تاكاشي ميكي لـ"المجلة": ما زلت متمردا ويجب أن يكون هذا دافع كل مخرج

أحد كبار صناع السينما اليابانية يفاجئ جمهور مهرجان البندقية بوثائقي عن الكابوكي

 Leila Ammar
Leila Ammar
تاكاشي ميكي

تاكاشي ميكي لـ"المجلة": ما زلت متمردا ويجب أن يكون هذا دافع كل مخرج

إحدى مفاجآت الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان البندقية السينمائي بين 2 و12 سبتمبر/ أيلول، هو الفيلم الوثائقي "شومي: إرث الكابوكي الحي"، للمعلم الياباني تاكاشي ميكي، الذي يتابع مسيرة نجم الكابوكي هوريكوشي تاكاتوشي، المعروف سابقا باسم إيتشيكاوا إبيزو الحادي عشر، الذي حمل في عام 2020 اسم إيتشيكاوا دانجورو الثالث عشر. "المجلة" التقت ميكي ودانجورو الثالث عشر على هامش المهرجان، اثنين من كبار المعلمين، كل في فنه.

أمضى المخرج الياباني تاكاشي ميكي عقودا في تحدي الأعراف، ومواجهة العنف، وقلب توقعات سينما النوع رأسا على عقب، في مسيرة غزيرة تجاوزت المئة فيلم، من بينها "تجربة أداء" Audition (1999) الذي رسّخ حضوره عالميا، و"إيتشي القاتل" Ichi the Killer (2021) أحد أكثر أفلامه عنفا وإثارة للجدل، مرورا بـ"13 قاتلا" Assassins13 (2010) و"هارا كيري: موت ساموراي" (Hara-Kiri: Death of a Samurai (2011) اللذين أعادا تقديم سينما الساموراي برؤيته الخاصة. لذلك قد يبدو صنعه اليوم فيلما وثائقيا عن الكابوكي انعطافة غير متوقعة في هذه المسيرة، لكنه ليس كذلك.

يتابع فيلم ميكي الوثائقي الجديد انتقال اسم إيتشيكاوا دانجورو، أحد أعرق الأنساب الفنية في الكابوكي. لكن تحت حكاية فنان يرث تقليدا يمتد قرونا، يكمن سؤال طالما كان في صميم سينما ميكي: ماذا يحدث حين يجد الأفراد أنفسهم مضطرين إلى التفاوض بين الأدوار التي يفرضها عليهم المجتمع والهويات التي يختارونها لأنفسهم؟

هكذا يتحول الفيلم، في نهاية المطاف، إلى تأمل في الإرث والتمرد والجندر وجوهر الفن نفسه.

تقليد شكله من دون أن يدري

يجلس على أريكة، ببشرته السمراء ونظارته الداكنة، ويبدو المخرج البالغ من العمر 79 عاما صلب الملامح. إلى جانبه مترجمه وبطل فيلمه، نجم الكابوكي دانجورو الثالث عشر، الذي يرافقه هو الآخر مترجمه. المشهد يقول كل شيء: نحن في حضرة أريستوقراطية من نوع خاص.

مع أن تاريخنا نحن السينمائيين ليس طويلا كتاريخ الكابوكي، فعلينا أن نحافظ على هذه الطاقة، مثلما يحافظ أهل الكابوكي على تقاليدهم


تاكاشي ميكي

ولكن ما الذي دفع ميكي إلى صنع فيلم وثائقي وهو على أعتاب الثمانين؟

يقول: "لم أختر إخراج هذا العمل، بل صنع الفيلم نفسه بنفسه. بالكاد كنت موجودا، أحمل الكاميرا وأحاول فقط أن أوثق إيتشيكاوا (وهي من أكبر العائلات في فن الكابوكي) وهذا الحدث الكبير، الشومي، تلك المراسم كبرى لتوارث الأسماء الفنية التي تقام في مسرح الكابوكي، لكي أفهم الانتقال من إبيزو إلى دانجورو".

هنا يضيء وجهه، وتصبح الملاحظة شديدة الوضوح: ميكي طفل لا يكف عن العمل، الفن طبيعته نفسها. هل كان الكابوكي إذن أحد المؤثرات في سينماه، ومن هنا جاءت حاجته إلى توثيقه في هذه المرحلة من مسيرته؟ لا.

لا يصف ميكي الكابوكي بوصفه تأثيرا مباشرا في أفلامه. يراه، بالأحرى، شيئا متجذرا في الثقافة اليابانية، تأثيرا نتشربه من دون أن نكاد نعي ذلك.

يقول: "حين نتحدث عن الأداء، فهذا يعني الكابوكي"، موضحا أن الفنان الياباني ينشأ، لا محالة، محاطا بهذا التقليد. والتأثير، كما يراه، ليس اقتباسا واعيا بقدر ما هو شيء يتسلل ليصبح جزءا من المفردات الثقافية، "نستمد تأثيراتنا من هناك، من دون وعي".

تكتسب هذه الفكرة دلالة خاصة حين نضعها في سياق مخرج طالما وظفت أعماله المسرح والمبالغة في الأداء. قد لا يكون ميكي اقتبس عمدا من الكابوكي، لكن الشكلين يشتركان في اهتمامهما بالهويات المصنوعة، والتحول، والحد غير المستقر بين الأداء والواقع.

IMDb
المخرج الياباني تاكاشي ميكي خلال فعالية لفيلم «شومي: إرث الكابوكي الحي» (2026).

الجذور المتمردة للكابوكي

ثمة أيضا مفارقة لافتة في صميم تاريخ الكابوكي. فاليوم ينظر إلى هذا الفن على نطاق واسع بوصفه واحدا من أعرق الفنون التقليدية اليابانية. لكن بداياته كانت أكثر تمردا بكثير. فقد ظهر هذا الفن في أوائل القرن السابع عشر من خلال عروض ارتبطت بالنساء، وأشهرهن إيزومو نو أوكوني. وكانت النساء يؤدين أدوار الرجال والنساء معا، كما اعتبر الكابوكي في شكله المبكر مستفزا إلى حد أدى في نهاية المطاف إلى منع النساء من اعتلاء المسرح.

ثمة ضغط، وثمة توقعات، لكن يظل هناك إمكان لأن تقول لا

دانجورو

ثم تطور هذا التقليد لاحقا إلى الشكل الشديد التقنين، والمهيمن عليه من الرجال، الذي نعرفه اليوم، حيث يتخصص ممثلون رجال في أداء الأدوار النسائية، ويعرفون باسم "أوناغاتا" (onnagata).

ويجعل هذا التاريخ من الكابوكي عدسة مثيرة للاهتمام يمكن من خلالها النظر إلى سينما ميكي. فقد دأبت أفلامه على مساءلة التصورات التقليدية عن الجندر والجنسانية والسلطة. يمكن النساء في أفلامه أن يكن ضحايا للعنف والتشييء، لكنهن قد يصبحن أيضا صاحبات فعل الانتقام، كما في  فيلم "تجربة أداء"، أو عنصرا للخلخلة والتحول.

ولا ينبغي أن نعول على ميكي أو دانجورو لحسم الجدل حول ما إذا كان فن كل منهما نسويا أم لا، فالسؤال في جوهره من تلك الأسئلة التي يواجهها المتلقي في داخله، وقد لا يعثر لها على جواب نهائي.

REUTERS
فريق الفيلم الوثائقي «شومي: إرث الكابوكي الحي» للمخرج تاكاشي ميكي على السجادة الحمراء في مهرجان البندقية السينمائي، 3 سبتمبر 2026.

عنف ميكي: النساء في القلب منه؟

قلة من الأفلام تجسد هذا الالتباس أفضل من فيلم "تجربة أداء". ظاهريا، تبدو أسامي تجسيدا لفانتازيا سينمائية قديمة: المرأة الغامضة، الخاضعة، التي يختارها رجل يعتقد أن من حقه انتقاء زوجته المستقبلية. لكن الفيلم يقلب تدريجيا ميزان القوة هذا. فالمرأة التي تبدو في البداية موضوعا للرغبة الذكورية، تصبح هي من يتحكم في مصير الرجل الذي اختارها.

من الصعب وصف ميكي ببساطة بأنه "مخرج نسوي". فمعالجته للنساء كثيرا ما تكون مقلقة وعنيفة، ومتعمدة في إحداث شعور بعدم الارتياح، إلى درجة أن سلسلة "سادة الرعب"Masters of Horror  التي أنتجتها "شوتايم" قررت عدم بث الحلقة التي أخرجها ميكي بطلب منها. لكن هذا الانزعاج نفسه هو ما يجعل أفلامه خصبة إلى هذا الحد لقراءة نسوية: فهي تكشف العنف الكامن تحت البنى التي تبدو عادية للرغبة الذكورية والسيطرة.

لذلك، لا تكمن الصلة مع الكابوكي في أن كليهما نسوي بصورة مباشرة وواضحة، بل في أن كليهما ينطوي على تاريخ للجندر بوصفه أداء: رجال ونساء يشغلون أدوارا، ويتقمصون هويات، ويتحدون الحدود المفروضة عليهم.

بات من الصعب أكثر فأكثر أن تقول ما تريد بصراحة داخل هذه الصناعة اليوم


تاكاشي ميكي

ومع استمرار الكابوكي في التطور، تجد النساء على نحو متزايد سبلا للعودة إلى تقليد مسرحي أقصين منه تاريخيا. وهذه العودة تخلق انقلابا لافتا: فن نشأ جزئيا من خلال أداء النساء، ثم تحول لاحقا إلى تقليد يكاد يقتصر حصرا على الرجال، يعود اليوم ليصبح فضاء يمكن فيه إعادة النظر في مشاركة النساء. والواقع أن ابنة دانجورو تشارك في عروض والدها، وإن كانت تؤدي أدوارا أصغر من تلك التي يؤديها شقيقها.

 JIJI Press / AFP
تاكاشي ميكي وإيتشيكاوا دانجورو الثالث عشر والفنان تاكاشي موراكامي أمام «ستارة احتفالية» صممها موراكامي في مسرح كابوكيزا بطوكيو، 1 نوفمبر 2022.

الإرث في مواجهة الاختيار

أما الشخصية المحورية في وثائقي ميكي، وهو أب لطفلين، فيواجه نوعا آخر تماما من القيود: الإرث. إرث يستند إلى تقليد يمتد 360 عاما، وإلى تاريخ من اللعنة التي يقال إنها لاحقت كل من حمل اسم دانجورو في هذه السلالة، من موت مبكر ومرض ونزعات انتحارية.

أن تصبح دانجورو يعني ألا ترث اسما فحسب، بل قرونا من التوقعات. ويقر دانجورو بالضغط الذي يحيط بمثل هذا التوارث، لكنه يصر على أن التقاليد لا تلغي بالضرورة حرية الفرد في الاختيار. يقول: "ثمة ضغط، وثمة توقعات، لكن يظل هناك إمكان لأن تقول لا".

قال إيتشيكاوا إبيزو نعم وهو في ذروة مسيرته، وأصبح دانجورو الثالث عشر. وبدل أن ينشغل بثقل لعنة محتملة، قرر أن يؤدي 13 دورا في عرض واحد، مثبتا أن قبوله الاسم لم يكن أمرا أخذه باستخفاف، وأن أقسى لعنة واجهها كانت قد وقعت بالفعل: الموت المفاجئ لزوجته، وهي في الرابعة والثلاثين، وأم طفليه الصغيرين.

تكاد تلك العبارة تصلح بيانا لمجمل أعمال ميكي. فشخصياته كثيرا ما تجد نفسها عالقة داخل منظومات تحاصرها: العائلة، والتوقعات الاجتماعية، والعنف، والذكورة، والجريمة المنظمة، والمؤسسات، ثم تحاول التمرد عليها. أحيانا تكون تلك المقاومة تحررا، وأحيانا تكون كارثة. وكثيرا ما تكون الاثنين معا.

السؤال ليس ما إذا كان ينبغي تدمير التقليد، بل ما إذا كان قادرا على البقاء من دون أن يتحول إلى سجن، وأن يتطور بهدوء من دون أن يفقد جوهره المهيب.

Getty
الممثل الياباني إيتشيكاوا دانجورو الثالث عشر (يسارا) والمخرج تاكاشي ميكي خلال جلسة تصوير لفيلم «شومي: إرث الكابوكي الحي» في مهرجان البندقية السينمائي، 4 سبتمبر 2026.

حين يصبح القديم جديدا

بالنسبة إلى دانجورو الثالث عشر، قد يتوقف بقاء الكابوكي في نهاية المطاف على قدرته على أن يصبح ذا معنى لأناس لم ينشأوا معه.

وهو متفائل حيال الأجيال اليابانية الشابة. فالتقنيات والمنصات الجديدة قد تغير الطريقة التي يتلقون بها المسرح، كما يقول، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم سيتخلون عن ثقافتهم التقليدية. بل قد ينتهي بهم الأمر إلى إعادة اكتشافها.

يقول لـ"المجلة": "الأمر يأتي على شكل موجات. لدى كل جيل شيء جديد، سواء كان تقنية أو شيئا آخر، لكن في كل مرة يحدث ذلك نميل إلى العودة إلى التقاليد. والآن باتوا يرون الأشياء القديمة كأنها جديدة".

لدى كل جيل شيء جديد، سواء كان تقنية أو شيئا آخر، لكن في كل مرة يحدث ذلك نميل إلى العودة إلى التقاليد. والآن باتوا يرون الأشياء القديمة كأنها جديدة


دانجورو

هذه المفارقة، أن يصبح القديم جديدا تحديدا لأنه يرى من منظور مختلف، تقع في صميم قدرة الثقافة على البقاء.

وبالنسبة إلى ميكي، هكذا يواصل الكابوكي إحياء نفسه وإعادة تدوير ذاته.

وثائقي بلا شروح

يتعمد ميكي ألا يفرط في شرح الكابوكي لجمهوره، ويقر بأنه صور الفيلم من موقع المشاهد نفسه، من دون أن يفهم منذ البداية تماما ما الذي يراه. يقول لـ"المجلة": "هذا مختلف جدا عن طريقتي المعتادة في الإخراج، لكنني أردت أن أبقي الأمر نقيا قدر الإمكان". ولهذا يخلو النصف الثاني من الوثائقي من التعليق الصوتي، تاركا للجمهور أن يختبر العروض مباشرة.

 Leila Ammar
تاكاشي ميكي

الطموح في "شومي" بسيط: خلق لقاء أول. يأمل ميكي أن يشاهد متلق من خارج اليابان الفيلم، فيثير الكابوكي فضوله، ثم يدفعه ذلك في نهاية المطاف إلى البحث عن عرض يشاهده في اليابان.

في هذا المعنى، لا يسعى الوثائقي إلى ترجمة الكابوكي إلى شيء أكثر ألفة، بل إلى إثارة ما يكفي من الفضول لكي يقطع المشاهد بنفسه تلك المسافة الثقافية. وهي رحلة يعرفها دانجورو جيدا، بعدما قدم عروضه في أنحاء العالم، وعلى بعض أعرق المسارح الغربية، مثل "كارنيغي هول" في نيويورك و"أوبرا غارنييه" في باريس، وصولا إلى منحه وساما فرنسيا تقديرا لإسهامه الثقافي.

أضاف دانجورو: "بالطبع عليك أن تتكيف مع اختلاف الجمهور، فلكل جمهور علاقته الخاصة بالمسرح. في بريطانيا مثلا، يميل الاهتمام أكثر إلى النص، ولذلك يبذل جهد كبير في الترجمة المصاحبة للعروض، بينما ينصب الاهتمام في فرنسا أكثر على التجربة المسرحية نفسها. أحيانا يمكننا اختصار المسرحيات، لكننا نحافظ دائما على جوهر الفن".

الحفاظ على الطاقة، لا تجميد التقليد

تأتي أكثر ملاحظات ميكي دلالة حين ينتقل من الحديث عن الكابوكي إلى السينما نفسها. يستعيد مخرجي الأجيال السابقة بوصفهم شخصيات صعبة، لا تساوم. أما مخرجو اليوم، فعلى النقيض، يزدادون "قابلية للإدارة"، وكما يوحي كلامه، يزدادون أيضا تمييعا.

يقر بأن المقارنة مع الكابوكي ليست مطابقة تماما، لكن الدرس واضح: "كانت لدينا في صناعة الأفلام توجهات من هذا النوع. ومع أن تاريخنا نحن السينمائيين ليس طويلا كتاريخ الكابوكي، فعلينا أن نحافظ على هذه الطاقة، مثلما يحافظ أهل الكابوكي على تقاليدهم".

هنا يلمح المخرج إلى أن الاستوديوهات باتت تمتلك قدرا هائلا من القوة، إلى حد أن الأصوات المتفردة تميل إلى الاختفاء، غارقة في منظومة قادرة، وسط هذه العولمة الواسعة، على سحق الإبداع الحقيقي. وحين يسأل إن كان لا يزال متمردا، ينتهز الفرصة على الفور: "نعم، أنا كذلك. وهذا ما ينبغي أن يكون دافع كل مخرج، لكن بات من الصعب أكثر فأكثر أن تقول ما تريد بصراحة داخل هذه الصناعة اليوم. في المناسبة، سترون فيلمي المقبل على نتفليكس. إنه ناعم جدا مقارنة بما أفعله عادة".

فيلمي المقبل على "نتفليكس" ناعم جدا مقارنة بما أفعله عادة

لعل "الطاقة"، إذن، هي الفكرة الأهم في هذا الوثائقي.

فالحفاظ على شكل فني لا يعني في الضرورة إبقاءه كما كان تماما. والكابوكي نفسه لم يبق حيا إلا لأنه تحول: حل الرجال محل النساء وصاروا يؤدون أدوار النساء، واكتسبت الحكايات القديمة قراءات جديدة، وأعادت أجيال متعاقبة اكتشاف فن عريق بعيون معاصرة.

تعمل سينما ميكي وفق مبدأ مشابه. فأفلامه غالبا جامحة، مفرطة، ومتعمدة في إثارة عدم الارتياح، لأنها تقاوم أن تصبح سهلة الهضم. ولعل هذه هي الصلة الحقيقية بين ميكي والكابوكي. كلاهما يذكرنا بأن التقليد لا يعني في الضرورة الطاعة. فأحيانا، لكي تبقي فنا حيا، عليك أن تحافظ على ذلك الشيء الذي جعله خطرا منذ البداية: قدرته على تحدي الجمهور، وزعزعة الهويات، ورفض الخضوع للمعايير المفروضة.

font change