حملة الصين لإلغاء "الدولرة" تبلغ طريقا مسدودا

قد تستطيع بكين ابتكار أدوات مالية جديدة... لكنها لا تستطيع أن تخلق الطلب عليها بقرار سياسي

(أ.ف.ب) ("المجلة")
(أ.ف.ب) ("المجلة")

حملة الصين لإلغاء "الدولرة" تبلغ طريقا مسدودا

يعيد المخططون الصينيون توجيه سهامهم نحو الدولار. ففي 17 يونيو/حزيران، أعلن محافظ بنك الشعب الصيني خطة جديدة لتوجيه التدفقات المالية العالمية نحو اليوان، تشمل برامج تجريبية لتداول العملة الصينية خارج البلاد وخطوط مقايضة جديدة مع البنوك المركزية. ومن المتوقع أن يتصاعد الخطاب المعتاد بشأن إلغاء الدولرة مع اقتراب قمة بريكس السنوية المقررة في سبتمبر/أيلول في نيودلهي، حيث يرجح أن تكثف الصين وروسيا دفعهما باتجاه هذه الأجندة.

على مدى العقد الماضي، حققت بكين تقدما ملموسا في بناء قنوات مالية بديلة على ثلاثة مسارات: تسوية التجارة باليوان، واستخدام "نظام المدفوعات بين المصارف عبر الحدود" (سيبس) في عمليات التقاص والتسوية العابرة للحدود، وتطوير اليوان الإلكتروني بوصفه عملة رقمية صادرة عن البنك المركزي. ولا شك في أن قدرة الصين على تعزيز مرونتها المالية باتت واقعا قائما، إذ تواصل بكين السعي إلى إبقاء بدائل جاهزة إذا ما حرمها الغرب من الوصول إلى قنواته المالية، كما قد يحدث مثلا في حال فرض عقوبات عليها عقب غزو محتمل لتايوان. غير أن المرونة لا تعني بالضرورة امتلاك النفوذ، فعدد قليل من الأطراف يقبل طوعا على استخدام الأدوات المالية الصينية. وفي عالم المال، تكتشف بكين بصعوبة أن الطلب، على خلاف البنية التحتية، لا ينشأ بمجرد إصدار الأوامر.

لننظر إلى حملة الصين لإلغاء الدولرة، أو تدويل الرنمينبي بحسب التسمية الصينية الرسمية لليوان. فقد أحرزت بكين بالفعل تقدما في هذا المجال، إذ باتت الشركات الصينية تسوي نحو 30 في المئة من تجارتها بالرنمينبي، بعدما كانت هذه النسبة شبه معدومة قبل خمسة عشر عاما فقط. لكن الصورة تبدو مختلفة عند قياس ذلك بحجم التجارة العالمية ككل، إذ لا تزال حصة العملة الصينية هامشية، ولا تتجاوز المعاملات المسواة بها 5 في المئة. وفي الواقع، يكاد استخدام الرنمينبي يقتصر على صفقات يكون أحد أطرافها على الأقل شركة صينية.

ثمة سببان رئيسان يفسران عجز بكين عن تحويل حضورها التجاري العالمي المتزايد إلى انتشار أوسع لعملتها.

(رويترز)
أوراق نقدية من اليوان الصيني والدولار الأميركي في صورة توضيحية، 29 سبتمبر 2022

يتمثل السبب الأول في ضوابط رأس المال التي تفرضها الصين. فالقيود التي تضعها بكين على استخدام الرنمينبي خارج البلاد تجعل حصول الشركات الأجنبية على العملة الصينية والاحتفاظ بها لاستخدامها في الدفع للموردين الصينيين مكلفة وغير عملية. وخارج الصين، لم تتجاوز ودائع اليوان 234 مليار دولار في أوائل عام 2025، وهو رقم يبدو ضئيلا للغاية إذا ما قورن بأصول مقومة بالدولار خارج الولايات المتحدة تبلغ قيمتها 15 تريليون دولار.

ودائع اليوان خارج الصين 234 مليار دولارفي عام 2025 فيما الأصول المقومة بالدولار خارج الولايات المتحدة 15 تريليون دولار

أما السبب الثاني، فهو أن تسوية المعاملات بالرنمينبي لا تزال تعتمد على شبكة محدودة على نحو مقلق من مؤسسات التقاص والبنوك المراسلة. وكان التعامل مع هذا التحدي أحد الأسباب التي دفعت بكين إلى إطلاق "نظام المدفوعات بين المصارف عبر الحدود (سيبس)" عام 2015، بوصفه آلية للتقاص والتسوية للمعاملات المقومة بالرنمينبي. لكن الصين، حتى في هذا المسار، لا تزال تجد صعوبة في توسيع الاعتماد على آليتها المحلية.

بالنسبة إلى المعاملات المقومة بالرنمينبي، يمثل نظام "سيبس" النسخة الصينية المقابلة لنظام "فيدواير" ونظام "دفع غرفة المقاصة بين المصارف (شيبس)" للمعاملات المقومة بالدولار، ونظام "تي 2"، خليفة "تارغت 2"، للمعاملات المقومة باليورو. وعلى الورق، تبدو الأرقام مثيرة للإعجاب، إذ يحرص المسؤولون الصينيون على التفاخر بأن 1791 بنكا في 126 دولة باتت جزءا من هذه الآلية، وأن حجم التداول اليومي بلغ ما يصل إلى 105 مليارات دولار في نهاية عام 2025.

لكن نظرة أعمق تكشف بوضوح الفارق بين إتاحة الوصول والاستخدام الفعلي. ولنبدأ بالحديث عن وجود 1791 بنكا ضمن الشبكة. قد يبدو الرقم كبيرا للوهلة الأولى، غير أن الواقع أكثر تواضعا، إذ لا يرتبط مباشرة بنظام "سيبس" سوى 194 بنكا، بينما تصل بقية البنوك إلى النظام عبر وسطاء. ومع مزيد من التدقيق، يتضح سريعا أن هذه البنوك الـ194 تكاد تكون كلها صينية المنشأ. ولا تضم هذه الدائرة الأساسية سوى بنكين أميركيين، هما "سيتي بنك" و"جي بي مورغان تشيس"، وبنكين من منطقة اليورو، هما "بي إن بي باريبا" و"دويتشه بنك"، وثلاث مؤسسات يابانية، هي "ميزوهو" و"إم يو إف جي" و"سوميتومو ميتسوي".

وتكمن أهمية هذه الفجوة في أن البنوك التي تمتلك وصولا مباشرا إلى نظام "سيبس" هي وحدها القادرة على استخدام خدمات الرسائل الخاصة بهذه الآلية، وهي خطوة أساسية لا غنى عنها لإتمام المعاملات العابرة للحدود. لذلك، فإن نحو 80 في المئة من الحوالات والمعاملات التي تمر عبر "سيبس" تمر أيضا عبر نظام "سويفت"، ومقره الرئيس في أوروبا. وهذا أقرب إلى ازدواج احتياطي منه إلى استقلال حقيقي، ما يعني أن "سيبس" قد لا يكون محصنا ضد العقوبات بالقدر الذي تحاول بكين تصويره.

(رويترز)
المقر الرئيس لبنك الشعب الصيني في العاصمة بكين، 28 سبتمبر 2018

تمثل العملات الرقمية الركيزة الثالثة في مسعى الصين إلى تحقيق الاكتفاء المالي الذاتي. وعلى الورق، تبدو بيانات اليوان الرقمي، أو "إي- سي إن واي"، وهو عملة افتراضية يستطيع المستخدمون تخزينها في محافظ هواتفهم، قوية للغاية. فمنذ إطلاقه عام 2020، أجرى 225 مليون شخص من حاملي محافظ "إي-سي إن واي" أكثر من 3.3 مليار معاملة بقيمة تقارب 2.3 تريليون دولار. وفي ضوء ذلك، يخلص بنك الشعب الصيني، بصيغة تنم عن ثقة كبيرة، إلى أن "تطور أنظمة النقد والمدفوعات في العصر الرقمي يعد حتمية تاريخية".

تسوية المعاملات بالرنمينبي لا تزال تعتمد على شبكة محدودة على نحو مقلق من مؤسسات التقاص والبنوك المراسلة

لكن مرة أخرى، يكشف التدقيق في ما وراء الأرقام الأولية أن طلب المستهلكين الصينيين لا يزال محدودا. فتدفقات "إي- سي إن واي" لا تتجاوز 6 مليارات دولار يوميا، وهو رقم يبدو ضئيلا للغاية أمام أكثر من 150 مليار دولار يعالجها يوميا عملاقا الدفع الرقمي "علي باي" و"وي تشات باي" مجتمعين.

وفي دلالة واضحة على أن بطء الإقبال بات مصدر إحباط، تسعى بعض المناطق الصينية إلى تحفيز استخدام اليوان الرقمي عبر صرف رواتب الموظفين والمسؤولين الحكوميين به. وفي يناير/كانون الثاني، أعلنت الحكومة أيضا أن الحسابات المرتبطة بنظام "إي-سي إن واي" ستدر فوائد، غير أن نسبتها الضئيلة للغاية، والبالغة 0.05 في المئة سنويا، تجعل من المستبعد أن تتحول هذه الفائدة إلى حافز كاف لإطلاق موجة واسعة من الإقبال على العملة الرقمية التي تطرحها بكين.

وخارج الصين، لا يبدو اعتماد اليوان الرقمي أفضل حالا. فمنذ إنشاء منصة "إم بريدج"، التي تتولى تسوية هذه المعاملات، في نحو عام 2022، لم تستقطب سوى أربعة أعضاء، هم هونغ كونغ والسعودية وتايلاند والإمارات. ولا يعالج النظام في المتوسط سوى نحو أربع مدفوعات يوميا، بحجم يقارب 50 مليون دولار، أي ما يعادل نحو 0.0005 في المئة من إجمالي حجم تداول العملات الأجنبية.

ألقى قرار بنك التسويات الدولية الانسحاب من المشروع في عام 2024، وسط جدل حول احتمال استخدامه للالتفاف على العقوبات، بظلال سلبية على المبادرة وأضعف الاهتمام العالمي بها. ومع ذلك، تواصل بكين ابتكار مزيد من المخططات. ففي منتصف يونيو/حزيران، أعلنت انضمام 26 مؤسسة إلى "خدمات التحويل عبر الحدود باليوان الرقمي"، أو "سي بيتس"، وهو نظام جديد يعمل على مدار الساعة لتسوية المعاملات باليوان الرقمي.

(أ.ف.ب)
أشخاص يسيرون على سطح متحف بودونغ للفنون في مدينة شنغهاي، 2 فبراير 2026

ولعل ما يصعب على صناع السياسات في الصين تقبله هو أن الصعود الأخير للعملات المستقرة، وهي عملات رقمية تصدرها جهات خاصة وترتبط بأصول حقيقية مثل الدولار، يثبت أن الطلب العالمي على الأموال الرقمية موجود بالفعل. فقد نما سوق العملات المستقرة من الصفر إلى 317 مليار دولار خلال الأعوام الستة الماضية، فيما ترتبط 98 إلى 99 في المئة من العملات المستقرة في العالم بالدولار.

ترتبط 98 إلى 99 في المئة من العملات المستقرة في العالم بالدولار

وتحظى هذه العملات الرقمية بأوسع قدر من الشعبية والتداول في الاقتصادات النامية تحديدا، وهي الاقتصادات نفسها التي تسعى الصين إلى استمالتها عبر اليوان الرقمي. وفي هذا السياق، تشير تقديرات "غولدمان ساكس" إلى أن ثلثي العملات المستقرة حول العالم يحتفظ بها أفراد في الأسواق الناشئة، وهي أسواق غالبا ما تشهد تقلبات في العملات وقيودا على حركة رأس المال. كما يلفت صندوق النقد الدولي إلى أن استخدام العملات المستقرة، قياسا إلى الناتج المحلي الإجمالي، يسجل أعلى مستوياته في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، تليهما أفريقيا والشرق الأوسط.

وتكشف المسارات المتباينة لليوان الرقمي والعملات المستقرة المرتبطة بالدولار أن الركائز المالية الثلاث لبكين تعاني عيبا مشتركا: فابتكار الأدوات شيء، وخلق الطلب عليها شيء آخر تماما. ففي غياب الإلزام، أو الدفع الحكومي، أو ضغط العقوبات، لا يقبل إلا عددا محدودا من المستخدمين على الأدوات المالية الصينية. وتعد روسيا المثال الأوضح على ذلك. فقد لجأت موسكو إلى اعتماد الرنمينبي، وانضمت المصارف الروسية إلى "سيبس" بأعداد كبيرة، غير أن ذلك لم يحدث إلا بعدما أحكمت العقوبات الغربية طوقها على الكرملين وجردته من أي خيارات أخرى. ومع ذلك، لا يشارك أي بنك روسي في "سيبس" بصورة مباشرة.

(أ.ف.ب)
حاويات الشحن في ميناء شنغهاي، 9 يونيو 2026

يمكن أن تبني بكين ما تشاء من مؤسسات، وتصمم ما تريد من شبكات دفع، وتطلق ما تقدر عليه من عملات رقمية، لكنها لا تستطيع أن تصنع الطلب عليها بقرار. ومن دون صدمة كبرى، على الأرجح في صورة عقوبات غربية، سيبقى اندفاع الشركاء الدوليين نحو القنوات المالية الصينية أمرا مستبعدا. لقد ابتكرت بكين الأدوات، لكنها ما زالت تنتظر من يستخدمها.

font change

مقالات ذات صلة