خلال أسبوعين فقط، تجمعت في ليبيا سلسلة من الأحداث. فقد استهدفت طائرات مسيّرة منشآت النفط والطاقة في الزاوية، وخرجت احتجاجات بسبب انقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات، وقدم محافظ المصرف المركزي استقالته بصورة مفاجئة، واغتيل مسؤول استخباراتي بارز في قلب بنغازي، فيما استمرت التحديات الأمنية في الجنوب. وفوق ذلك كله، تحرك وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بين طرابلس وبنغازي، في زيارة لخصت مقدار التغيير الذي طرأ على خريطة التحالفات والتوازنات الليبية.
لا توجد حتى الآن أدلة تثبت أن هذه الأحداث تحركها غرفة عمليات واحدة أو أنها أجزاء من خطة واحدة. الاحتمال الآخر، وربما الأكثر خطورة، هو أن تكون أزمات متعددة نجح النظام الليبي المنقسم في احتوائها طوال السنوات الماضية قد بدأت تنفجر في الوقت نفسه. ومن هنا، لم يعد السؤال فقط عمن يحكم ليبيا، بل عما إذا كان النظام الذي أدار الانقسام بين شرق البلاد وغربها قد بدأ هو نفسه يتصدع من الداخل.
الزاوية... "هايتي" مصغرة
غرب طرابلس تقع واحدة من أهم المدن الليبية وأكثرها اضطراباً. تضم الزاوية أكبر مصفاة نفط عاملة في البلاد، بطاقة تبلغ نحو 120 ألف برميل يومياً، إلى جانب ميناء ومنشآت للطاقة، كما تقع على الطريق الساحلي الذي يربط العاصمة بالحدود التونسية. لكن خلف هذه الأهمية الاقتصادية توجد خريطة أخرى تتكون من جماعات مسلحة وشبكات تهريب ومراكز نفوذ محلية وصراعات متراكمة، إلى درجة أن بعض الليبيين يشبهون الزاوية بـ"هايتي مصغرة".
ولم يغير تعيين العميد محمود بن رجب، وهو أحد زعماء الميليشيات في الزاوية نفسها، مديراً للعمليات في وزارة الدفاع في يونيو/حزيران الماضي جوهر المشكلة الأمنية في المدينة. فالحكومة تستطيع تغيير المسؤولين وإعادة ترتيب الأجهزة، لكنها لا تزال تواجه السؤال الذي يلاحق ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي، والمتعلق بالجهة التي تحتكر القوة فعلياً وتملك القدرة على فرض سلطة الدولة على الجماعات المسلحة.
خلال الأيام الأخيرة، اكتسب هذا السؤال بعداً أكثر خطورة بعدما استهدفت سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة منشآت للنفط والوقود والطاقة في الزاوية. وأصيبت خزانات للوقود ومنشآت مرتبطة بالمجمع النفطي، ثم تعرضت محطة جنوب الزاوية للكهرباء لهجوم أدى إلى اضطراب واسع في الشبكة. وأعلنت شركة الكهرباء أن أكثر من 700 ميغاواط من قدرة محطة الزاوية أصبحت غير متاحة، فيما سحبت شركة "جنرال إلكتريك" فرقها الفنية بسبب الوضع الأمني. كما حذرت المؤسسة الوطنية للنفط من أن استمرار استهداف منشآت الطاقة قد يؤدي إلى إعلان "القوة القاهرة".


