بين الأطلال العربية والإنكليزية... رحلة على ضفاف نهر "واي"

التأمل الفلسفي والتسامي الروحي

 Bildagentur-online/Universal Images Group via Getty Images
Bildagentur-online/Universal Images Group via Getty Images
دير تينترن، دير أثري في وادي واي في ويلز، في صورة تعود إلى عام 1880

بين الأطلال العربية والإنكليزية... رحلة على ضفاف نهر "واي"

تتواشج الرؤية الجمالية للرومانسية الإنكليزية مع أعمق التقاليد الشعرية في الوجدان العربي. فعبر رحلة على ضفاف نهر "واي" وبين أطلال دير "تنترن"، يمكن تتبع التقاطع الفلسفي بين مفهوم "السامي" The Sublime لدى وليام ووردزورث وطقس الوقوف على الأطلال الممتد من المعلقات إلى سينية البحتري، فتحضر رمزية تحول خراب العمران أمام سطوة الزمن، من حنين إلى الماضي وفجيعة تداعيه وغياب الأحبة، إلى شواهد وآثار ومصالحة كونية تجعل من الحجر المتناثر والمهمل جزءا من تجدد الطبيعة الأبدي.

لم تكن الطبيعة لدى شعراء الرومانسية الإنكليز مجرد مشهد بصري عابر، بل كانت مرآة فلسفية تعيد تشكيل الوعي، وملاذا يرمم روح الإنسان أمام جفاف العصر الصناعي. فبين أطلال دير "تنترن" المهجور وانسياب النهر، تمتد هذه الرحلة الاستكشافية عبر وادي نهر "واي" River Wye الذي يشكل الحد الفاصل بين إنكلترا ومقاطعة ويلز، لتتبع أثر وليام ووردزورث واستعادة بدايات ما سمي بـ"السياحة الروحية" التي جعلت من السفر تجربة لاكتشاف الذات.

بين الحجر والنهر

"ولقد أحسست وجودا تضطرب له روحي بالفرح وبأفكار سامية،

إحساس جد رفيع بوجود يتخلل كل الأشياء،

وفي أقصى الأعماق: مأواه ضوء الشموس الغاربة،

والمحيط الدائري، والهواء الحي، والسماء الزرقاء" (من قصيدة "تينترن آبي" ترجمة محمد عناني، كذلك المقاطع التالية)

يعد الشاعر الإنكليزي وليام ووردزورث (1770-1850) رائد الحركة الرومانسية في الأدب الإنكليزي بالاشتراك مع صديقه الشاعر صامويل تايلور كولريدج. ظهر التيار الرومانسي في أواخر القرن الثامن عشر كـثورة فكرية ووجدانية ضد عقلانية عصر الأنوار الصارمة وجفاف الثورة الصناعية التي استعبدت الإنسان داخل المدن المعتمة. أعادت الرومانسية الاعتبار الى العاطفة، والخيال الحر، والتجربة الذاتية، ورأت في الطبيعة كائنا حيا ومربيا أخلاقيا يملك قوة استشفاء تنقي النفس البشرية. أصبحت الطبيعة في المنظور الفلسفي لووردزورث الملاذ الروحي والفاعل الحيوي الذي يمنح العقل مرساة لأفكاره الأكثر نقاء وسط عالم مادي سريع التحول والتغير.

خلال رحلتنا إلى ضفاف نهر "واي" رأينا التجسيد الحي لنص أدبي وفلسفي لطالما قرأناه وتخيلناه من خلال قصائد الشعراء الرومانسيين، وفي مقدمهم ووردزورث، وكانت قصيدة هذا الأخير، "دير تنترن"، بمثابة الخريطة التأملية التي قادت خطانا إلى الوادي. ذلك أن الوقوف على ضفاف ذلك النهر، يبين كيف تتحول الرؤية الشاعرية إلى واقع حي. فالهواء ينطوي على السكينة ذاتها، والدخان المتصاعد بين الغابات يهمس بالفناء والخلود، لتتجلى الحقيقة الجمالية الكبرى: أن الطبيعة مرآة الروح، ترمم انكسارات الذات وتمنح الوعي مرساة ثابتة وسط سيلان الزمن المتغير.

الطبيعة مرآة الروح، ترمم انكسارات الذات وتمنح الوعي مرساة ثابتة وسط سيلان الزمن المتغير.

يبدأ المسار مع انسياب نهر "واي" على امتداد الحدود الإنكليزية والويلزية. ففي أواخر القرن الثامن عشر، ومع أطروحات ويليام جيلبين (William Gilpin) الفلسفية بعد صدور كتابه "تأملات على نهر واي" حول مفهوم "الجمال الخلاب" The Picturesque، تحول هذا الوادي إلى المهد الذي ولدت فيه السياحة الشعرية. كان الأدباء يفرون من الميكانيكية المادية للمدن الحديثة ليكتشفوا في النهر وضفتيه والوادي قيمة جمالية تقوم على التوازن بين هيبة الطبيعة ورقتها.

 LINDSEY PARNABY / AFP
مشهد ثلجي لنهر واي في ديربيشير، 23 مارس 2013

عند نقطة "سايموندز يات"، حيث ينحرف النهر في التفاف صخري مجنح، تتجلى التجربة الجمالية الأولى في هذه الرحلة. فمن هذا المرتفع، يبدو انسياب الماء رمزا للزمان في تدفقه الأبدي. هنا يمكن لمس الدهشة الحسية الأولى، ذلك الشغف الفطري الخالص بالطبيعة الذي وصفه ووردزورث حين زار المكان شابا في الثالثة والعشرين من عمره، حيث كانت الأشكال والألوان تخاطب الوجدان المباشر قبل أن تصقلها الفلسفة:

"حين كنت كالوعل،

أقفز فوق الجبال،

وعلى جوانب الأنهار العميقة والجداول المنعزلة،

وحيثما قادتني الطبيعة"

صخرة "منبر الشيطان"

مع تتبع مسار المشي صعودا بين جذوع الغابات التاريخية المتشابكة، تبرز صخرة "منبر الشيطان" (The Devil's Pulpit). تتطلب القمة صعودا حادا يختبر قوة الجسد، لكن الوقوف عليها يضع الزائر في قلب المفهوم الرومانسي لـ"السامي"، حيث ذلك الشعور الذي يمزج بين الرهبة الجليلة والاتساع الروحي، وحيث لا جلبة سوى الصمت وحفيف الأشجار. كأن هذه الصخرة الكلسية منبر معلق في الفراغ. ورغم الأسطورة التي تزعم أن الشيطان وقف عليها ليشتت صلوات الرهبان في "دير تينترن" أسفل الجبل، فإن الواقع الفلسفي للمكان يتجاوز الخرافة. فالإشراف من هذا الارتفاع يجعل المعالم البشرية تبدو ضئيلة، بينما يتسيد امتداد الأفق والغابات الكثيفة الشاسعة.

"في غابات تخلو من أي مساكن

كأن هناك كهفا يسكنه ناسك، وأمام النار

يجلس ذلك الناسك وحده".

 Wikimedia Commons
الشاعر الإنكليزي ويليام ووردزورث

إذ يجلس المرء هناك، كذلك الناسك في قصيدة ووردزورث والدير المهجور يتراءى صغيرا، يكتشف أن الارتقاء إلى "منبر الشيطان"، للمفارقة، هو تجسيد لمفهوم "التسامي" الجمالي، حين يتحرر الوعي من قيود وهموم الذات الآنية الضيقة ليذوب في القوة الكونية الكبرى.

"الصخرة الشاهقة، والجبل، والغابة العميقة الكئيبة،

كانت ألوانها وأشكالها بالنسبة لي شهية وشعورا وحبا".

الارتقاء إلى "منبر الشيطان" هو تجسيد لمفهوم "التسامي" الجمالي، حين يتحرر الوعي من قيود وهموم الذات الآنية الضيقة ليذوب في القوة الكونية 

عند الهبوط من القمم نحو قاع الوادي بمرافقة هيبة الغابة وحفيف أشجارها، يتحول التأمل من رهبة الجبال إلى طمأنينة الوادي. يتجلى هنا مفهوم ووردزورث حول القوة الترميمية للطبيعة. فالصورة الجمالية المخزنة في الذاكرة لا تنتهي بانتهاء اللحظة الحسية، بل تصبح مدخرا روحيا يستدعى في لحظات العزلة والقلق العصري.

"في ساعات الإرهاق المضني،

أمدتني بمشاعر عذبة، سرت في دمي، ولمست شغاف قلبي

بل نفذت حتى أصفى أصقاع الذهن،

فأعادت إلي الصحة والسكينة".

بين جدلية الزمن والحجر والطبيعة

تصل الرحلة الشعرية الجمالية إلى ذروتها التأملية عند الدخول إلى "دير تنترن". يعود تاريخ هذا الدير إلى عام 1131 حين أسسه الرهبان السيسترسيون (Cistercians) ليكون مستقرا للزهد والصمت. وظل صرحا روحيا قائما حتى قرار حل الأديرة الصادر عن الملك هنري الثامن عام 1536، لتبدأ رحلة السقوط والتداعي. ومع مرور القرون، احتوت الطبيعة الهيكل الحجري وذاب البناء القوطي في محيطه الأخضر، ليتحول إلى أطلال مهيبة ورمز وفلسفة جمالية بصرية استهوت فناني وشعراء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. عند جدران الدير المهجورة، يرتفع البناء الصخري بلا سقف، لتغدو السماء سقف الكنيسة المحطمة، وتتسلل النباتات بين الأعمدة وتتناثر بعض حجارته على العشب الأخضر. إنه تجلي جدلية الزمن: زوال المؤسسة البشرية وسلطتها أمام خلود الطبيعة وتجددها.

ولعل هذا السكون المحيط بأطلال الدير، هو ما يعبر عنه عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارك أوجيه في كتابه "الزمن أطلالا"، إذ يرى أن الأطلال تمنحنا فرصة النفاذ إلى "زمن خالص" غير مرتهن بجهة أو تقويم. فالطلل عكس الركام الحديث هو حجر منحته الأحقاب فرصة التصالح مع الطبيعة، ليتوقف عن كونه شهادة على الهزيمة، ويصبح جسرا يربط بين معنى ماض انقضى وإدراك حاضر يتأمل الأبدية.

 Omar HAJ KADOUR / AFP
الشارع المعمد في آثار مدينة تدمر وسط سوريا، 7 فبراير 2025

وبينما نحاول استنطاق جدران "تنترن" وتقصي ماضيها، يحضر طقس الوقوف على الأطلال الذي يشكل ثيمة أساسية في التجربة العاطفية والفلسفية للقصيدة العربية منذ بداياتها الأولى، حين استوقف امرؤ القيس الصحاب على الديار الدارسة: فمن "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل/ بسقط اللوى بين الدخول فحومل"، وصولا إلى تأمل البحتري لتداعي إيوان كسرى والصروح المنيعة:

أتسلى عن الحظوظ وآسى

لمحل من آل ساسان درس

وكأن المدائن الحضر فيها

ثكلت أهلها لعابس ورس

 MUSSA HATTAR / AFP
سياح يزورون الخزنة في مدينة البتراء الأثرية جنوب الأردن، 28 أبريل 2026

مجابهة الزمن

يشكل الوقوف أمام الأثر المهجور مجابهة إنسانية أزلية مع سطوة الزمن وحتمية الزوال. غير أنه بينما وقف الشاعر العربي أمام الطلل ليرثي الغياب ويستعيد الذكرى، محاولا انتزاع الخلود عبر تخليد المكان في الذاكرة، يسعى الشاعر الرومانسي إلى مصالحة كونية مع هذا الفناء. فلا يرى ووردزورث في انهدام الحجر فجيعة، بل يراه اندماجا هارمونيا تعود فيه المباني البشرية لتنصهر في رحم الطبيعة الأولى. فالطلل لديه لا يبكي مجدا اندثر، بقدر ما يبشر بلحظة تجل تجعل من خراب العمران شهادة على خلود الطبيعة وتجددها الأبدي.

في "دير تنترن" تتحول التجربة من الانبهار الحسي المباشر إلى نضج فلسفي يرى في الخراب جمالا وفي الصمت موسيقى كونية:

"موسيقى الإنسانية الهادئة الحزينة،

غير الحادة ولا المزعجة،

وإن كانت ذات قوة جارفة لتأديب الروح وإخضاعها...".

درس فلسفي متجدد في كيفية إعادة ربط الذات بالمطلق، واستحضار الجمال كضرورة روحية لأنسنة الوجود

في نهاية المسار نعود إلى وصية ووردزورث إلى اخته الصغيرة دوروثي التي كانت رفيقته في رحلته التأملية تلك: أن الطبيعة تظل الملجأ الحصين للروح الإنسانية في كل العصور.

وإذن فليسطع ضوء البدر عليك في نزهاتك وحدك،

 ودعي ريح الجبل تهب عليك كما شاءت بضباب السفح...

وغدا يعود ذهنك قصرا لجميع المناظر الحسنة

وتغدو ذاكرتك بيتا تسكنه كل الأصوات العذبة والأنغام المتوافقة الحلوة". 

Wikimedia Commons
"منبر الشيطان" في فينيك غلين، اسكتلندا.

كل هذا يجعل من السير على ضفاف نهر "واي"، والتأمل فوق صخرة "منبر الشيطان"، والوقوف أمام أطلال "دير تنترن" المهيبة، درسا فلسفيا متجددا في كيفية إعادة ربط الذات بالمطلق، واستحضار الجمال كضرورة روحية لأنسنة الوجود.

font change