مسيرات واغتيالات واستقالات... هل يتصدع التوازن الليبي؟

نهاية مرحلة وبداية الصراع على المرحلة التي تليها

أ.ف.ب
أ.ف.ب
يتصاعد دخانٌ أسود خلال حريق في مصفاة الزاوية، ثاني أكبر مصفاة نفط في ليبيا بطاقة تكرير تبلغ 120 ألف برميل يوميًا، بعد تعرّض خزان تابع لشركة البريقة النفطية الحكومية لهجوم نفّذه مجهولون في مدينة الزاوية، في 11 أغسطس 2026.

مسيرات واغتيالات واستقالات... هل يتصدع التوازن الليبي؟

خلال أسبوعين فقط، تجمعت في ليبيا سلسلة من الأحداث. فقد استهدفت طائرات مسيّرة منشآت النفط والطاقة في الزاوية، وخرجت احتجاجات بسبب انقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات، وقدم محافظ المصرف المركزي استقالته بصورة مفاجئة، واغتيل مسؤول استخباراتي بارز في قلب بنغازي، فيما استمرت التحديات الأمنية في الجنوب. وفوق ذلك كله، تحرك وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بين طرابلس وبنغازي، في زيارة لخصت مقدار التغيير الذي طرأ على خريطة التحالفات والتوازنات الليبية.

لا توجد حتى الآن أدلة تثبت أن هذه الأحداث تحركها غرفة عمليات واحدة أو أنها أجزاء من خطة واحدة. الاحتمال الآخر، وربما الأكثر خطورة، هو أن تكون أزمات متعددة نجح النظام الليبي المنقسم في احتوائها طوال السنوات الماضية قد بدأت تنفجر في الوقت نفسه. ومن هنا، لم يعد السؤال فقط عمن يحكم ليبيا، بل عما إذا كان النظام الذي أدار الانقسام بين شرق البلاد وغربها قد بدأ هو نفسه يتصدع من الداخل.

الزاوية... "هايتي" مصغرة

غرب طرابلس تقع واحدة من أهم المدن الليبية وأكثرها اضطراباً. تضم الزاوية أكبر مصفاة نفط عاملة في البلاد، بطاقة تبلغ نحو 120 ألف برميل يومياً، إلى جانب ميناء ومنشآت للطاقة، كما تقع على الطريق الساحلي الذي يربط العاصمة بالحدود التونسية. لكن خلف هذه الأهمية الاقتصادية توجد خريطة أخرى تتكون من جماعات مسلحة وشبكات تهريب ومراكز نفوذ محلية وصراعات متراكمة، إلى درجة أن بعض الليبيين يشبهون الزاوية بـ"هايتي مصغرة".

ولم يغير تعيين العميد محمود بن رجب، وهو أحد زعماء الميليشيات في الزاوية نفسها، مديراً للعمليات في وزارة الدفاع في يونيو/حزيران الماضي جوهر المشكلة الأمنية في المدينة. فالحكومة تستطيع تغيير المسؤولين وإعادة ترتيب الأجهزة، لكنها لا تزال تواجه السؤال الذي يلاحق ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي، والمتعلق بالجهة التي تحتكر القوة فعلياً وتملك القدرة على فرض سلطة الدولة على الجماعات المسلحة.

خلال الأيام الأخيرة، اكتسب هذا السؤال بعداً أكثر خطورة بعدما استهدفت سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة منشآت للنفط والوقود والطاقة في الزاوية. وأصيبت خزانات للوقود ومنشآت مرتبطة بالمجمع النفطي، ثم تعرضت محطة جنوب الزاوية للكهرباء لهجوم أدى إلى اضطراب واسع في الشبكة. وأعلنت شركة الكهرباء أن أكثر من 700 ميغاواط من قدرة محطة الزاوية أصبحت غير متاحة، فيما سحبت شركة "جنرال إلكتريك" فرقها الفنية بسبب الوضع الأمني. كما حذرت المؤسسة الوطنية للنفط من أن استمرار استهداف منشآت الطاقة قد يؤدي إلى إعلان "القوة القاهرة".

لا يعتبر مصرف ليبيا المركزي مؤسسة عادية في المعادلة الليبية، فهو عملياً قلبها المالي، إذ تدخل إليه عائدات النفط ومنه يمول الإنفاق العام في بلد منقسم بين سلطات ومراكز قوة متنافسة


ولم تتبنَّ أي جهة هذه الهجمات حتى الآن، ولذلك يستدعي الأمر الحذر من القفز إلى استنتاج أنها آتية من شرق ليبيا أو أن قوة خارجية تقف وراءها. فالزاوية نفسها تعيش صراعاً بين الحكومة ومراكز قوة محلية، بينها محمد بحرون المعروف بـ"الفار"، وقد تكون المسيّرات امتداداً لصراع داخل غرب ليبيا بقدر ما يمكن أن تكون جزءاً من مواجهة أوسع. لكن المؤكد أن استهداف منشآت بهذه الحساسية كشف مجدداً هشاشة قبضة الدولة على مدينة تقع على مسافة قصيرة من العاصمة وتحتضن جزءاً مهماً من البنية النفطية والكهربائية للبلاد.

حين تصبح الكهرباء سياسية

جاءت هجمات المسيّرات فيما كان الشارع الليبي يغلي أصلاً. فمنذ أواخر يوليو/تموز، خرج محتجون في طرابلس ومناطق أخرى بسبب انقطاعات الكهرباء وتدهور الخدمات ونقص السيولة وارتفاع الأسعار، وأغلقت طرق ومؤسسات وتصاعد الغضب تجاه حكومة عبد الحميد الدبيبة والمؤسسات السياسية القائمة. وهكذا تحولت الكهرباء من مجرد ملف خدمات إلى سؤال سياسي يتعلق بقدرة السلطة على الحكم والاستمرار.

وتكمن المفارقة في أن ليبيا ليست بلداً فقيراً بالطاقة، بل هي واحدة من أكبر الدول النفطية في أفريقيا، ومع ذلك فإن الدولة التي تنتج النفط وتصدر الغاز إلى أوروبا لا تزال عاجزة عن ضمان الكهرباء بصورة مستقرة لسكانها. كما أن الأزمة لا تخص غرب البلاد وحده، إذ طالت انقطاعات الكهرباء والاختناقات الاقتصادية مناطق في الشرق أيضاً، وهو ما يكشف أن المشكلة أعمق من أداء حكومة واحدة، وتتصل بطريقة إدارة المال والنفط والإنفاق في دولة تملك موارد كبيرة، لكنها تملك أيضاً سلطات ومؤسسات متنافسة وشبكات مصالح واسعة.

الرجل الذي يمسك خزينة ليبيا يريد الرحيل

وسط هذه الأجواء، جاءت استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى لتضيف عنصراً آخر من الغموض إلى المشهد. ولم تكن الاستقالة وحدها مثيرة، بل الغموض الذي أحاط بها، إذ أكد عيسى تقديمها لكنه امتنع عن كشف الأسباب، مشيراً إلى حساسيتها.

ولا يعتبر مصرف ليبيا المركزي مؤسسة عادية في المعادلة الليبية، فهو عملياً قلبها المالي، إذ تدخل إليه عائدات النفط ومنه يمول الإنفاق العام في بلد منقسم بين سلطات ومراكز قوة متنافسة. وهذا يجعله في الوقت نفسه إحدى أكثر ساحات الصراع حساسية، إذ يتعرض المصرف ومحافظه لضغوط من حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي ومراكز النفوذ السياسية والمسلحة في الغرب، في مقابل مطالب الشرق بالإنفاق والحصول على حصته من موارد الدولة.

أ.ف.ب
تشارك آليات تابعة للجيش الليبي في مناورات «درع الكرامة 2» التي يجريها الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، في منطقة رأس العلبة جنوب شرقي ليبيا، في 16 مايو 2026.

 

بنغازي هي قلب منظومة الحكم والأمن التي بنتها "القيادة العامة" في شرق البلاد، ويقدم معسكر حفتر الاستقرار الأمني باعتباره أحد أهم الفوارق بين شرق البلاد وغربها


وكان الاتفاق في أبريل/نيسان الماضي على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد، بقيمة نحو 190 مليار دينار ليبي، قد اعتبر اختراقاً مهماً في جدار الانقسام المالي، وجاء في سياق جهود أميركية لدفع الشرق والغرب نحو توحيد الإنفاق والمؤسسات. لكن الاتفاق على الأرقام شيء، والقدرة على تنفيذها وتوزيع الموارد بين مراكز القوة المتنافسة شيء آخر، خصوصاً في وقت يتعرض فيه الدينار الليبي لضغوط أمام الدولار والعملات الأخرى، وتتزايد فاتورة الإنفاق العام والمطالب الاجتماعية.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه استقالة عيسى لا يتعلق فقط بالشخص الذي سيخلفه، بل بما إذا كان الصراع على المال وتوزيع عائدات النفط قد وصل إلى درجة أصبح معها من الصعب على المصرف المركزي مواصلة لعب دور المؤسسة التي تدير التوازن المالي بين الشرق والغرب. ففي ليبيا، لا يقل الصراع على المصرف أهمية عن الصراع على المدن والقواعد العسكرية، لأن النفط يوفر المال، لكن من يقرر كيفية إنفاق هذا المال يمتلك جزءاً أساسياً من السلطة.

انفجار في قلب بنغازي

في الوقت الذي كانت فيه المسيّرات تضرب غرب البلاد، جاءت رسالة مختلفة من الشرق مع اغتيال اللواء فوزي المنصوري، المسؤول البارز في الاستخبارات العسكرية التابعة لقوات المشير خليفة حفتر، بتفجير في بنغازي. ولا تتعلق أهمية العملية فقط بهوية الرجل المستهدف، بل أيضاً بالمكان الذي وقعت فيه.

فبنغازي هي قلب منظومة الحكم والأمن التي بنتها "القيادة العامة" في شرق البلاد، ويقدم معسكر حفتر الاستقرار الأمني باعتباره أحد أهم الفوارق بين شرق البلاد وغربها، حيث تتنافس جماعات مسلحة متعددة. ولذلك فإن القدرة على الوصول إلى مسؤول استخباراتي بهذا المستوى داخل بنغازي تمثل اختراقاً أمنياً ورسالة تتجاوز اغتيال شخص واحد.

ولم تتبنَّ أي جهة العملية، ولا توجد حتى الآن أدلة تسمح بربطها مباشرة بهجمات المسيّرات في الغرب أو بأي مشروع سياسي محدد. لكن تزامن الحدثين يصعب تجاهله، إذ تتعرض منشآت استراتيجية للهجوم في الغرب، بينما يُقتل مسؤول استخباراتي رفيع في مركز القوة في الشرق.

حفتر تحت ضغط الجنوب

تزداد حساسية ما حدث في بنغازي عند النظر إلى التطورات في جنوب البلاد. فقد ظهرت خلال الأشهر الماضية مجموعة تطلق على نفسها "غرفة عمليات تحرير الجنوب"، ودخلت في مواجهات مع قوات حفتر على الشريط الحدودي مع النيجر، فيما سبق أن شهد معبر التوم الحدودي عمليات وخطف جنود تابعين لـ"القيادة العامة".

وزارة الخارجية التركية
التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بصدام حفتر في بنغازي

 

لسنوات، مثّل خط سرت تقريباً الحد الفاصل بين مجال النفوذ التركي في الغرب ومجال نفوذ حفتر وشركائه في الشرق. أما اليوم، فإن تركيا تعبر هذا الخط سياسياً



وتكتسب هذه المنطقة أهمية تتجاوز بعدها الجغرافي، لأن الجنوب الليبي يمثل ملتقى لطرق التهريب والهجرة والتجارة غير الرسمية، ويمتد نحو النيجر وتشاد والسودان، كما يشكل عمقاً استراتيجياً مهماً لقوات حفتر. ولا تزال المعلومات المتعلقة بـ"غرفة تحرير الجنوب" وتركيبتها وداعميها وقدراتها محدودة ومتضاربة، ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات المحيطة بها.

ومع ذلك، فإن وجود تحدٍ مسلح على الحدود الجنوبية بالتزامن مع اغتيال مسؤول استخباراتي كبير في بنغازي يطرح تساؤلات عن مدى قدرة المنظومة الأمنية التي بناها حفتر على مواجهة ضغوط في الأطراف وفي مركزها في الوقت نفسه. وإذا استمرت هذه الضغوط، فإن الصورة التقليدية عن شرق مستقر في مقابل غرب مضطرب ستصبح أكثر تعقيداً.

فيدان من طرابلس إلى بنغازي

وسط هذه الاضطرابات، جاءت زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لتقدم صورة مختلفة عن ليبيا التي تتشكل. ففيدان لم يزر شرق ليبيا على حساب غربها، ولم ينتقل من معسكر إلى آخر، بل زار الطرفين في رحلة واحدة.

بدأ فيدان جولته في طرابلس بلقاء قيادة حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي، كما زار مجموعة مهام القوات المسلحة التركية الموجودة في العاصمة. وتحمل زيارة القوات دلالة خاصة، لأن الوجود العسكري التركي في غرب ليبيا يعود إلى المرحلة التي تدخلت فيها أنقرة بصورة حاسمة لمنع قوات حفتر من السيطرة على طرابلس. وبالتالي، أكد فيدان في طرابلس استمرار الشراكة السياسية والأمنية والعسكرية التي بنتها تركيا مع غرب ليبيا.

بعد ذلك، انتقل وزير الخارجية التركي إلى بنغازي، حيث استقبله صدام حفتر، نائب القائد العام، قبل اجتماعه مع المشير خليفة حفتر. ويلخص هذا المشهد مقدار التغيير الذي طرأ على ليبيا، إذ إن وزير الخارجية التركي زار في طرابلس القوات التركية التي جاء وجودها أساساً في سياق مواجهة هجوم حفتر، ثم انتقل إلى بنغازي للقاء حفتر وأبنائه.

ولا تبدو هذه مجرد زيارة بروتوكولية، بل صورة لخريطة سياسية جديدة بدأت تتشكل في البلاد.

وزارة الخارجية التركية
التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، في طرابلس

تركيا تعبر خط سرت... من دون دبابات

لسنوات، مثّل خط سرت تقريباً الحد الفاصل بين مجال النفوذ التركي في الغرب ومجال نفوذ حفتر وشركائه في الشرق. أما اليوم، فإن تركيا تعبر هذا الخط سياسياً، بعدما كثفت خلال الأشهر الأخيرة اتصالاتها مع صدام حفتر وقيادات الشرق، من دون أن تتخلى في الوقت نفسه عن حكومة الدبيبة أو عن وجودها العسكري في طرابلس.

ولا يبدو هذا التحرك انتقالاً من حليف إلى آخر بقدر ما يمثل توسيعاً للرهان التركي في ليبيا. فأنقرة تريد الاحتفاظ بمكاسبها العسكرية والسياسية والبحرية والاقتصادية في الغرب، لكنها لا تريد أن يبقى شرق ليبيا منطقة مغلقة أمامها. وبهذا المعنى، فإن تركيا التي كانت طرفاً في الحرب الليبية تريد أن تصبح شريكاً مع الطرفين في أي تسوية ليبية مقبلة، ناهيك عن متابعتها لموضوع تصديق مجلس النواب على مذكرة التفاهم الموقعة في 2019 مع حكومة السراج المتعلقة بالحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة. ومن هنا، جاء اجتماع فيدان مع عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، بعد اجتماعه بقيادة الجيش.

تركيا موجودة عسكرياً وسياسياً في طرابلس، ووزير خارجيتها زار في الرحلة نفسها بنغازي والتقى قيادة الشرق، بينما تتمتع روسيا بنفوذ عسكري مهم في المناطق التي يسيطر عليها حفتر


لم تعد أنقرة، بعبارة أخرى، تراهن على غرب ليبيا فقط، بل تراهن على ليبيا كلها. وهذا يفسر الحديث التركي عن سياسة "ليبيا واحدة"، إذ لم تعد الخريطة بالنسبة إلى أنقرة مقسمة بالوضوح السابق بين غرب حليف وشرق خصم. وتختصر رحلة فيدان هذا التحول، لأن تركيا باتت تمتلك قدماً عسكرية وسياسية راسخة في طرابلس، بينما يفتح أمامها باب كان مغلقاً لسنوات في بنغازي.

صدام حفتر... الرجل الذي يصعد

داخل هذا التحول، يظهر اسم صدام حفتر باستمرار. فلم يعد مجرد أحد أبناء المشير خليفة حفتر، بل أصبح نائباً للقائد العام ويتولى أدواراً سياسية وعسكرية متزايدة، ويتحرك خارجياً ويستقبل مسؤولين أجانب في بنغازي. كما تنظر إليه القوى الخارجية بصورة متزايدة باعتباره أحد الرجال الذين يمكن أن يلعبوا دوراً مركزياً في مستقبل شرق ليبيا، وربما في أي صيغة وطنية جديدة.

ويطرح هذا الصعود سؤالاً يتجاوز مستقبل صدام نفسه ويتعلق بما إذا كانت مرحلة التحضير لما بعد خليفة حفتر قد بدأت فعلاً. فبالنسبة إلى القوى الخارجية، يمكن أن يكون بناء علاقة مع صدام اليوم استثماراً في مستقبل شرق ليبيا وليس فقط في حاضره.

ويتقاطع التحرك التركي هنا مع التحرك الأميركي، إذ تحاول الولايات المتحدة منذ أشهر، عبر مستشار الرئيس للشؤون الأفريقية مسعد بولس، الدفع باتجاه تفاهم يسمح بتوحيد أكبر للمؤسسات والإنفاق، واستخدام النفط والاستثمارات الاقتصادية بوصفها حوافز لتقليص الانقسام. لكن المبادرة لم تحظَ حتى الآن بقبول يسمح بالقول إن ليبيا تقف أمام صفقة سياسية جاهزة، كما أن بطء المبادرة وعدم وضوح مصيرها يدفعان القوى الموجودة على الأرض إلى إعادة حساباتها والاستعداد لمختلف السيناريوهات.

من يخشى "الصفقة"؟

تكمن إحدى المشكلات الأساسية في أن أي اتفاق بين أكبر مركزي قوة في الشرق والغرب سيخلق رابحين وخاسرين داخل النظام الليبي نفسه. فإذا اتفق الطرفان على إعادة توزيع السلطة والموارد، ستطرح أسئلة عن مصير الجماعات المسلحة ومراكز النفوذ التي بنت سلطتها وثرواتها خلال سنوات الانقسام، وعن وضع القوى الموجودة في طرابلس والزاوية ومصراتة إذا أعيد توزيع السلطة الأمنية والمالية.

وفي الشرق، يطرح صعود صدام حفتر بدوره أسئلة عن مراكز القوة القائمة وعن كيفية إعادة ترتيب هرم القيادة في المستقبل. كما تواجه الطبقة السياسية التي استمدت وجودها من استمرار "المرحلة الانتقالية" احتمال أن تؤدي أي تسوية حقيقية إلى إنهاء جزء من نفوذها.

ولهذا قد يكون من الخطأ تفسير العنف الحالي حصراً باعتباره تمهيداً لحرب جديدة بين الشرق والغرب. فقد يكون جزء منه، على العكس، تعبيراً عن صراع داخل الشرق وداخل الغرب على المواقع في أي ترتيب مقبل. وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال فقط عمن سينتصر بين طرابلس وبنغازي، بل عمن سينتصر داخل طرابلس وعمن سينتصر داخل بنغازي.

تركيا بين طرابلس وبنغازي... وروسيا في الشرق

يضيف الوجود الروسي بعداً آخر إلى التحولات الجارية، إذ أصبح شرق ليبيا خلال السنوات الماضية إحدى نقاط الارتكاز الروسية المهمة على الضفة الجنوبية للمتوسط، وحلقة في شبكة تربط الساحل الليبي بمنطقة الساحل الأفريقي. كما تزداد أهمية ليبيا بالنسبة إلى موسكو في ضوء إعادة ترتيب الوجود الروسي في سوريا.

لكن التحول المهم لا يتمثل في أن تركيا تراقب روسيا أو أن روسيا تراقب تركيا، لأن الواقع أكثر تعقيداً. فتركيا موجودة عسكرياً وسياسياً في طرابلس، ووزير خارجيتها زار في الرحلة نفسها بنغازي والتقى قيادة الشرق، بينما تتمتع روسيا بنفوذ عسكري مهم في المناطق التي يسيطر عليها حفتر.

وهذا يعني أن القوتين أصبحتا موجودتين، بدرجات وأشكال مختلفة، داخل المساحة الليبية نفسها. لكن أنقرة تمتلك ميزة إضافية تتمثل في علاقتها العسكرية والسياسية العميقة مع غرب البلاد، بالتوازي مع علاقة تنمو بسرعة مع الشرق. ولذلك فإن زيارة فيدان المزدوجة لا تعكس فقط تقارباً تركياً مع حفتر، بل محاولة تركية للتموضع في جانبي المعادلة الليبية قبل اتضاح شكل التسوية المقبلة.

من المغري رسم خط يصل بين المسيّرات في الزاوية واغتيال المنصوري واستقالة محافظ المصرف وتحركات الجنوب وزيارة فيدان

ليست مؤامرة واحدة

من المغري رسم خط يصل بين المسيّرات في الزاوية واغتيال المنصوري واستقالة محافظ المصرف وتحركات الجنوب وزيارة فيدان، لكن الأدلة المتاحة لا تسمح حتى الآن بالقول إن جهة واحدة تحرك كل هذه الخيوط. وقد تكون الحقيقة أكثر تعقيداً، وربما أكثر خطورة، من وجود مؤامرة واحدة.

ففي الغرب هناك صراع على السلاح والموارد والشرعية، وفي الشرق توجد تحديات أمنية وأسئلة عن ترتيب السلطة ومستقبل قيادة حفتر، وفي الجنوب يدور صراع على الحدود والطرق والنفوذ، بينما يشهد المصرف المركزي معركة على المال وكيفية توزيع عائدات النفط. أما في الخارج، فتتحرك تركيا والولايات المتحدة والسعودية ومصر وقوى إقليمية مختلفة لما يمكن أن يأتي لاحقا.

لذلك، قد لا تكون هذه حرباً واحدة، بل مجموعة من الصراعات والتنافسات التي ظل التوازن الليبي الهش قادراً على احتوائها طوال سنوات، قبل أن تبدأ في الظهور في وقت واحد.

ليبيا المقبلة

قد يكون من الخطأ النظر إلى المشهد الحالي من زاوية السؤال عما إذا كانت ليبيا ستعود إلى حرب عام 2019، لأن الظروف تغيرت بصورة كبيرة. فلا توجد مؤشرات كافية على أن حفتر يستعد لإرسال قواته مرة أخرى نحو طرابلس، والأهم أن تركيا التي أوقفت هجومه في السابق أصبحت اليوم تتحدث مع أبنائه وتستقبلهم وتزور بنغازي.

لا يزال عبد الحميد الدبيبة لاعباً أساسياً، لكنه يواجه ضغط الشارع وأزمة الخدمات ومراكز القوة المسلحة. وفي المقابل، يسيطر حفتر على الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب، لكن منظومته تعرضت لاختراق أمني لافت، فيما تتزايد الأسئلة عن ترتيب البيت الداخلي ومستقبل القيادة. وكان يفترض أن يبقى المصرف المركزي المؤسسة التي تجمع ليبيا مالياً رغم انقسامها سياسياً، لكن محافظه قدم استقالته، بينما تريد واشنطن تسوية لم ينضج مشروعها بعد.

أما تركيا فتتصرف كما لو أنها تستعد لمختلف الاحتمالات، إذ تحتفظ بقواتها وعلاقاتها في طرابلس، وفي الوقت نفسه تفتح أبواب بنغازي وتبني علاقات مع قيادة الشرق. ولذلك، فإن المشهد ليس مشهد دولة تتجه بالضرورة إلى الانهيار غداً، كما أنه ليس مشهد دولة تسير بثبات نحو التسوية.

إنه مشهد نظام قائم يفقد تدريجياً قدرته على إدارة تناقضاته، فيما لم يولد النظام الجديد بعد. وهنا تكمن خطورة اللحظة الليبية، لأن المسيّرات والاغتيالات والاستقالات والاحتجاجات والزيارات ليست بالضرورة حلقات في مؤامرة واحدة، لكنها قد تكون جميعاً علامات على نهاية مرحلة وبداية الصراع على المرحلة التي تليها.

ولذلك، فإن السؤال الذي سيحدد الأشهر المقبلة لا يتعلق فقط بمن يريد إسقاط الحكومة أو بمن يريد إضعاف حفتر، بل بمن يستعد لليبيا التي ستأتي بعد انتهاء الترتيب الحالي.

font change