«كان لا بد أن نهدم، ونهدم، ونهدم،
{...}
أن نخرب الوجه العاري صاعدا في الرخام،
أن نطرق كل شكل، كل جمال،
أن نحب الكمال لأنه العتبة،
ثم ننكره ما إن نعرفه، وننساه ميتا
فالنقص هو القمة».
هذه المقطوعة الشعرية ستصبح في ما بعد شعار كاتبها الذي عرفته مدينة صناعية على ضفاف اللوار صبيا يمضي شهور الدراسة فيها قبل إرساله خلال الصيف إلى قرية بعيدة في إقليم لوت، جنوب فرنسا، حيث بيت الأجداد الذي تحيط به الحقول والحجارة وضوء الجنوب. بين هاتين الأرضين تكوّن هذا الصبي الذي سيغدو لاحقا واحدا من أبرز شعراء الفرنسية في القرن العشرين وأحد أكثر نقاد الفن والمترجمين عمقا وإبداعا، ومن المسافة بينهما ولد السؤال الذي لازمه ستين عاما: أين تقيم الحياة الحقيقية؟ هل هي هنا في هذا العالم الفاني؟ أم في مكان آخر تعجز القدم عن الوصول إليه؟
هذا السؤال حمله الشاعر الفرنسي إيف بونفوا الذي جمع في تجربته القصيدة واللوحة والترجمة تحت مظلة تساؤل واحد، فقد عاش حياته كلها على هذه الحافة بين الـ«هناك» الموعود والـ«هنا» الفاني، مجذوبا بالكمال البعيد ومعادا بالوفاء للأشياء الماثلة. لطالما أغرته صور الـ«هناك»، صور بلد أنقى وعالم لا يشيخ، غير أنه اختار الـ«هنا» في نهاية المطاف، هذا العالم الناقص الفاني، حبا بما يزول. وفي هذا الاختيار يكمن سر سيرته ومسيرته معا، ومنه تتفرع كل صفحة كتبها.
اختار أن يكون هنا
ولد بونفوا لعائلة متواضعة في مدينة تور عام 1923، لأب كان عاملا في مصانع السكك الحديد ولأم مدرسة، ولم تلبث الضربة الأولى أن جاءت مبكرة وقاسية حين توفى الأب والصغير إيف بالكاد أتم عامه الثالث عشر. هذا الموت المبكر علم بونفوا الصبي درسا رافقه إلى آخر العمر، وهو أن الزمن يجري في اتجاه واحد، ووجه الحبيب قد يبتعد إلى حيث ينقطع اللقاء. من هذا الجرح خرج شاعر الفناء الذي جعل من زوال الأشياء معناها.
تركت صيفيات الطفولة في إقليم لوت أثرا أعمق لدى بونفوا مما تركته المدرسة، ففي بيت الأجداد بين الكروح والحجارة عرف الصبي سكينة ووفرة افتقدهما في رماد المدينة الصناعية، فترسخ في داخله شعور غامض بأن الحياة الحقيقية تقيم في مكان آخر أبهى وأكمل من حاضره اليومي. هذا الحنين المبكر إلى أرض موعودة خلف الأفق، هو البذرة التي نمت فصارت أكبر إغراءات حياته والمعركة التي خاضها شعره كله.




