، وأصول آمنة يستطيع المستثمرون الاحتفاظ بها، وإطار قانوني يمكن توقعه. وهكذا تظل القيود الصينية على حركة رأس المال عاملا يحد من انتشار اليوان مهما ازدادت كفاءة الشبكة التي تستخدمه.

.أ.ف.ب
الرئيس البرازيلي لولا ديسيلفا بجانب وزير خارجيته، يصافحون الوفد الأوروبي برئاسة المفوضة أرسولا فون دير لاين، في ريو دي جانيرو، البرازيل 16 يناير 2026

وفي هذا السياق، ويكشف مسار الرنمينبي عن تقدم واضح في وظيفته كعملة للتجارة والمدفوعات، وإن لم يتحول بعد إلى منافس مكافئ للدولار كعملة احتياط. فبحسب منتدى الاقتصاد العالمي، يُسوّى الآن أكثر من 60 في المئة من التجارة الصينية العابرة للحدود بالرنمينبي، فيما تجري 99 في المئة من التجارة بين الصين وروسيا بالعملات المحلية. وفي المقابل، لا يزال الرنمينبي يمثل أقل بقليل من 2 في المئة من الاحتياطيات الرسمية العالمية، مقابل 58 في المئة للدولار.

البرازيل… نجاح محلي يصعب تدويله

تقدم البرازيل نموذجا آخر. ففي 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أطلق مصرفها المركزي نظام "بيكس" (Pix) للمدفوعات الفورية، وسرعان ما أصبح جزءا من الحياة اليومية للبرازيليين. وفي نهاية 2025، كان النظام قد وصل إلى نحو 170 مليون مستخدم، فيما بلغت قيمة معاملاته خلال 2024 نحو 11 تريليون ريال برازيلي. ويتيح "بيكس" تحويل الأموال بين الحسابات خلال ثوانٍ وعلى مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، باستخدام مفاتيح مبسطة مثل رقم الهاتف أو رمز "كيو آر" (QR)، من دون الحاجة إلى إدخال بيانات الحساب المصرفي كاملة. وأظهر النظام أن بنية دفع عامة ومفتوحة يمكن أن تنافس عمليا وسائل الدفع التقليدية والخاصة، إذ وصفه البنك المركزي بأنه بيئة مفتوحة ومحايدة تعزز المنافسة والكفاءة وتخفض التكاليف، فيما أصبح "بيكس" أكثر وسائل الدفع استخداما بين البرازيليين.

أثبت ربط أنظمة الدفع عبر الحدود أنه أصعب بكثير من تشغيلها داخل بلد واحد. فهو يتطلب معالجة اختلاف القوانين والأطر التنظيمية، وتوفير السيولة بالعملات المختلفة، وتنسيق متطلبات التحقق والامتثال ومكافحة غسل الأموال، فضلا عن وضع قواعد واضحة للحوكمة وتوزيع المسؤوليات والمخاطر عند حدوث الاحتيال أو فشل المعاملة

لكن نجاحه لا يزال محليا في المقام الأول، فيما أثبت ربط أنظمة الدفع عبر الحدود أنه أصعب بكثير من تشغيلها داخل بلد واحد. فهو يتطلب معالجة اختلاف القوانين والأطر التنظيمية، وتوفير السيولة بالعملات المختلفة، وتنسيق متطلبات التحقق والامتثال ومكافحة غسل الأموال، فضلاً عن وضع قواعد واضحة للحوكمة وتوزيع المسؤوليات والمخاطر عند حدوث الاحتيال أو فشل المعاملة. ويشير بنك التسويات الدولية إلى أن محدودية التشغيل البيني والاختلافات المؤسسية بين الدول من أبرز العوائق أمام المدفوعات العابرة للحدود.

وبمقدرة البرازيل تصدير خبرتها، لكن تحويل "بيكس" إلى أداة دفع دولية يتوقف على ربطه بأنظمة دفع في دول أخرى؛ وهو ما يدرسه البنك المركزي البرازيلي بالفعل عبر خيارات تشمل الربط الثنائي والمنصات متعددة الأطراف. وقد يكون المسار الأكثر واقعية هو ربط شبكات الدفع الوطنية بعضها ببعض بدلا من إنشاء تطبيق عالمي واحد، وهو اتجاه ينسجم مع نموذج "نكسس" (Nexus) الذي طوّره بنك التسويات الدولية لربط أنظمة الدفع الفوري الوطنية عبر الحدود.   

"بريكس"... الطموح أكبر من البنية القائمة

تسعى دول مجموعة "بريكس" إلى زيادة استخدام العملات الوطنية وتنويع قنوات المدفوعات الدولية، بما يقلل اعتمادها على البنية المالية التي يهيمن عليها الدولار. ومنذ 2020، يعمل فريق عمل المدفوعات في المجموعة على معالجة تحديات التعاون في المدفوعات، قبل أن تتبلور لاحقا "مبادرة المدفوعات عبر الحدود لدول بريكس" (BCBPI). وشملت الجهود توسيع التسويات بالعملات الوطنية، وتعزيز التعاون بين أنظمة الدفع، والعمل على تطبيق وتنسيق رسائل المدفوعات وفق معيار ISO 20022، إلى جانب بحث استخدام قنوات بديلة للرسائل المالية.

رويترز
صورة جماعية لقادة وزعماء الدول خلال قمة بريكس، في ريو دي جانيرو، البرازيل 7 يوليو 2025

إلا أن الكلام عن "عملة بريكس" أو شبكة موحدة جاهزة لا يعكس الواقع بعد. ما هو قائم هو مجموعة من المبادرات والاتفاقات الثنائية ومحاولات الربط بين أنظمة وطنية، ولا توجد بنية واحدة تقارب انتشار النظام الحالي أو سيولته. وتصريحات قادة "بريكس" والمسؤولين عنها تؤكد أن التركيز الحالي هو على استخدام العملات المحلية وربط أنظمة الدفع، فيما وصف الرئيس الروسي فكرة العملة الموحدة بأنها سابقة لأوانه.

وفي أغسطس/آب الجاري، قال محافظ البنك المركزي الهندي إن دول "بريكس" تناقش فعليا ربط أنظمة المدفوعات الفورية والعملات الرقمية للبنوك المركزية، مع بقاء الأفكار في مرحلة النقاش. وتختلف أيضا مصالح الدول الأعضاء ودرجة انفتاح أسواقها. فتريد الهند خفض تكلفة المدفوعات وتقليل الاعتماد على الدولار، لكنها تدفع في الوقت نفسه نحو تدويل الروبية، مما يعكس رغبتها في تنويع خياراتها المالية لا استبدال تبعية مالية بأخرى.

معظم العملات المستقرة مقوم بالعملة الأميركية، وانتشارها قد يوسع استخدام الدولار رقميا في الاقتصادات الناشئة، حتى حين تجري المعاملات خارج القنوات المصرفية المعتادة

وتركز البرازيل على الكفاءة والاستقلالية، بينما تحتاج روسيا، الواقعة تحت العقوبات، إلى إيجاد قنوات بديلة بسرعة أكبر. لهذا قد يكون ربط الأنظمة الوطنية القائمة أكثر قابلية للتنفيذ من إنشاء عملة موحدة أو مؤسسة مركزية جديدة. ويبدو أن العالم يتجه إلى تعدد مسارات الدفع، إذ تتعايش قنوات متوازية وتتصل عند الضرورة، من دون أن تختفي المنظومة الدولارية.

العملات المستقرة توسع دائرة الدولار

يأتي تحد آخر من خارج الحكومات. العملات المستقرة، وهي رموز رقمية ترتبط قيمتها في الغالب بالدولار وتنتقل عبر شبكات "البلوك تشين"، وتتيح تحويل الأموال بسرعة، ولا سيما في البلدان التي تعاني ضعفا في الخدمات المصرفية أو صعوبة في الوصول إلى العملات الأجنبية.

وقد تقلل هذه العملات اعتماد المستخدمين على المصارف التقليدية، لكن ذلك لا يعني إضعاف الدولار. فمعظم العملات المستقرة (89 في المئة) مقوم بالعملة الأميركية، وانتشارها قد يوسع استخدام الدولار رقميا في الاقتصادات الناشئة في ما يعرَف بـ"الدولرة الرقمية"، حتى حين تجري المعاملات خارج القنوات المصرفية المعتادة.

.أ.ف.ب
موظف في متجر صرافة يقوم ببيع الدولار مقابل العملة المحلية في جاكرتا، إندونيسيا، 12 مايو 2026

ولا تكون العملية أرخص دائما لمجرد أنها أسرع. يحتاج المستخدم في الغالب إلى شراء العملة المستقرة بعملته المحلية، ثم يحتاج المتلقي إلى بيعها. وعند احتساب عمولات الدخول والخروج وفروق أسعار الصرف وإجراءات الامتثال، قد تساوي التكلفة تكلفة التحويل المصرفي أو تتجاوزها. بحسب تقرير بنك التسويات الدولية لعام 2026، تبلغ القيمة السنوية المعدلة لمعاملات العملات المستقرة نحو 390 مليار دولار، وفق منهجية تستبعد قسما كبيرا من التحويلات المتكررة والمرتبطة بالتداول. وهذا أقل من واحد في المئة من قيمة المدفوعات عبر الشبكات التقليدية الكبرى.

وللمقارنة، يقاصّ "تشيبس"، وهو أكبر نظام خاص لتسوية المدفوعات بالدولار، نحو 2.2 تريليون دولار في يوم العمل الواحد. لا يجعل ذلك العملات المستقرة ظاهرة هامشية. هي تنمو بسرعة وتوفر حلا عمليا في بعض ممرات التحويل البطيئة والمكلفة. لكنه يبين أن تحولها إلى بنية تحمل جانبا كبيرا من مدفوعات الاقتصاد العالمي يحتاج إلى وقت وقواعد تنظيمية وثقة أوسع.

وفي "ندوة جاكسون هول"، قال المدير العام لبنك التسويات الدولية، بابلو هرنانديز دي كوس، إن العملات المستقرة "ليست وسيلة دفع موثوقا بها على نطاق واسع"، مشيرا إلى مخاطر تتعلق بالاستقرار المالي، وقابلية التشغيل البيني، ومكافحة غسل الأموال، والسيادة النقدية. ويرى أن الودائع المصرفية المرمّزة أكثر ملاءمة لتكون أساس المدفوعات اليومية، على أن تقتصر العملات المستقرة على استخدامات متخصصة.

تنشئ المصارف الائتمان وتدير السيولة وتتحقق من هوية العملاء وتتحمل المخاطر، كما ترتبط مباشرة بأموال المصرف المركزي

وفي ورقته المقدمة إلى "جاكسون هول" بعنوان "التمويل المرمّز وحدود عمل البنوك المركزية"، ينطلق داريل دافي، الأستاذ في جامعة ستانفورد والمشارك في برنامج جاكسون هول 2026، من أن دفاتر أستاذ القابلة للبرمجة (programmable ledgers) وهي سجل رقمي لحفظ ملكية الأموال أو الأصول وتسجيل حركتها، يمكن برمجة قواعد لتنفيذ المعاملات عليه تلقائياً، والتي تعمل 24 ساعة يوميا، 7 أيام أسبوعيا يمكن أن تزيد كفاءة الأسواق المالية، لأنها تسمح ببرمجة عمليات التداول والدفع والتسوية وربطها في عملية واحدة. لكنه يرى أن الانتقال سيكون تدريجيا، لأن الأنظمة التقليدية تتمتع بتأثيرات شبكة قوية وبنية قائمة يصعب استبدالها.

ويرى دافي أن العقود الذكية يمكن أن تجعل المدفوعات والتسوية وتحريك الضمانات جزءا من عملية مبرمجة واحدة، وأن قابلية تركيب هذه العمليات قد تسمح مستقبلا بدمج معاملات تشمل أطرافا وأصولا ومنصات متعددة. وبذلك يمكن أن تتغير طريقة تنفيذ الصفقات نفسها، وليس فقط سرعة الدفع بعدها.

رويترز
مبنى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في واشنطن 17 سبتمبر 2025

لكن الورقة تضع حدا مهما لهذا التفاؤل، فالمال المستخدم في التسوية النهائية للأسواق المالية الكبرى يحتاج إلى درجة عالية من الأمان. ويرى دافي أن العملات المستقرة والودائع المصرفية المرمزة لا توفر حاليا الأمان الكافي للبنية التحتية المالية التي تتعامل مع تريليونات الدولارات، ولذلك يظل مال البنك المركزي مهما بوصفه أساس التسوية. ويقترح نماذج عدة، بينها إتاحة ودائع البنك المركزي على دفاتر أستاذ قابلة للبرمجة، أو مزامنة حركة أموال البنك المركزي مع الأصول المرمّزة، أو إنشاء بنوك ضيقة النطاق توفر ودائع قابلة للاستخدام على مدار الساعة. فالتكنولوجيا قد تعيد بناء طبقات الدفع والتسوية، لكنها لا تعني بالضرورة اختفاء البنوك المركزية أو المصارف. فقد تنتقل المنافسة إلى من يملك البنية التي تربط المال المرمز بالأموال الآمنة المستخدمة في التسوية. ويحذر دافي أيضا من أن ظهور أنظمة جديدة منفصلة عن البنية التقليدية قد يؤدي إلى تجزئة مالية وارتفاع تكاليف التمويل إذا لم تكن الأنظمة الجديدة قابلة للتشغيل البيني مع أنظمة الدفع القائمة.

هل تنتقل القوة من المصارف إلى الشبكات؟

ينتقل جزء من القوة بالفعل، لكن المصارف لا تخرج من المشهد. كانت المصارف تملك معظم حلقات السلسلة، من حساب العميل والبطاقة والبيانات والتحويل والائتمان. أما اليوم، فقد تسيطر شركة تقنية أو محفظة رقمية على الواجهة التي يستخدمها العميل، وتجمع بيانات إنفاقه وتحدد المسار الذي تسلكه المعاملة، بينما يبقى المال مودعا في مصرف لا يكاد العميل يرى اسمه. يضعف ذلك موقع المصرف حتى إن احتفظ بالوديعة. تستطيع المنصة التي تدير العلاقة اليومية مع العميل أن تعرض عليه لاحقا القروض والتأمين والاستثمار. ومع ازدياد عدد المستخدمين، يصبح من الصعب على المصارف والتجار العمل بعيدا منها.

تقدم "فيزا" و"ماستركارد" مثلا مبكرا لهذا التحول. هما تعملان بين المصارف والعملاء والتجار، وتضعان قواعد المرور وتحققان إيرادات من المعاملات. وذهبت منصات مثل "علي باي" و"ويتشات باي" أبعد، إذ جمعت الدفع والتجارة والهوية الرقمية والخدمات المالية في تطبيق واحد.

تناول رئيس الاحتياطي الفيديرالي كيفن وارش التحولات في طبيعة المال والتمويل من زاوية السياسة النقدية، مشيرا إلى أن الابتكار المالي والتكنولوجي يغيران آليات انتقال السياسة النقدية وطريقة ارتباط المال بالنشاط الاقتصادي

مع ذلك، لا تستغني هذه الشبكات بسهولة عن المصارف. تنشئ المصارف الائتمان وتدير السيولة وتتحقق من هوية العملاء وتتحمل المخاطر، كما ترتبط مباشرة بأموال المصرف المركزي. وتحتاج العملات المستقرة والودائع المرمزة بدورها إلى احتياطيات ومؤسسات موثوقة وقواعد تعالج الإفلاس والاحتيال. لذلك قد تفقد المصارف جزءا من علاقتها المباشرة مع العميل، وتتحول إلى مزود للبنية الخلفية، بينما تستحوذ المنصات على البيانات والواجهة والتوزيع. وهذا تحول مهم حتى لو لم يتراجع حجم القطاع المصرفي نفسه.

الشيفرة لا تنتج الثقة وحدها

تناول برنامج "جاكسون هول" الابتكار في النظام النقدي والمالي، والتمويل المرمّز، وتجارب الدول في تطوير المدفوعات، ومستقبل العمل المصرفي. وكان السؤال الذي يربط هذه الملفات هو إلى أي حد تستطيع التكنولوجيا إعادة تشكيل الوظائف التي تولتها المؤسسات المالية لعقود، من إصدار المال وتحريك المدفوعات إلى الوساطة والائتمان.

وفي كلمته الافتتاحية، تناول رئيس الاحتياطي الفيديرالي كيفن وارش التحولات في طبيعة المال والتمويل من زاوية السياسة النقدية، مشيرا إلى أن الابتكار المالي والتكنولوجي يغيران آليات انتقال السياسة النقدية وطريقة ارتباط المال بالنشاط الاقتصادي. لكنه شدد على أن تغير البنية المالية لا يلغي أهمية فهم العلاقة بين المال والأسعار والظروف المالية. ومن هذه الزاوية، لا تعني ولادة شبكات دفع جديدة أو أدوات مالية مرمزة أن وظيفة البنوك المركزية أصبحت أقل أهمية، بل تفرض عليها إعادة تقييم كيفية انتقال قراراتها إلى الاقتصاد، وكيف يمكن أن تتغير أدواتها مع تغير بنية النظام المالي.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يتحدث مع رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي كيف وارش، في البيت الأبيض، 17 سبتمبر 2025

يعني ذلك أن تغير قنوات الدفع لا يلغي دور المصارف المركزية، لكنه قد يعقد مهمتها. ويظهر هذا الخطر إذا انتقلت الودائع إلى عملات مستقرة أو منصات لا تخضع بالكامل للقواعد المصرفية، أو إذا اتسع النشاط المالي خارج القنوات التي اعتادت السلطات مراقبتها. ويدفع بنك التسويات الدولية نحو نموذج يجمع احتياطيات المصارف المركزية والودائع المصرفية والأصول المرمزة على منصات قابلة للبرمجة وخاضعة للرقابة. ويقوم المقترح على تحديث البنية القائمة وربط أنظمة الدفع الفورية الوطنية بعضها ببعض، بما يختصر الزمن الذي تحتاج إليه الحوالات العابرة للحدود ويقلل عدد الوسطاء.

القوة لمن يضع القواعد

لن يختفي الدولار قريبا، ولن تحل شبكة صينية أو تكتل من الاقتصادات الناشئة محل النظام الحالي دفعة واحدة. لكن الاعتماد على مسار وحيد يتراجع، فيما تتكاثر قنوات الدفع المحلية والإقليمية والرقمية. ستدور المنافسة حول الجهات التي تضع المعايير التقنية، وتملك بيانات المعاملات، وتوفر السيولة وقت الأزمات، وتقرر من يستطيع استخدام الشبكة وتحت أي شروط.

ولا تقتصر السيطرة على شبكة الدفع على تحصيل عمولة من المعاملات، فهي تتيح الاطلاع على جزء كبير من حركة الاقتصاد، وتحديد شروط الوصول إلى الأموال، والتأثير في وجهة السيولة. وعندما تكون الشبكة عابرة للحدود، يتحول نفوذها المالي إلى ورقة سياسية أيضا. في القرن الماضي، كان امتلاك عملة الاحتياط الكبرى أبرز علامات القوة الاقتصادية. وفي الاقتصاد الرقمي، أصبحت طريقة انتقال المال جزءا من هذه القوة، لا مجرد خدمة تعمل في الخلفية.

font change