ثروة من المعادن تحت الأرض تعيد أفغانستان إلى قلب الجغرافيا السياسية

"طالبان" تطرق باب ترمب وتسعى لإحياء قدراتها التعدينية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
عامل مناجم أفغاني يقوم باستخراج خام الذهب في وادي غولاك دارا بمنطقة شيوه في ولاية بدخشان شمال شرقي أفغانستان، 28 يوليو/تموز 2026

ثروة من المعادن تحت الأرض تعيد أفغانستان إلى قلب الجغرافيا السياسية

تصدّر العناوين العرض الذي قدمته "طالبان" أخيرا للولايات المتحدة، للاستثمار في الثروات المعدنية الأفغانية وفتح سفارة أميركية في كابول، مع حلول الذكرى الخامسة لسقوط المدينة. وجاء هذا الطرح التجاري المفاجئ للرئيس دونالد ترمب في وقت لا تزال فيه واشنطن تقود مقاطعة دولية للحركة.

وقد حالت العقوبات الأميركية دون حصول حكومة "طالبان" المتشددة في كابول على أي اعتراف رسمي، فيما مضت موسكو وبكين في مسار استثماري بطيء لكنه ثابت في قطاع المعادن الأفغاني.

ويعود الاهتمام بالثروات المعدنية الأفغانية إلى عقود، إذ أجرى الجيولوجيون السوفيات، خصوصا منذ سبعينيات القرن الماضي، مسوحات وأعمالا جيولوجية واسعة كشفت عن عدد كبير من الرواسب المعدنية. وبعد التدخل الأميركي في أفغانستان، أعادت الولايات المتحدة تقييم هذه البيانات القديمة باستخدام تقنيات المسح الجيولوجي والجيوفيزيائي الحديثة.

وفي عام 2010، تصاعد الحديث عن "ثروة معدنية" أفغانية قد تتجاوز تريليون دولار، وهو رقم ارتبط بتقييمات أعدها فريق تابع لوزارة الدفاع الأميركية، بالاستناد إلى بيانات سوفياتية وأفغانية سابقة وأعمال أميركية أحدث. إلا أن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أوضحت أن رقم التريليون دولار كان تقديرا تقريبيا لقيمة الموارد، وليس تقييما لاحتياطيات مؤكدة وقابلة للاستخراج اقتصاديا. كما قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS) لاحقا موارد العناصر الأرضية النادرة في رواسب خنّشين بولاية هلمند بنحو مليون طن متري.

التحسن الأمني لا يعني انتهاء المخاطر. فقد وثقت الأمم المتحدة، على سبيل المثل، 70 مدنيا قتيلا و478 مصابا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025

غير أن تدهور الوضع الأمني والفساد وضعف مؤسسات الدولة خلال سنوات الحرب أعاقت تطوير قطاع تعدين مستدام وقادر على جذب استثمارات واسعة. فقد أنفقت الولايات المتحدة نحو 962.6 مليون دولار بين 2004 و2021 لدعم قطاع الصناعات الاستخراجية الأفغاني، لكن تقارير رقابية أميركية خلصت إلى أن هذه الجهود لم تحقق أهدافها، في ظل عقبات شملت الفساد وانعدام الأمن وضعف المؤسسات والبنية التحتية.

وفي المقابل، أدى انتهاء الحرب وانسحاب القوات الأميركية وقوات "الناتو" في 2021 إلى تراجع كبير في مستوى القتال. وتقول بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان إن انخفاض الصراع جلب فوائد ملموسة لكثير من الأفغان وخلق فرصا للتعافي والتنمية والتعاون الاقتصادي الإقليمي. وفي الذكرى الخامسة لعودة "طالبان" إلى السلطة، أفاد سكان في كابول بأنهم يشعرون بأمان أكبر بعد عقود من الصراع.

لكن التحسن الأمني لا يعني انتهاء المخاطر. فقد وثقت الأمم المتحدة، على سبيل المثل، 70 مدنيا قتيلا و478 مصابا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025، إضافة إلى 13 قتيلا و12 مصابا جراء الغارات والقصف عبر الحدود خلال الفترة من 1 يناير/كانون الثاني إلى 22 فبراير/شباط 2026.

أ.ف.ب
أحد مقاتلي طالبان في موقع منجم بمنطقة مس عينك في ولاية لوغر شرقي أفغانستان، 17 مايو/أيار 2022

لكن هذا الاستقرار جاء بثمن باهظ. فقد غابت النساء إلى حد بعيد عن الحياة العامة، وفرضت عليهن قيود شملت حرمانهن من التعليم بعد سن البلوغ. ووفق الأمم المتحدة، تجاوز الحظر عامه الخامس في مارس/آذار 2026، وأصبح نحو 2.2 مليون فتاة محرومات من التعليم الثانوي منذ بدء الحظر في 2022. كما أن 78 في المئة من الشابات الأفغانيات خارج التعليم والعمل والتدريب.

وتتعرض الأقليات الإثنية، ولا سيما الهزارة، لمخاوف تتعلق بالتمييز والانتهاكات في ظل نظام حكم "طالبان"، في بلد شديد التنوع من الناحية الإثنية واللغوية. وتوثق الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية حالات من التمييز والتهميش واستهداف بعض الأقليات، بينما تتركز السلطة السياسية والأمنية بدرجة كبيرة في يد قيادة "طالبان" ذات الغالبية البشتونية. ويرى منتقدون أن نظام "طالبان" يعكس إلى حد كبير هيمنة القيادة البشتونية وأنماطا اجتماعية وسياسية متجذرة في المجتمع البشتوني، وهو ما يثير مخاوف في شأن تمثيل الأقليات الإثنية الأخرى.

بدلا من النفط والغاز وحدهما، أصبحت الموارد المعدنية الأفغانية، إلى جانب موقع البلاد بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا والصين وإيران، جزءا من الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية الجديدة

فهل تستطيع "طالبان"، على الرغم من سجلها الفادح في حقوق الإنسان، إغراء ترمب بخوض سباق جديد على الذهب الأفغاني؟

الفكرة ليست جديدة. فقد سبق للسوفيات والأميركيين أن سعوا إلى استغلال هذه الثروات. والسؤال اليوم هو ما إذا كانت "طالبان" قادرة على إبرام صفقة تندرج تحت ما يحب ترمب تسميته "فن الصفقة".

البحث عن الذهب الأفغاني... من "جي بي مورغان" إلى "طالبان"

يعود الاهتمام الإقليمي بأفغانستان كممر للتجارة والطاقة إلى تسعينيات القرن الماضي. ففي كتابه "طالبان: الإسلام والنفط والأصولية في آسيا الوسطى"، الذي صدر أول مرة عام 2000، تناول الصحافي والباحث أحمد رشيد صعود "طالبان" في سياق "اللعبة الكبرى" الجديدة حول موارد النفط والغاز وطرق نقلها من آسيا الوسطى إلى الأسواق الآسيوية والغربية. كما وثق مساعي باكستان آنذاك لفتح طرق برية عبر أفغانستان تصل إلى آسيا الوسطى، في وقت كانت فيه دول وشركات تبحث عن مسارات جديدة لنقل الطاقة والتجارة بعيدا من الطرق التقليدية.

أ.ف.ب
عامل مناجم أفغاني يقوم باستخراج خام الذهب في وادي غولاك دارا بمنطقة شيوه في ولاية بدخشان شمال شرقي أفغانستان، 28 يوليو/تموز 2026

واليوم، تعود هذه الرؤية الجيوسياسية إلى الواجهة، لكن مع اختلاف جوهري. فبدلا من النفط والغاز وحدهما، أصبحت الموارد المعدنية الأفغانية، إلى جانب موقع البلاد بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا والصين وإيران، جزءا من الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية الجديدة. وقبل صعود "طالبان" في تسعينات القرن الماضي، كان السوفيات قد أعدوا خلال الحرب الباردة خرائط أولية لمواقع التعدين المحتملة في البلاد.

وصلت "طالبان" إلى السلطة للمرة الأولى عام 1996، بعد حرب أهلية دامية أعقبت انهيار حكومة نجيب الله المدعومة من الاتحاد السوفياتي عام 1992. وسرعان ما اهتمت شركات أميركية بالطاقة في أفغانستان، فدعت شركة "يونيكال" (Unocal) الأميركية ممثلين عن "طالبان" إلى ولاية تكساس عام 1997 لمناقشة مشروع خط أنابيب الغاز وفرص التعاون المرتبطة به.

وصف الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس الموارد المعدنية الأفغانية بأنها ذات إمكانات هائلة

وشاركت شركة "بريداس" (Bridas) أرجنتينية في تلك الاتصالات، ودخلت في مفاوضات متقدمة مع "طالبان" في شأن مشروع لربط حقول الغاز في آسيا الوسطى بباكستان عبر أفغانستان، وورد أنها كانت قريبة من توقيع عقد، لكن لم يكن هناك اتفاق نهائي في تلك المرحلة.

وأشار رشيد في كتابه إلى أن صعود "طالبان" لم يلغِ الاهتمام الدولي بأفغانستان، التي كانت تتمتع بأهمية جيوسياسية واقتصادية خاصة بسبب موقعها وموارد الطاقة في آسيا الوسطى، وفي مقدمتها مشاريع خطوط أنابيب النفط والغاز. لكنه وثّق في الوقت نفسه كيف أدى احتضان "طالبان" لأسامة بن لادن وتنظيم "القاعدة" إلى تغيير الموقف الأميركي منها، وصولا إلى المواجهة التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

رويترز
وزير الخارجية الأفغاني أمير خان، خلال مشاركته في جلسة حوارية نظمتها غرفة التجارة والصناعة الهندية (FICCI) في نيودلهي بالهند، 13 أكتوبر/تشرين الأول 2025

وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، ازداد الاهتمام الاقتصادي الأميركي بالموارد الأفغانية، وفي مايو/أيار 2011 نشرت مجلة "فورتشن" (Fortune) تحقيقا بعنوان "سعي جي بي مورغان وراء الذهب الأفغاني" (J.P. Morgan's hunt for Afghan gold)، تناول جهود المصرف الاستثماري في استكشاف فرص التعدين في البلاد. كما أبدى قادة عسكريون غربيون اهتماما بالدور الاقتصادي المحتمل للثروات المعدنية؛ فقد وصف الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس الموارد المعدنية الأفغانية بأنها ذات إمكانات هائلة، بينما كتب الجنرال البريطاني ديفيد ريتشاردز عام 2011 أن تطوير المعادن يمكن أن يوفر بديلا اقتصاديا من زراعة المخدرات، مستشهدا بتقديرات أميركية بأن قيمة الموارد قد تقترب من تريليون دولار.

وبعد توليه منصب رئيس أركان الدفاع البريطاني، أبدى ديفيد ريتشاردز اهتماما بأهمية التنمية الاقتصادية في أفغانستان، في وقت دعمت فيه حكومة ديفيد كاميرون تطوير قطاع التعدين وجذب المستثمرين الدوليين. وفي مارس/آذار 2013، استضاف كاميرون في لندن منتدى أفغانستان للتعدين والنفط والغاز، في حضور أكثر من 100 ممثل عن قطاعات التعدين والأعمال والديبلوماسية، وأعلن دعما بريطانيا بقيمة 10 ملايين جنيه إسترليني لتطوير قطاع الموارد الطبيعية الأفغاني.

إلا أن تدهور الوضع الأمني، واستشراء الفساد في الحكومة الأفغانية، وعودة "طالبان" بقوة، أطاحت هذه الخطط، ولم يتحول الاهتمام بالتعدين إلى مشاريع فعلية واسعة النطاق.

ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن فعلا استخراج هذه الثروات، أم أن الحديث عن الذهب الأفغاني ينطوي على قدر من المبالغة؟

قد يفاجئ عرض "طالبان" للرئيس ترمب البعض، إلا أن التقديرات المتداولة منذ سنوات تضع قيمة الثروات المعدنية الأفغانية عند أكثر من تريليون دولار

فما الذي يوجد حقا تحت الجبال الوعرة وفي كهوف هذا البلد الحبيس؟ هل تختزن الأرض احتياطيات هائلة من المعادن الأرضية النادرة والزمرد والياقوت؟ أم أن الأمر امتداد لأسطورة قديمة عن كنوز أفغانستان، تعود إلى حكايات ذهب الإسكندر الأكبر الذي نهبه المغول؟

ما الذي يكمن تحت الأرض؟ وهل تنجح صفقة بين ترمب و"طالبان"؟

قد يفاجئ عرض "طالبان" للرئيس ترمب البعض، إلا أن التقديرات المتداولة منذ سنوات تضع قيمة الثروات المعدنية الأفغانية عند أكثر من تريليون دولار كما سبق وأشرنا. وحين يبدي مصرف في حجم "جي بي مورغان" اهتماما بهذا القطاع، ثم تتبعه استثمارات صينية وروسية وهندية فعلية منذ عام 2021، يصعب اعتبار هذا الاندفاع مغامرة بلا أساس.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يتحدث إلى الجنود في قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان، 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2019

ومن بين الشخصيات الأميركية التي ارتبطت مبكرا بالجهود الرامية إلى تطوير الموارد الطبيعية الأفغانية بعد عام 2001، برز ميلت بيردن (Milt Bearden)، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، الذي أدار من باكستان جانبا رئيسا من الدعم السري الأميركي للمقاومة الأفغانية ضد الاتحاد السوفياتي في الثمانينيات. وفي عام 2009، ظهر بيردن أيضا في نقاشات حول الاستراتيجيا الأميركية في أفغانستان، قبل أن يرتبط لاحقا بشركة "آسيا-أفريكا بروجكتس غروب" (Asia-Africa Projects Group)، التي عملت في مجال تطوير الموارد والاستشارات.

أما إيوانيس "جياني" كوسكيناس (Ioannis "Gianni" Koskinas)، فهو ضابط متقاعد من القوات الخاصة الأميركية، أنهى مسيرته في القوات الخاصة عام 2011 بعد 20 عاما من الخدمة. وبعد تقاعده، شغل منصب نائب الرئيس التنفيذي في "آسيا-أفريكا بروجكتس غروب"، حيث ركز عمله على تطوير الموارد الطبيعية ومشاريع الأمن القومي.

وتأتي هذه الأنشطة في سياق الاهتمام الأميركي المتزايد بالموارد المعدنية الأفغانية بعد 2001. فقد أنشأت وزارة الدفاع الأميركية فرقة العمل المعنية بالأعمال وعمليات تحقيق الاستقرار (TFBSO) عام 2006 في العراق، ووسعت عملياتها إلى أفغانستان عام 2009 بهدف جذب الاستثمار الأجنبي وتطوير القطاع الخاص. وفي عام 2010-2011 ساهمت بالتعاون مع هيئة المسح الجيولوجي الأميركية في إعادة تقييم الموارد المعدنية الأفغانية.

تحدث ترمب عن استعادة قاعدة باغرام الجوية، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تعزيز قدرتها على الوصول إلى المعادن والمواد الحيوية للأمن القومي. ومن هنا، قد يصبح أي انفتاح أميركي على قطاع التعدين الأفغاني جزءا من مقاربة أوسع تجمع بين المصالح الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية

لكن سقوط كابول في أغسطس/آب 2021 وضع حدا للوجود العسكري الأميركي المباشر في أفغانستان، وتراجع معه الانخراط الأميركي المباشر في مشاريع البلاد الاقتصادية. وفي المقابل، تبدو واشنطن اليوم أكثر اهتماما بتأمين سلاسل إمداد المعادن الحرجة وتقليل اعتمادها على مصادر خارجية، وهي أولوية عززتها إدارة الرئيس دونالد ترمب عبر سلسلة من القرارات الرامية إلى زيادة إنتاج المعادن الحرجة وتأمين مصادرها.

وقد تحدث ترمب عن استعادة قاعدة باغرام الجوية، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تعزيز قدرتها على الوصول إلى المعادن والمواد الحيوية للأمن القومي. ومن هنا، قد يصبح أي انفتاح أميركي على قطاع التعدين الأفغاني جزءا من مقاربة أوسع تجمع بين المصالح الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية.

أ.ف.ب
عامل مناجم أفغاني يعرض قطعةً خامًا من حجر النفريت (Nephrite) استُخرجت من منجم في جبال منطقة غوشتا بولاية ننغرهار، 18 يناير/كانون الثاني 2025

وسبق للولايات المتحدة، حين وصلت "طالبان" إلى الحكم للمرة الأولى في التسعينيات، أن انخرطت معها في محادثات حول خطوط الأنابيب ومشاريع الطاقة. أما اليوم، فالرهانات أكبر بكثير. فالعالم يراقب تحولا محتملا في موازين القوة الجيوسياسية لمصلحة الصين، فيما تبدو أفغانستان مرشحة مرة أخرى للعودة إلى قلب المنافسة بين القوى الكبرى.

وقد تجد "طالبان" في ترمب الرئيس الأميركي الأكثر استعدادا لخوض سباق جديد على الثروات المعدنية الأفغانية. فالولايات المتحدة سلكت هذا الطريق من قبل، وإذا توافرت الظروف السياسية والاقتصادية المناسبة، فقد تصبح صفقة كهذه واحدة من أبرز صفقات رئاسة ترمب وأكثرها إثارة.

font change

مقالات ذات صلة