حرب بلا حسم في السودان... هل تملك "الآلية الخماسية" أدوات إنفاذ حقيقية؟

الوساطة التي تصطدم بممرات التسليح

أ.ف.ب
أ.ف.ب
متظاهر سوداني مناهض للانقلاب يلوح بالعلم الوطني خلال مظاهرة شرقي الخرطوم، في 25 نوفمبر 2021

حرب بلا حسم في السودان... هل تملك "الآلية الخماسية" أدوات إنفاذ حقيقية؟

تقوم الآلية الخماسية حاليا بزيارة إلى الخرطوم سعيا لتيسير حوار سوداني-سوداني شامل ينهي الحرب ويضع البلاد على طريق الانتقال المدني الديمقراطي. وقد سبق هذه الزيارة إعلان مبادرة الحوار المكوّنة من شخصيات مستقلة سودانية، وبدء مهام تهيئة المناخ محليا وتيسير المشاورات الأولية مع القوى السياسية والمدنية، تمهيدا لإطلاق الحوار داخل السودان، وهي دعوة رفضها عدد من القوى السياسية.

تأتي هذه الزيارة وما يوازيها من حراك محلي اختبارا جديدا لقدرة الآلية الخماسية، فرغم أن كل الأطراف تعترف بأهمية العملية السياسية، وتدرك أن وقف القتال قد ينهي جانبا من الحرب، لكنه لا يجيب عن أسئلة أكبر: من يحكم؟ ومن يمثّل السودانيين؟ وما شكل الدولة القادمة؟ لهذا تبقى العملية السياسية الواسعة ضرورة مستقلة عن أي تفاوض عسكري، وتحتاج دعما وضمانات إقليمية ودولية وأممية تكفل أوسع تمثيل ممكن للسودانيين.

إلا أن "الآلية الخماسية" اصطدمت منذ انطلاقها بعقبات بنيوية تهدد بتعطيل مسارها بأكمله.

الخماسية هي الآلية الدولية التي تضم الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية و"الإيقاد" والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهي المكلَّفة برعاية حوار سوداني-سوداني شامل يوازي مسار التفاوض العسكري.

رويترز
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ومندوبون آخرون يحضرون مؤتمر السودان الدولي الثالث في وزارة الخارجية في برلين، ألمانيا، في 15 أبريل 2026

والجيش، بوصفه صاحب القوة العسكرية الأكبر ومؤسسات الدولة، لا يعترض على مبدأ الحوار في ذاته، بل يريد أن يضبط شروطه وهي: من يقوده، ومن يشارك فيه، وما الحدود التي لا يجوز تجاوزها.

يعترض الجيش السوداني على قيادة الاتحاد الأفريقي لآلية التسوية متذرعا بتعليق عضوية السودان منذ انقلاب 2021، ما يضع "الاتحاد" في مأزق أن رفع التجميد يقوض مبادئه، واستمراره يمنح الجيش ذريعة للتشكيك في شرعية المسار

فأي مسار سياسي تشرف عليه أطراف دولية أو إقليمية يبدو في نظر الجيش تهديدا لموقعه كصاحب الكلمة الفصل في تحديد شكل الحكم في السودان. وبعبارة أخرى، اعتراضات الجيش المتكررة على تركيبة الآلية وقيادتها ليست خلافات إجرائية، بل محاولة لإبقاء مستقبل الحكم في السودان تحت سيطرته وحده، لا بيد وسطاء دوليين أو خصوم سياسيين.

أزمة الشرعية والقيادة

يعترض الجيش السوداني، بحسب ما ذكره لي مصدر حكومي على منح الاتحاد الأفريقي الدور القيادي داخل الآلية، في وقت لا تزال فيه عضوية السودان في "الاتحاد" معلّقة منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021.

وهنا تبرز عقبة جوهرية، كيف يقود كيان دولي عملية سياسية داخل بلد لا يُعدّ عضوا فاعلاً فيه؟ فقد جمّد مجلس السلم والأمن الأفريقي عضوية السودان فور وقوع الانقلاب، تطبيقا لسياسة "عدم التسامح المطلق" مع أي تغيير غير دستوري للسلطة، وهي السياسة نفسها التي طُبّقت على دول أفريقية أخرى شهدت انقلابات مؤخراً، مثل مالي والنيجر وغينيا وبوركينا فاسو.

هذا التناقض يمثّل واحدة من أبرز عقبات أي مسار تسوية، فالجهة المكلَّفة برعاية الحل السياسي هي ذاتها الجهة التي أوقفت تعاملها الرسمي مع الدولة المعنية. ومن هذه الثغرة بالتحديد يبرر الجيش تحفظه على الآلية بقوله: "نحن لسنا جزءا من الاتحاد الأفريقي حالياً، فكيف يُطلب منا القبول بشروط جهة نحن مستبعَدون رسميا من عضويتها؟". وهي حجة تحمل وجاهة إجرائية، لكنها تُستخدَم سياسيا أيضا للتملص من الانخراط الجاد في مسار الخماسية.

أ.ف.ب
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يحضر فعالية إحياءً للذكرى الثانية والسبعين لعيد الجيش السوداني في المجلس التشريعي لولاية الخرطوم، الخرطوم، في 15 أغسطس 2026

وحاولت الحكومة الانتقالية أكثر من مرة الدفع نحو رفع التعليق. خصوصا بعد عودة السودان إلى عضوية "إيقاد"، لكن هذه المساعي لم تُفضِ إلى نتيجة حتى الآن.

فالاتحاد الأفريقي يجد نفسه في مأزق مزدوج، حيث لا يمكنه اعتبار ما جرى في السودان "غير انقلاب" دون أن يُقوّض مصداقية مبادئه المناهضة للانقلابات العسكرية، وفي الوقت نفسه فإن استمرار التجميد يُضعف قدرته على لعب دور فاعل وسط أزمة إنسانية وأمنية متفاقمة، ويمنح الجيش ذريعة إضافية للتشكيك في شرعية قيادته للعملية السياسية بأكملها.

وحتى مع وجود أطراف تعترف بالفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيسا لمجلس السيادة وبكامل إدريس رئيسا للحكومة، مثل الجامعة العربية و"الإيقاد"، فإن هذا لم يمنح الخماسية مستقبلا لدى الجيش وحكومته.

ولا يقتصر التفاوت هنا على علاقة الاتحاد الأفريقي بالسودان وحده بل يمتد إلى أداء أعضاء الخماسية أنفسهم. فبينما تمسّك الاتحاد الأفريقي بموقفه من تجميد العضوية، تحرك المبعوث الأممي الشخصي بيكا هافيستو بوتيرة أكثر استقلالية، عبر تكثيف اتصالاته مع الأطراف السودانية وحثها على تقديم التزامات ملموسة لخفض التصعيد، في مسار بدا أحيانا موازيا لعمل الآلية الجماعية أكثر من كونه جزءا منسجما معها.

أما جامعة الدول العربية و"الإيقاد"، وكلاهما يتعامل مع حكومة البرهان وإدريس باعتبارها الجهة الشرعية، فتُبديان مرونة أكبر تجاه فكرة "الحوار الداخلي" التي يطرحها الجيش، مقارنة بموقف الاتحاد الأفريقي الأكثر تشدداً. هذا التفاوت بين أعضاء الخماسية أنفسهم يفسر جانبا من هشاشة الآلية، ويمنح الجيش هامشا للمناورة بين مواقف الوسطاء المختلفين بدل مواجهة جبهة دولية موحدة.

غياب التزام الطرف الآخر في الحرب

اعتراضات الجيش ليست وحدها ما يعطّل المسار، فـ"الدعم السريع"، الطرف الآخر في الحرب، لا يبدي حتى الآن التزاما حقيقيا بأي مسار تفاوضي جاد. فقائده محمد حمدان دقلو "حميدتي" أكد في أحد خطاباته الأخيرة استعداد قواته لمواصلة القتال حتى عام 2040 إذا لزم الأمر، وهو موقف يتناقض مع أي حديث جاد عن تسوية سياسية قريبة.

"الدعم السريع" لا يبدي التزاما حقيقيا بأي تفاوض جاد، حين أعلن "حميدتي" استعداده لمواصلة القتال حتى 2040 فيما يكرّس مؤسسات موازية على الأرض

وبينما تحاول الخماسية بناء عملية سياسية شاملة، يمضي "الدعم السريع" في تكريس مؤسسات موازية على الأرض، من إدارة الامتحانات في نيالا ودارفور إلى ضبط انضباطه الداخلي، وهو ما يشير إلى أن أولوياته الراهنة إدارية وعسكرية أكثر منها سياسية. وهذا الغياب لأي التزام مقابل من طرف الحرب الآخر يجعل التركيز على شروط الجيش وحده قراءة منقوصة لمأزق الخماسية.

أزمة التمثيل السياسي

المستوى الثالث من الأزمة يتعلق بطبيعة الحوار السياسي نفسه، وتحديدا بسؤال محوري، وهو من يحق له الجلوس إلى طاولته؟ وهنا تبرز مسألة تحالفَي "صمود" و"تأسيس"، والقوى الأخرى التي يعتبرها الجيش متحالفة أو متعاطفة مع "الدعم السريع".

من الناحية الرسمية، حرصت الخماسية على تفادي هذا الجدل في خطابها، ففي بيانها الصادر في 14 أبريل/نيسان 2026، أكدت التزامها بتيسير حوار سوداني-سوداني شامل ومملوك للسودانيين، بهدف إنهاء الحرب وإرساء أسس انتقال سلمي. وتحرّك هذا الالتزام عمليا حين عقدت الخماسية مشاوراتها في أديس أبابا بين 3 و5 يونيو/حزيران، سعيا لتشكيل لجنة تحضيرية تطلق هذا الحوار.

أ.ف.ب
قائد "قوات الدعم السريع" في السودان الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب القائد العسكري الفعلي آنذاك يحضر اجتماعا لممثلي الآلية الثلاثية في الخرطوم، في 8 يونيو 2022

وفي بيان لاحق صدر في 6 أغسطس/آب 2026، أعلنت استمرار اتصالاتها مع الكتل والأحزاب السودانية. كذلك دعا مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى حوار سوداني-سوداني شامل تحت قيادة الاتحاد الأفريقي، وطالب الخماسية بمواصلة التشاور مع الأطراف السودانية تمهيدا لإطلاقه.

لكن الواقع الميداني كشف أن مسألة "من يشارك؟" ليست تفصيلا إجرائيا، بل جوهر الخلاف. فقد كادت تحضيرات اجتماع أديس أبابا في يونيو/حزيران أن تتعثر بسبب اعتراض بعض القوى على دعوة كتلة سياسية جديدة يقودها محمد أحمد الجاكومي، وهي كتلة محسوبة على معسكر الجيش، قبل أن تتراجع الخماسية عن الدعوة بعد مشاورات مكثفة. في المقابل، رفضت تنسيقيات مدنية أخرى مشاركة "صمود" و"تأسيس" من الأساس.

وبرزت انقسامات إضافية داخل المعسكر المدني نفسه، فبينما اشترط "صمود" استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، محمّلا إياهما مسؤولية اندلاع الحرب، طالبت الكتلة الديمقراطية بأن تفكّ القوى المدنية المنضوية في "تأسيس" ارتباطها بـ"الدعم السريع" وأن تُنهي "الحكومة الموازية" كشرط لمشاركتها.

وبلغ هذا التصدّع ذروته أواخر يوليو/تموز 2026، حين قاطع اتحاد قوى إعلان المبادئ، إلى جانب "صمود" و"تأسيس"، اجتماعات الخماسية بأديس أبابا احتجاجا على منهجها وعلى الأطراف المدعوة، في مؤشر على اتساع الفجوة بين رؤية الوسطاء الدوليين وتصورات القوى السودانية المتصارعة لشكل العملية العادلة.

اعتراض الجيش إذن على "مع من سيكون الحوار؟" ليس موقفا معزولا، بل امتداد لخلاف أعمق يشمل القوى المدنية والسياسية السودانية نفسها، ما يجعل مسألة التمثيل عقبة مركّبة تتقاطع فيها حسابات الشرعية والتحالفات الميدانية ومسؤولية إشعال الحرب، أكثر من كونها خلافاً فنياً حول لجنة تحضيرية.

مفارقة الحوار السوداني-السوداني الموازي

والمفارقة أن البرهان، في الوقت الذي تتحرك فيه الخماسية نحو عملية سياسية واسعة، يطرح هو أيضاً فكرة الحوار السوداني-السوداني. فقد قال في كلمة مصورة بمناسبة عيد الجيش 72 إن المشاركين في الحوار الوطني سيحصلون على حصانة مؤقتة، ولن يتعرضوا لأي ملاحقة قانونية بسبب آرائهم خلال الحوار. وفي 26 مايو/أيار 2026 أعلن أن الترتيبات جارية لإطلاق حوار شامل داخل السودان للاتفاق على أسس الحكم واستكمال الانتقال المدني الديمقراطي. لكنه وضع في الوقت نفسه حدودا واضحة للمشاركة، مستبعدا القوى التي تعتبرها حكومته مرتبطة بـ"الدعم السريع" أو متورطة في الحرب.

رغم تأكيد الخماسية التزامها بحوار سوداني-سوادني شامل، كشف الواقع أن "من يشارك؟" هو جوهر الخلاف، إذ تعثرت مشاورات أديس أبابا بالخلاف حول الأطراف المدعوة وبلغ التصدع ذروته بمقاطعة "صمود" و"تأسيس" واتحاد قوى إعلان المبادئ اجتماعاتها

فالخلاف بين الطرفين إذن ليس بين من يريد الحوار ومن يرفضه، بل بين تصورين مختلفين له، عملية تسعى الخماسية إلى أن تكون واسعة وشاملة، مقابل عملية داخلية تريد السلطة القائمة أن تحتفظ فيها بقدر أكبر من السيطرة على قواعدها وعلى تحديد من يحق له المشاركة.

وهذا ليس أول ظهور لهذا النمط. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، طرح رئيس الوزراء كامل إدريس أمام مجلس الأمن مبادرة تبدأ بوقف إطلاق النار ونزع سلاح "الدعم السريع" وانسحابه من المدن، ثم تنتقل إلى حوار سوداني-سوداني، لتحديد كيفية حكم البلاد.

والمهم أن المبادرة نفسها قبلت بدور دولي وإقليمي في مراقبة بعض الترتيبات، إذ تحدث إدريس عن وقف لإطلاق النار تحت مراقبة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. فالاعتراض الحكومي إذن ليس على وجود دور خارجي بحد ذاته، بل على حجم هذا الدور ومن يحدد قواعد العملية السياسية ومكوناتها.

أ.ف.ب
مجموعة من المنشقين المسلحين عن "قوات الدعم السريع" يصلون في مركبة يُعتقد أنهم في طريقهم لتسليم أنفسهم إلى الجيش السوداني، غربي أم درمان، ولاية الخرطوم، في 19 أغسطس 2026

وتكرار طرح الحوار السوداني-السوداني كلما تصاعدت المبادرات والضغوط الخارجية يفتح الباب أمام قراءة أخرى، وهي أن هذه المبادرات الداخلية قد تكون أيضاً وسيلة لشراء الوقت واستعادة السيطرة على مسار التسوية، في ظل استمرار الرهان على تغير موازين القوة عسكريا.

دور واشنطن

أما واشنطن، فرغم أن الخماسية آلية تقودها مؤسسات جماعية لا دول منفردة، يبقى دورها فيها مركزيا لا يمكن الاستعاضة عنه، خصوصاً أنها الطرف الدولي الأكثر إصرارا على أن يفضي أي تحول سياسي في السودان إلى حكم مدني ديمقراطي يحول دون عودة قوى الإسلام السياسي إلى موقع القرار. لكن واشنطن بدأت في الأشهر الأخيرة تعيد توزيع رأسمالها الدبلوماسي نحو المسار الإنساني على حساب المسار السياسي الشامل، وهذا الانكفاء يحمل كلفة مباشرة على مسار الخماسية بأكمله.

فمن دون ضغط أميركي متسق يوازي الدور الأممي والأفريقي، يجد الجيش هامشا أوسع لتفريغ الآلية من مضمونها عبر المماطلة الإجرائية بدل رفضها صراحة، ويستثمر في كل فراغ دبلوماسي أميركي لتعزيز مساره الموازي "الحوار الداخلي".

والمطلوب من الإدارة الأميركية ليس مجرد استئناف الانخراط، بل انخراطا يستوعب تعقيدات المشهد بدقة.

تحتاج واشنطن دوراً مدروساً ومنفتحاً في آن واحد. مدروساً بما يكفي لفهم أن العقبات هنا بنيوية ومتشابكة لا إجرائية، ومنفتحا بما يكفي لربط أدواتها الإنسانية، من الهدن الموضعية إلى ممرات المساعدات، بشروط سياسية واضحة تجاه المشاركة الجادة في الحوار الشامل.

بهذا وحده تتحول الورقة الإنسانية من هدف بذاته إلى أداة ضغط تخدم الخماسية، وتبقي هدف الانتقال المدني حاضرا في صلب الحسابات الأميركية، لا تفصيلاً ثانوياً فيها.

وفي النهاية، يبقى الخطر الأكبر أن يتحول شعار "الملكية السودانية"- في غياب توازن حقيقي بين الأطراف السودانية المتصارعة، وضعف الرافعة الدولية التي يُفترض أن توازن بينها- من مبدأ ضروري لأي تسوية مستدامة إلى أداة تسمح لأحد أطراف الحرب بأن يحدد وحده من يحق له أن يكون جزءاً من مستقبل السودان.

font change

مقالات ذات صلة