معادن السعودية... ثروة بـ 2.5 تريليون دولار، ما دور أستراليا في استثمارها؟

من ثروة معدنية سعودية بـ2.5 تريليون دولار إلى خبرة أوسترالية متقدمة… شراكة جديدة نحو بناء سلاسل قيمة تتجاوز استخراج الخام

أ.ف.ب
أ.ف.ب
شخص يمسك بمعدن خام، في منجم الأمار للذهب في القويعية، على بُعد 195 كيلومترا جنوب غربي وسط العاصمة السعودية الرياض، 28 مايو/أيار 2008

معادن السعودية... ثروة بـ 2.5 تريليون دولار، ما دور أستراليا في استثمارها؟

تدرك السعودية أن ثروتها المعدنية الضخمة، على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء قطاع التعدين الذي تطمح إليه. وتقدر المملكة قيمة مواردها المعدنية بنحو 2.5 تريليون دولار، أي ما يقارب ضعف التقديرات المسجلة في 2016، حين بلغت 1.3 تريليون دولار.

ومنذ إطلاق "الاستراتيجيا الشاملة لقطاع التعدين والصناعات المعدنية" في 2018، تعمل السعودية على تحويل هذه الإمكانات الجيولوجية إلى صناعة متكاملة.

لكن الانتقال من امتلاك الموارد في باطن الأرض إلى إنتاج المواد التي تحتاج إليها القاعدة الصناعية المتنامية في المملكة، يتطلب استثمارات وتقنيات وخبرات متخصصة، إلى جانب تطوير قدرات المعالجة.

أستراليا تسعى لشراكة أوسع مع المملكة في قطاع التعدين

في ظل هذه الطموحات، تسعى أستراليا إلى تعزيز دورها شريكا للسعودية في تطوير قطاع التعدين. وقد تجلى تنامي هذا الاهتمام في مؤتمر التعدين الدولي الذي استضافته الرياض في يناير/كانون الثاني 2026، إذ سجل أكثر من 400 مشارك أسترالي حضوره، فيما قدمت 12 شركة أسترالية منتجاتها وخدماتها في الجناح الوطني. ويعكس هذا الحضور الواسع تنامي اهتمام قطاع الأعمال الأسترالي بالفرص التي يتيحها التعدين في المملكة. والأهم أن الحضور لم يكن دعائيا فقط، إذ وُقّعت مذكرة تفاهم بين مجلس الأعمال السعودي الأسترالي وشركة "إسناد" السعودية، وهي أول شراكة رسمية بين كيان أسترالي و"إسناد"، وتركز على خدمات التعدين والاستثمار والمعادن الحرجة.

تحاول أستراليا الاستفادة من خبرتها في التعدين المتقدم، خصوصا في مجالات الأتمتة والرقمنة وتقنيات الاستكشاف الجيولوجي، ومعالجة المعادن، والاستدامة وإدارة المياه، فضلا عن التعدين المنخفض الانبعاثات ومعدات وخدمات التعدين وإدارة المناجم وسلاسل الإمداد.

يمكن أن تتحول الشراكة السعودية–الأسترالية إلى علاقة ثنائية الاتجاه حيث توفر السعودية رأس المال والسوق ومشروعات التعدين، وتوفر أوستراليا التكنولوجيا والخبرة وشركات الخدمات والمعرفة التعدينية

وكانت هيئة التجارة والاستثمار الأسترالية، "أوسترايد" (Austrade)، قد دعمت مشاركة الشركات الأسترالية في منتدى مستقبل المعادن 2025، حيث شارك أكثر من 250 مندوبا أوستراليا، فيما ضم الجناح الأسترالي ست شركات معدات وتقنيات وخدمات التعدين (METS). كما شارك في فعاليات المنتدى مسؤولون تنفيذيون من 3 أكبر شركات صناعة التعدين الأسترالية، "بي أتش بي" (BHP) و"فورتسكيو" (Fortescue) و"ريو تينتو" (Rio Tinto) في فعاليات المنتدى.

وفي 2026، وقّعت جامعة كوينزلاند مذكرة تفاهم مع وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية لتعزيز التعليم التنفيذي وتطوير القيادات وتبادل المعرفة. وفي يونيو/حزيران 2026 بدأ خريجو "إسناد" برنامجا للتدريب والتطوير في أوستراليا بالتعاون مع جامعة كوينزلاند وجامعة موناش و"أوسترايد"، ويغطي عمليات التعدين والابتكار والرقمنة والاستدامة والتميز التشغيلي والأطر التنظيمية.

رويترز
عينات في مركز أبحاث ومعالجة العناصر الأرضية النادرة التابع لشركة التعدين الأسترالية "فيريديس ماينينغ آند مينيرالز"، بوكوس دي كالداس بالبرازيل، 20 يونيو/حزيران 2026

تعتبر أستراليا المعادن الحرجة قطاعا استراتيجيا، وتقول حكومتها إن البلاد تمتلك بعضا من أكبر رواسب المعادن الحرجة القابلة للاستخراج عالميا. كما خصصت الحكومة 1.2 مليار دولار أوسترالي (نحو 842.7 مليون دولار) لإنشاء احتياطي استراتيجي للمعادن الحرجة، ضمن حزمة أوسع لدعم سلاسل الإمداد. وبالتالي يمكن أن تتحول الشراكة السعودية–الأسترالية إلى علاقة ثنائية الاتجاه حيث توفر السعودية رأس المال والسوق ومشروعات التعدين، وتوفر أوستراليا التكنولوجيا والخبرة وشركات الخدمات والمعرفة التعدينية.

وكان هذا الملف حاضرا أيضا على المستوى الحكومي. ففي يناير/كانون الثاني 2026 زار وزير التجارة والسياحة الأسترالي دون فاريل الرياض والتقى وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح ووزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف، ضمن مساعٍ لدفع فرص التجارة والاستثمار، بما فيها التعدين. وتبلغ التجارة الثنائية في السلع والخدمات بين البلدين 2.8 مليار دولار أسترالي في السنة المالية 2024-2025. وكانت السعودية صاحبة 8.9 مليار دولار أسترالي من مقترحات الاستثمار التجاري المعتمدة في أستراليا في الربع الرابع من 2024، لتكون ثاني أكبر مصدر للاستثمار التجاري المعتمد في أستراليا بعد الولايات المتحدة في ذلك الربع.

وتوضح العلاقة التي بدأت تتشكل بين السعودية وشركة "هيستينغز تكنولوجي ميتالز" (Hastings Technology Metals) كيف يمكن أن تتقاطع مصالح الجانبين في قطاع التعدين.

يعكس الإنفاق على الاستكشاف حجم هذا التوسع، إذ بلغ 1.05 مليار ريال سعودي (280.5 مليون دولار) في 2024، مقارنة بـ501 مليون ريال (133.5 مليون دولار) في عام 2025

ويضم مشروع "يانغيبانا" (Yangibana) التابع للشركة في غرب أوستراليا احتياطيات من الخام تقدر بنحو 20.9 مليون طن، ويُتوقع أن يستمر تشغيله لمدة لا تقل عن 17 عاما. كما تتميز رواسبه بتركيزات مرتفعة بشكل لافت من النيوديميوم والبراسيوديميوم، وهما عنصران أساسيان في صناعة المغناطيسات الدائمة المستخدمة في المركبات الكهربائية وتوربينات الرياح وغيرها من التقنيات المتقدمة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وقعت "هيستينغز" والسعودية مذكرة تفاهم غير ملزمة لبحث إمكان معالجة المركزات المستخرجة من مشروع "يانغيبانا" داخل المملكة. وإذا تحولت هذه الفكرة إلى مشروع فعلي، فلن تقتصر العلاقة على شراء السعودية للمعادن الأسترالية، بل يمكن أن تسهم المواد الخام والخبرات الأسترالية في دعم عمليات المعالجة داخل المملكة، بما يساعد السعودية في تطوير قدراتها المحلية والاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة الاقتصادية المتولدة عبر مراحل سلسلة الإمداد.

التعدين: الركيزة الثالثة للصناعة في المملكة

يتزامن هذا الاهتمام مع نمو سريع يشهده قطاع التعدين في السعودية. فالمملكة تسعى إلى ترسيخ التعدين باعتباره الركيزة الثالثة للصناعة إلى جانب النفط والبتروكيماويات، ورفع إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي إلى 64 مليار دولار في 2030 بالإضافة إلى خلق 200,000 وظيفة.

أ.ف.ب
وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي الأسبق، إبراهيم الخريف، خلال كلمته في مؤتمر التعدين الدولي، في الرياض، 9 يناير/كانون الثاني 2024

ويعكس الإنفاق على الاستكشاف حجم هذا التوسع، إذ بلغ 1.05 مليار ريال سعودي (280.5 مليون دولار) في 2024، مقارنة بـ501 مليون ريال (133.5 مليون دولار) في عام 2025، أي أكثر من الضعف، ونحو خمسة أمثال ما كان عليه في 2020 (55 مليون دولار). وخلال الأعوام الأربعة نفسها، ارتفع عدد شركات الاستكشاف النشطة من ست شركات فقط إلى 226 شركة.

وتؤكد الاكتشافات الأخيرة أن الإمكانات المعدنية في السعودية لا تزال كبيرة. ففي سبتمبر/أيلول الجاري، أعلن وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان وجود موارد تقدر بنحو 110 ملايين طن من الخام في جبل صايد قرب المدينة المنورة، تضم تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة، إلى جانب مؤشرات واعدة الى وجود اليورانيوم. وتضاف هذه الموارد إلى نحو 644 مليون طن سبق تحديدها في منطقتين أخريين بلغت أعمال الاستكشاف فيهما مراحل متقدمة.

من المتوقع أن يرتفع الطلب خارج الصين على العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في صناعة المغناطيسات بنسبة 50 في المئة في 2035

ولأستراليا أيضا مصلحة مباشرة في توسيع هذا النوع من الشراكات. فكانبيرا تسعى إلى تقليص اعتمادها على الصين في معالجة المعادن، والحصول على حصة أكبر من القيمة الاقتصادية لمواردها المعدنية. لكن تطوير قدرات معالجة بديلة ينطوي على تكاليف مرتفعة. ووفقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية، قد تزيد النفقات الرأسمالية لمشروعات التكرير خارج الدول المهيمنة على هذا القطاع بما يتراوح بين 20 في المئة وأكثر من 150 في المئة، فيما ترتفع تكاليف التشغيل بنحو 50 في المئة في المتوسط.

اكتشاف الموارد واستخراجها ليس سوى جزء من المعادلة

يكمن التحدي الأكبر في ما يأتي بعد ذلك. ففي عام 2024، استخرجت الصين نحو 60 في المئة من العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في صناعة المغناطيسات عالميا، لكنها تهيمن على نحو 90 في المئة من عمليات الفصل والتكرير وتصنيع المغناطيسات. وتعد عمليات الاستخراج والفصل مرتفعة التكلفة وتنطوي على تحديات بيئية كبيرة، إلا أن بكين أبدت استعدادا لتنفيذها على نطاق لم تتمكن سوى دول قليلة من مجاراته. لذلك، قد تكون السيطرة على مراحل المعالجة اللاحقة بأهمية الوصول إلى الموارد نفسها.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي (يمين)، يتحدث إلى موظفي شركة "فيفا إنرجي" داخل غرفة التحكم في مصفاة جيلونغ النفطية بمدينة جيلونغ، 17 أبريل/نيسان 2026

وبالتالي، تتمثل إحدى أبرز فرص الشراكة السعودية-الأسترالية في توطين معالجة المعادن الحرجة، لا الاكتفاء باستخراجها. تمتلك أستراليا خبرة متقدمة في هذا المجال عبر منظمة "آنستو" (ANSTO)، التي تطور تقنيات الفصل والتكرير وتعمل على نقلها إلى مرحلة التشغيل التجاري. كما تضم محفظة أستراليا 78 مشروعا للمعادن الحرجة لدى 60 شركة، بينها 29 مشروع معالجة. ويمكن هذه الخبرات مساعدة السعودية في بناء منشآت تحول خاماتها إلى مواد وسيطة ومنتجات تدخل في المغناطيسات والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، بما يمنح المملكة حصة أكبر من القيمة المضافة في سلسلة المعادن الحرجة.

وفي الوقت نفسه، تسعى أستراليا إلى توسيع دورها في المراحل المتقدمة من سلسلة القيمة، عبر تعزيز قدراتها على معالجة المعادن محليا بدلا من الاستمرار في تصدير معظم ثروتها المعدنية لمعالجتها في الخارج.

دور التحول الاقتصادي السعودي

يرفع التحول الاقتصادي الذي تشهده السعودية الطلب المحلي على المعادن والمواد المعالجة. فالمملكة تستهدف إنتاج 300 ألف مركبة كهربائية سنويا في 2030، وتعمل في الوقت نفسه على تطوير صناعات في مجالات الطيران والفضاء والطاقة المتجددة والدفاع والتصنيع المتقدم. ويحتل الليثيوم مكانا متزايد الأهمية ضمن هذه الخطط. ففي 2024، نجحت السعودية في استخراج الليثيوم من المحاليل الملحية في الحقول النفطية، كما أجرت الحكومة مباحثات مع شركتي "ألبيمارل" (Albemarle) و"ليلاك سوليوشنز" (Lilac Solutions) الأميركيتين في شأن تقنيات استخراجه وتحويله إلى هيدروكسيد الليثيوم المستخدم في صناعة البطاريات.

ماذا عن التحديات؟

تبرز في الوقت نفسه تحديات أوسع تتعلق بتأمين الإمدادات. فمن المتوقع أن يرتفع الطلب خارج الصين على العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في صناعة المغناطيسات بنسبة 50 في المئة في 2035. ومع ذلك، تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن القدرات القائمة والمشروعات المخطط لها لن تكون كافية لسد هذه الفجوة، إذ لن تغطي بحلول ذلك الوقت سوى نحو نصف الطلب على إنتاج المناجم خارج الصين، ونحو ربع الطلب على التكرير، وأقل بكثير من 20 في المئة من الطلب على المغناطيسات.

كشفت الاضطرابات التي أصابت حركة التجارة والطاقة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر عن التكلفة الاقتصادية التي قد تترتب على اعتماد سلاسل الإمداد الحيوية على بنى تحتية ومسارات تقع خارج السيطرة الوطنية

كما أعطت تطورات الأشهر الستة الماضية السعودية دافعا إضافيا لتسريع الخطط التي شرعت في تنفيذها. فقد كشفت الاضطرابات التي أصابت حركة التجارة والطاقة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر عن التكلفة الاقتصادية التي قد تترتب على اعتماد سلاسل الإمداد الحيوية على بنى تحتية ومسارات تقع خارج السيطرة الوطنية. وتفرض هيمنة الصين على معالجة المعادن تحديا مختلفا، لكنها تكشف بدورها مخاطر ترك مرحلة أساسية من الإنتاج متركزة خارج الحدود الوطنية.

ولا تقتصر الرؤية السعودية على تنويع مصادر الإمداد. فمنذ 2018، تتجه استراتيجيا المملكة للتعدين إلى بناء صناعة معدنية متكاملة تشمل مختلف المراحل، من الاستكشاف والاستخراج إلى التكرير والمعالجة ثم التصنيع. وجاءت اضطرابات 2026 لتزيد أهمية المضي في هذا التوجه وتسريع وتيرته.

رويترز
مركز مدينة سدني، أستراليا، 11 سبتمبر/أيلول 2026

ولن تقتصر شراكات السعودية في هذا المجال على أستراليا، إذ تعمل المملكة على توسيع تعاونها في قطاع المعادن مع الولايات المتحدة وعدد من الدول في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. لكن تنامي الاهتمام التجاري الأوسترالي يشير إلى أن الشركات هناك بدأت تنظر إلى السعودية بأفق أوسع، ليس فقط بوصفها مصدرا لرأس المال أو سوقا للمعادن الأوسترالية، بل أيضا قاعدة محتملة لإقامة بعض مراحل الصناعة ومعالجة المعادن.

ويمنح هذا التقارب السعودية فرصة واضحة. فالمملكة تجمع بين رأس المال، وتكاليف الطاقة التنافسية، والطلب المحلي المتنامي، وسياسة صناعية تدفع نحو التوطين. وفي المقابل، تملك أستراليا خبرة عميقة في التعدين، وموارد واسعة، وتجربة طويلة في الاستكشاف وتطوير المشروعات والمعالجة. وقد يفتح الجمع بين هذه المقومات المجال أمام مشروعات يصعب تنفيذها بالكفاءة نفسها إذا عمل كل طرف بمفرده.

font change