في ذكرى رحيله... إيف بونفوا وبداية المعنى عند ذبول الورد

شعرية الزوال وقبول الفناء

 ERIC FEFERBERG / AFP
ERIC FEFERBERG / AFP
الشاعر الفرنسي إيف بونفوا

في ذكرى رحيله... إيف بونفوا وبداية المعنى عند ذبول الورد

«كان لا بد أن نهدم، ونهدم، ونهدم،

{...}

أن نخرب الوجه العاري صاعدا في الرخام،

أن نطرق كل شكل، كل جمال،

أن نحب الكمال لأنه العتبة،

ثم ننكره ما إن نعرفه، وننساه ميتا

فالنقص هو القمة».

هذه المقطوعة الشعرية ستصبح في ما بعد شعار كاتبها الذي عرفته مدينة صناعية على ضفاف اللوار صبيا يمضي شهور الدراسة فيها قبل إرساله خلال الصيف إلى قرية بعيدة في إقليم لوت، جنوب فرنسا، حيث بيت الأجداد الذي تحيط به الحقول والحجارة وضوء الجنوب. بين هاتين الأرضين تكوّن هذا الصبي الذي سيغدو لاحقا واحدا من أبرز شعراء الفرنسية في القرن العشرين وأحد أكثر نقاد الفن والمترجمين عمقا وإبداعا، ومن المسافة بينهما ولد السؤال الذي لازمه ستين عاما: أين تقيم الحياة الحقيقية؟ هل هي هنا في هذا العالم الفاني؟ أم في مكان آخر تعجز القدم عن الوصول إليه؟

هذا السؤال حمله الشاعر الفرنسي إيف بونفوا الذي جمع في تجربته القصيدة واللوحة والترجمة تحت مظلة تساؤل واحد، فقد عاش حياته كلها على هذه الحافة بين الـ«هناك» الموعود والـ«هنا» الفاني، مجذوبا بالكمال البعيد ومعادا بالوفاء للأشياء الماثلة. لطالما أغرته صور الـ«هناك»، صور بلد أنقى وعالم لا يشيخ، غير أنه اختار الـ«هنا» في نهاية المطاف، هذا العالم الناقص الفاني، حبا بما يزول. وفي هذا الاختيار يكمن سر سيرته ومسيرته معا، ومنه تتفرع كل صفحة كتبها.

اختار أن يكون هنا

ولد بونفوا لعائلة متواضعة في مدينة تور عام 1923، لأب كان عاملا في مصانع السكك الحديد ولأم مدرسة، ولم تلبث الضربة الأولى أن جاءت مبكرة وقاسية حين توفى الأب والصغير إيف بالكاد أتم عامه الثالث عشر. هذا الموت المبكر علم بونفوا الصبي درسا رافقه إلى آخر العمر، وهو أن الزمن يجري في اتجاه واحد، ووجه الحبيب قد يبتعد إلى حيث ينقطع اللقاء. من هذا الجرح خرج شاعر الفناء الذي جعل من زوال الأشياء معناها.

تركت صيفيات الطفولة في إقليم لوت أثرا أعمق لدى بونفوا مما تركته المدرسة، ففي بيت الأجداد بين الكروح والحجارة عرف الصبي سكينة ووفرة افتقدهما في رماد المدينة الصناعية، فترسخ في داخله شعور غامض بأن الحياة الحقيقية تقيم في مكان آخر أبهى وأكمل من حاضره اليومي. هذا الحنين المبكر إلى أرض موعودة خلف الأفق، هو البذرة التي نمت فصارت أكبر إغراءات حياته والمعركة التي خاضها شعره كله.

هذا الحنين المبكر إلى أرض موعودة هو البذرة التي نمت فصارت أكبر إغراءات حياته والمعركة التي خاضها شعره

في البداية قاده ذكاؤه نحو الرياضيات التي درسها قبل أن ينعطف نحو الفلسفة، حيث تتلمذ على يد غاستون باشلار الذي فتح له خيال العناصر والشعر الحديث. وغداة الحرب وصل إلى باريس وهو في مقتبل العمر، فانبهر بالحركة السوريالية وبثورتها على العقل والمنطق وتقرب من أندريه بروتون وجماعته. لكنه لم يلبث أن اكتشف أن صورتهم تفر من الواقع عوضا عن تعميقه، فانفصل عنهم نهائيا عام 1947، العام الذي نشر فيه باكورته الشعرية «ضد أفلاطون» (Anti-Platon)، معلنا عداوته للمثال الخالد الذي يلغي الشيء لمصلحة فكرة صافية عنه.

 LUCY BONNEBY / AFP
صورة غير مؤرخة للشاعر والكاتب الفرنسي إيف بونفوا

جاء الانفجار الكبير عام 1953 مع مجموعته «حول حركة دوف وثباتها» (Du mouvement et de l'immobilité de Douve) التي جاءت عملا غريبا كثيفا يخاطب امرأة تموت وتولد بلا انقطاع، تتحول من حبيبة إلى حجر إلى ريح إلى نهر دون الثبات على صورة واحدة، وهو ما عد جوهر المجموعة وتمثل في رفض دوف التجمد في مثال ثابت لتحيا على حركتها وفنائها، كأنها اسم للحضور الذي يقاوم كل قبضة تود السيطرة عليه. هذا العمل أعاد رسم خريطة الشعر الفرنسي المعاصر وأخرجه من تجريد السورياليين وبلاغة المقاومة، مدخلا إياه في لغة عارية تواجه الموت والحجر والضوء، كما وضع كاتبه في مصاف شعراء الصف الأول في فرنسا وهو في الثلاثين من عمره.

عرف بونفوا الشاعر أيضا كناقد متمرس للفن، يكتب عن غويا وموراندي ورامبرانت ويصارع في اللوحة السؤال نفسه الذي يصارعه في القصيدة. وقد وجد في النحات ألبرتو جياكوميتي صنوه الأقرب: رجل يهدم تماثيله ويعيد نحتها بلا انقطاع رافضا الصورة المكتملة، فيجسد بالطين قناعة بونفوا القائلة بأن النقص هو القمة. لعل شغفه بالفنون هو ما جعله ينجذب نحو إيطاليا أكثر من غيرها، فقطع دروبها مطاردا كنائسها الرومانية ولوحات بييرو ديلا فرانشيسكا، ودوّن هذا الهيام في كتابه النثري، «الأرض الخلفية» (L'Arrière-pays) معترفا فيه بأعمق إغراء عرفه، وهو الظن بأن الحياة الحقيقية تقيم وراء الأفق، في بلد آخر أبهى. وبلغ به هذا الهوس إلى حد دفعه لشراء دير مهجور في بروفانس وترميمه بحثا عن «المكان الحقيقي»، فألهمته حجارة الدير لكتابة مجموعته الشهيرة «حجر مكتوب» (Pierre écrite).

 Jean-Pierre PREVEL / AFP
النحات السويسري ألبرتو جياكوميتي (1901–1966)

بين عامي 1967 و1972 أصدر مع نخبة من الشعراء مجلة L'Éphémère (وتترجم حرفيا بـ «العابر»)، وخلال تلك الرحلة عقد صداقة مؤثرة مع الشاعر الروماني بول تسيلان، الناجي من المحرقة اليهودية والذي ألقى بنفسه في نهر السين عام 1970، فجمع الرجلين جرح ما بعد الحرب وإيمان بأن الكلمة قد تنقذ ما تبقى من العالم. والجدير بالذكر أن بونفوا وهب شطرا كبيرا من حياته لترجمة شكسبير، عاكفا لعقود على «هاملت» و«الملك لير»، فهو الذي رأى في الترجمة حوارا مع شاعر آخر يتجاوز نقل المعنى إلى مشاركة الحضور.

هذه الفكرة الكاملة الصافية التي تعد بعالم لا يشيخ، تسرق منا العالم الحقيقي الفاني بكل ما فيه من نقص

تزوج بونفوا عام 1968 من الرسامة الأميركية لوسي ڤاينز ورزق منها ابنته ماتيلد التي باتت مونتيرة أفلام شهيرة نالت جائزة "أوسكار" عن فيلمها Citizenfour، فبدت مفارقة لطيفة أن يرزق الشاعر الحذر من الصورة الثابتة بنتا تتقن تركيب الصور المتحركة. بعدها تتالت مظاهر التكريس لقيمة بونفوا، فتولى كرسي الشعر في «الكوليج دو فرانس» عام 1981، وترجم شعره إلى أكثر من ثلاثين لغة وتردد اسمه عقودا بين أبرز مرشحي نوبل، قبل أن يعود في نهاية المطاف إلى بيت الطفولة، ذاك المكان الفاني الذي تعلم أخيرا أن يحبه ناقصا، وهذه العودة بدلت معنى الرحلة كلها حين وجد الكمال المراد منتظرا إياه حيث ولد، في الهش المألوف الذي عبره مرات ومرات دون أن يراه. وقد أفرد في مجموعته الأشهر «الألواح المنحنية» (Les Planches courbes) قسما كاملا بعنوان «مهد الذكريات الأولى» (La Maison Natale) وفيه استعاد طفولته وعتبة البيت الأول، وافتتحه بمطلع صار من أشهر ما كتب:

«استيقظت، فإذا بي في مهد الذكريات الأولى
والزبد ينقض على الصخرة
وما من طائر
والريح وحدها تفتح الموجة وتغلقها
ورائحة الأفق من كل صوب رماد
كأن التلال تخفي نارا
تلتهم في مكان آخر عالما بأسره».

غلاف "الألواح المنحنية"

ضد أفلاطون

ما الذي يدفع رجلا إلى قضاء حياته «ضد أفلاطون»؟ رأى بونفوا في المثال عدو الشعر الأول، فهذه الفكرة الكاملة الصافية التي تعد بعالم لا يشيخ، تسرق منا العالم الحقيقي الفاني بكل ما فيه من نقص. هذا المثال هو وجه «الأرض الخلفية» نفسه في عالم الفكر، إغراء بكمال مقيم في مكان آخر يصرفنا عن «المكان الحقيقي» الماثل تحت أقدامنا. في اللغة نفسها تبدأ الخيانة، ننطق كلمة «حجر» فيغيب هذا الحجر الماثل بين أيدينا ويحل محله مفهوم بارد عن الحجارة جميعها. بالتالي، فإن مهمة القصيدة عند بونفوا هي رد الكلمة إلى الشيء لتنتشل الحضور من برودة المفهوم.

ثمة كلمة واحدة تتصدر كامل معجمه وهي «الحضور»، أي الوجود الآني للأشياء بهشاشتها قبل أن تبتلعها الفكرة أو تجمدها الصورة. هذا الحضور يقف على طرف نقيض من الصورة الكاملة التي تعد بحفظ الحي فتحوله تمثالا باردا وتخرجه من الزمن الذي وحده يمنحه حياته، في حين توخى بونفوا علاقة أخرى بالعالم تنصف هذا الحضور الهارب، علاقة تتلقى الشيء دون الهيمنة عليه، تسميه دون سجنه داخل اسمه، ما يبقي المرء في صلة حية بما حوله بدل امتلاكه ميتا.

لهذا الحضور ثمن باهظ، لأن الشيء يهبنا حقيقته يوم نقبله فانيا ونرضى رؤية زواله فندعه حيا على هشاشته، وهذه الصورة تطمئننا وتخونه في آن واحد: تطمئننا حين تعدنا ببقاء ما نحب، وتخونه حين تعد بالخلود كائنا حقيقته الزوال. هنا يبتعد بونفوا عن الطمأنينة التي يمنحها الجمال عادة فيجعل أصفى لحظات الحضور أشدها هشاشة، ويرى في قبول الموت بابا إلى أشياء حية دافئة. إنها مفارقة قاسية صاغها الشاعر في «حول حركة دوف وثباتها» على شكل معادلة تختصر شعريته في سطرين:

«عليك أن تعبري الموت كيما تحيي،
فأنقى الحضور دم مسفوح»

يطلب رافض هذا الثمن من العالم كمالا يتعالى على الفناء، فيعبر بين الأشجار والوجوه والحجارة بيد مغلقة، ويبقى غريبا عن حياة رفض شرطها الوحيد، وهذا الرفض خسارة كاملة صوّرها بونفوا في «حجر مكتوب» على صورة رجل أنفق عمره في مطاردة المثال فبلغ الخواء وانتهى وحيدا إلى عناق أخير مع موته:

«اشتهى دون أن يعرف
وهلك دون أن يملك
فما كان مأواه غير الأشجار والدخان،
وكل خطوط الريح والخيبة،
وإلى ما لا نهاية
لم يعانق سوى موته»

الحب الحقيقي عند بونفوا هو رؤية الآخر في فنائه لا في صورته، والاعتراف بأنه حقيقي خارج رغباتنا

عاش هذا الرجل غريبا عن الأشياء حين طلب منها كمالا يتجاوز طبيعتها، فبقيت يداه فارغتين إلى أن احتضن موته وحده. في مصيره تتلخص شعرية بونفوا في معادلة صريحة مفادها أن الكمال المنشود موت والنقص وحده حياة. يبقى موقفه من الصورة أكثر رحابة من عداء مطلق لها، فالقصيدة لديه تعبر الصورة إلى ما خلفها، تتخذها عتبة تفضي إلى حضور الشيء الحي ثم تتجاوزها، وتشير إلى ما هو أوسع منها وتعترف بعجزها عن احتوائه. في هذا التمييز الدقيق يكمن سر شعر يستعمل الصور ليصل بها إلى ما يتجاوز كل صورة.

 Eric Feferberg / AFP
الشاعر الفرنسي إيف بونفوا في الكوليج دو فرانس بباريس، قبيل إعلان جائزة نوبل للآداب لعام 2001

حكمة الفاني

في قرارة كل نفس حدس صامت: يوم رحيلها الأخير ثقيل بما يفوق أيامها مجتمعة، في حين يدين الثلج ببهائه لذوبانه، ومن هذا الحدس نهضت تجربة بونفوا الذي رأى منبع المعنى فيما يرثيه الناس نهاية، بالتالي يغدو الفناء أصل الحضور. هذا التحول يحكمه قانون واحد: الزوال شرط الرقة، وهو ما يختزله الشاعر في مقطع من مجموعته «بداية الثلج ونهايته» (Début et fin de la neige):

«هذا آخر الثلج في الموسم،
ثلج الربيع،
أمهر يد ترفو شقوق الخشب الميت
وترأب صدعه،
قبيل أن تحمله يد ثم تلقيه في النار»

إنه حنو يبذل لما هو زائل لا محالة، وفي هذا الزوال التمس بونفوا قداسة أرضية بلا سماء، فانعقدت تجربته الشعرية قداسا خافتا للأشياء الزائلة يغدو فيه الخبز والحجر والثلج مقدسات صغرى تنال قداستها من مرورها لا من بقائها. هذا الموقف يبتعد عن دعوة اللذة العابرة، وعن زهد من يحتقر العالم عابرا إياه نحو الآخرة، لأن بونفوا يرد البصر إلى الشيء الفاني نفسه ويطيل النظر فيه، مقدسا إياه بفضل زواله بالذات.

ما يصدق على الثلج يصدق على البشر بوجع أعمق لأن الإنسان يقع في حب صورة يرسمها للآخر ثم يطل من خلفها كائن من لحم ناقص فان. إن الحب الحقيقي عند بونفوا هو رؤية الآخر في فنائه لا في صورته، والاعتراف بأنه حقيقي خارج رغباتنا، ولا غرابة أن يمضي عمره يترجم «الملك لير»، تلك المأساة التي يهلك فيها الملك يوم طلب من بناته إعلان حب مثالي بدل حبهن الصامت الحقيقي: درس بليغ في أننا نضيع الآخرين لتهربنا من الاعتراف بحضورهم أكثر من عجزنا عن معرفتهم. هذا الالتباس بين الحب والموت جسده صاحب «حول حركة دوف وثباتها»، ففيه نسمع الموت يخاطب المحبوبة قائلا:

«الموت بلد كنت تحبينه
وها أنا آت
لكن عبر دروبك المعتمة أبدا
أحطم رغبتك وصورتك وذاكرتك
فأنا عدوك العديم الشفقة»

ويعاود نكء الجرح نفسه في «ما كان بلا ضوء» (Ce qui fut sans lumière) ناقلا الخطاب من المرأة إلى الأرض وموسعا المأساة من حب فردي إلى علاقة بالعالم بأسره، إذ يقف موقف من أمضى عمره مشتهيا وعاجزا عن العطاء، فيعتذر للأرض اعتذار عاشق غمرته الرغبة. هنا تتحول القصيدة إلى محاسبة للشعر ذاته، إذ يسأل صاحبها عما لو أحب ما رآه حقا أم اكتفى باشتهائه من بعيد:

«أيتها الأرض
كم اشتهاك في هذا القرن ما نسميه الشعر
دون أن يأخذ منك يوما
نعمة لمسة الحب!»

يسهل الاشتهاء ويصعب الأخذ الحقيقي، تلك اللمسة التي تعترف بالآخر وتقبله كائنا حيا بدل أن تطلب منه صورة مرضية للرغبة. في هذا الحد يبلغ بونفوا تخوم الأخلاق عند تحول شعرية الحضور إلى دعوة إلى حب يرى الفاني في فنائه ويهبه اهتمامه كله. في ذلك دعوة من الشاعر إلى حب الزائل لزواله ومنح حضورنا الكامل لمن يقف أمامنا الآن، وفي هذا التحول من الجمال إلى الحب يكمن أعمق ما تركه لنا: النظرة الصحيحة إلى العالم بداية العطف عليه.

REUTERS/Shannon Stapleton
وردة في حديقة قبالة مقر الأمم المتحدة في نيويورك، 2023

وصية الوردة

رحل بونفوا في باريس في الأول من يوليو/ تموز عام 2016 بعدما ودع قراءه قبل أشهر بمجموعة أخيرة بعنوان «معا مرة أخرى» (Ensemble encore)، ونعاه رئيس الجمهورية الفرنسية شاعرا رفع لغة بلاده إلى أرقى درجات الدقة والجمال بتجربة نالت الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية وجائزة "غونكور" للشعر، وعبرت إلى العربية على يد شعراء عدة. هذه التجربة التي تركها وراءه تكتسب اليوم حدة غير مسبوقة في زمن صار فيه الانتباه الهادئ إلى ما هو ماثل أمامنا أندر ما نملك، وصار بقاء العالم نفسه على المحك.

يعلمنا شعر بونفوا أن إنقاذ ما نحب من النظر إليه نظرة تقبله فانيا، وهنا يكتمل المعنى الذي يهمسه عنوانه مع إمضائنا العمر في مقاومة ذبول الوردة

يعلمنا شعر بونفوا أن إنقاذ ما نحب من النظر إليه نظرة تقبله فانيا، وهنا يكتمل المعنى الذي يهمسه عنوانه مع إمضائنا العمر في مقاومة ذبول الوردة مفوتين فكرة أن معناها يبدأ ساعة تنحني أوراقها وتدنو من ترابها، وعند هذه الحافة يلتقي الذبول والمعنى. يتجاوز هذا الدرس صفحات الشعر إلى صميم أيامنا، إذ نعيش زمنا يعدنا بصور تأبى الذبول وعوالم افتراضية تنفي العطب، فيزداد سؤال بونفوا إلحاحا: أين تقيم الحياة الحقيقية؟ ربما تنتظرنا حيث انتظرته، في الهش القريب الذي نعبره دون أن نراه، في الوجه الذي يشيخ إلى جانبنا وفي الأرض التي يتهددها فناؤها. تلك آفاق يفتحها شعره ويتركها لنا معلقة، كأن الوردة الذابلة ما زالت تبدأ كلامها الآن.

font change

مقالات ذات صلة