مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إصدارات الكتب العربية، في الأدب والفلسفة والعلوم والتاريخ والسياسة والترجمة وغيرها. ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل كل أسبوعين مرآة أمينة لحركة النشر في العالم العربي.

الكتاب: دراسات في تاريخ الإدارة العثمانية للأطراف في بلاد الشام (العشائر والأغوات والأقليات)

الكاتب: ستيفان وينتر

ترجمة: عصام محمد الشحادات

مراجعة وتقديم: عمار السمر

الناشر: دار ميسلون للثقافة والترجمة والنشر – تركيا - فرنسا

يقدم المؤرخ الكندي ستيفان وينتر، في كتابه "دراسات في تاريخ الإدارة العثمانية للأطراف في بلاد الشام (العشائر والأغوات والأقليات)"، قراءة موسعة لعلاقة الدولة العثمانية بالمجتمعات المحلية في سوريا ولبنان والمناطق المتاخمة، من خلال التركيز على مناطق وأطراف بقيت، إلى حد كبير، خارج مركز الاهتمام في الكتابات التاريخية التقليدية. صدر الكتاب بالعربية بترجمة عصام محمد الشحادات، ومراجعة وتقديم عمار السمر.

الكتاب يجمع سبعة عشر بحثا نشرها وينتر على مدى نحو ربع قرن في دوريات علمية محكمة وكتب جماعية، إلى جانب أبحاث عرض بعضها في مؤتمرات. يجمع البحوث خيطا ناظما يتمثل في محاولة فهم الإدارة العثمانية من خارج مركز الإمبراطورية، أي من خلال الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الأرياف والمناطق الحدودية والقبائل والطوائف والنخب المحلية.

وتكمن أهمية هذا المنظور في أنه يتعامل مع الدولة العثمانية، ليس بوصفها جهازا مركزيا يفرض سلطته مباشرة على الأطراف، بل بوصفها شبكة معقدة من التعاون والمساومة والصراع بين الإدارة المركزية والوجهاء المحليين والعشائر والزعامات الدينية والاقتصادية. ففي دراساته عن القبائل، مثلا، يبحث وينتر في سياسات توطين العشائر وإدارة التنقل والجباية ودمج الجماعات القبلية في النظام الإداري، ويوضح أن القبائل لم تكن مجرد قوة خارجة عن الدولة، وإنما كانت في أحيان كثيرة جزءا من آليات الحكم نفسها. وتظهر دراسته عن اتحاد الرشوان الكردي في سوريا كيف أمكن لجماعة قبلية كبيرة أن تندمج بدرجات مختلفة في النظام العثماني، وأن يصل بعض أفرادها إلى مناصب مهمة في المنطقة.

يضيء الكتاب على تاريخ اجتماعي وسياسي غالبا ما غاب عن السرديات العامة، ويقدم صورة أكثر تركيبا عن كيفية اشتغال السلطة العثمانية في المناطق الريفية والحدودية

أما دراسات الأغوات والوجهاء المحليين، فتقدم نموذجا آخر لهذه العلاقة. ففي بحثه عن أسرة حمود في صيدا، يتتبع وينتر صعودها من خلال التجارة والجباية والعلاقات مع الإدارة العثمانية، ليبين كيف تحول نفوذ الأسرة إلى جزء من البنية السياسية والاقتصادية المحلية، قبل أن يتراجع نفوذها في ظل التحولات التي شهدها القرن الثامن عشر.

دراسات في تاريخ الإدارة العثمانية للأطراف في بلاد الشام (العشائر والأغوات والأقليات)

يولي الكتاب كذلك اهتماما خاصا بالأقليات والطوائف، بعيدا عن التفسيرات المبسطة التي تختزل تاريخها في الاضطهاد أو العزلة. ففي دراسته عن العلويين في العصر العثماني، يستند وينتر إلى وثائق إدارية ومحاكم شرعية عثمانية ليجادل بأن العلاقة مع الدولة كانت أكثر تعقيدا، وأن العلويين تمتعوا بدرجات من الاعتراف الإداري، واستخدموا المؤسسات القضائية، كما شهد مجتمعهم تفاوتا اجتماعيا وظهور نخب محلية ارتبط بعضها بالدولة.

يكتسب الكتاب قيمته بوصفه محاولة لبناء تاريخ بلاد الشام العثمانية من الأطراف إلى المركز، ويستخدم وثائق من الأرشيف العثماني وسجلات المحاكم والضرائب والمراسلات الإدارية. وهو بذلك يضيء على تاريخ اجتماعي وسياسي غالبا ما غاب عن السرديات العامة، ويقدم صورة أكثر تركيبا عن كيفية اشتغال السلطة العثمانية في المناطق الريفية والحدودية، وعن الدور الذي أدته العشائر والأغوات والأقليات في تشكيل ذلك التاريخ.

الكتاب: إيجي ناغاساوا وتاريخ مصر الحديث - دراسة تحليلية في الرؤية اليابانية لتاريخ العرب

الكاتب: د. ياسر علاء أسود

مراجعة وتقديم: أ. د. محمود عبد الواحد محمود القيسي

الناشر: دار الرافدين – لبنان - العراق

عندما يقرأ مؤرخ ياباني تاريخ مصر الحديثة، ربما سيرد خاطرنا سؤال ملح حول علاقة ذلك بالمركزية الأوروبية وبالصورة التقليدية التي صنعتها الكتابات الاستشراقية ورسختها حول الشرق برمته. إلا أن ذلك السؤال يتبدد حين نصل إلى أن تلك القراءة لتاريخ مصر خاصة والعرب عامة والمسلمين على نحو أشمل بعيدة عن الاستشراق والمركزية الأوروبية على نحو كبير. هذا ما سوف يجده القارئ في كتاب "إيجي ناغاساوا وتاريخ مصر الحديث - دراسة تحليلية في الرؤية اليابانية لتاريخ العرب" للكاتب العراقي د. ياسر علاء أسود، بمراجعة وتقديم: أ. د. محمود عبد الواحد محمود القيسي.

يتوقف الكتاب عند شخصية ناغاساوا بوصفه باحثا يابانيا اهتم بمصر والعالم العربي، ويحاول كذلك الاقتراب من الطريقة التي تشكلت بها رؤيته للتاريخ والمجتمع المصري، ومن المسار الذي قاده من بيئة الدراسات التنموية والاقتصادية في اليابان إلى التخصص في الشرق الأوسط وتاريخ العرب الحديث. وقد جاءت الدراسة امتدادا لبحث أكاديمي أعده المؤلف في جامعة بغداد، بغرض التعريف بطبيعة الرؤية اليابانية لتاريخ مصر الحديث وتفاعل الباحثين اليابانيين مع القضايا العربية بعد الحرب العالمية الثانية.

ثمة نافذة مختلفة يفتحها الكتاب على مصر، من حيث إن المؤلف، بعد أن تتبع ما كتبه ناغاساوا عن التاريخ المصري، توقف عند البيئة الفكرية اليابانية التي أنتجت هذا النوع من الدراسات. فقد انخرط ناغاساوا في "معهد الاقتصادات النامية" منذ تخرجه عام 1976، قبل أن ينتقل إلى دراسة الشرق الأوسط، مستفيدا من تقاليد الدراسات المناطقية التي تجمع بين التاريخ والاقتصاد والاجتماع والسياسة. تكشف المقابلات التي أجراها ياسر علاء أسود مع ناغاساوا عن جوانب شخصية وفكرية من مسيرته، وعن الظروف التي أسهمت في انتقاله من الاهتمام بالصين إلى دراسة العالم العربي.

كتاب عن مسافة بين ثقافتين يمكن أن تتحول إلى مطرح لفهم أكثر اتساعا وعمقا للتاريخ العربي الحديث

يظهر ناغاساوا في الكتاب باعتباره واحدا من رموز "الجيل الثالث من المستعربين اليابانيين"؛ وهو جيل حاول، وفق تقديم الكتاب، أن يطور مقاربة أقل خضوعا للمركزية الأوروبية، وأكثر اهتماما بالتجارب العربية من داخل سياقاتها التاريخية والاجتماعية. وصف يوزو أيتاغاكي ناغاساوا، وهو أستاذه، بأنه قاد "الموجة الثالثة" في تطوير الدراسات الشرق أوسطية في اليابان، بينما تميزت أعماله بتحليل التجارب العربية ونقدها بعيدا عن الأحكام المسبقة.

الكتاب: إيجي ناغاساوا وتاريخ مصر الحديث - دراسة تحليلية في الرؤية اليابانية لتاريخ العرب

هو كتاب عن سيرة عالم ياباني، إلا أنه أيضا يطرح السؤال: كيف يقرأ الآخر تاريخنا، وكيف يمكن لعين يابانية أن ترى في مصر الحديثة قضايا ربما تبدو مختلفة عن تلك التي اعتادت عليها الكتابة العربية أو الغربية. إنه كتاب عن ناغاساوا، لكنه في الوقت نفسه كتاب عن مصر، وعن اليابان، وعن مسافة بين ثقافتين يمكن أن تتحول إلى مطرح لفهم أكثر اتساعا وعمقا للتاريخ العربي الحديث.

الكتاب: إيلي

الكاتبة: ميرنا دبس

الناشر: دار سامح للنشر والتوزيع - السويد

في رواية "إيلي"، تضع الكاتبة اللبنانية ميرنا دبس شخصياتها أمام سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه يزداد تعقيدا كلما تقدمت الحكاية يتمركز حول ماذا يبقى من الإنسان حين يُقتلع من المكان الذي اعتاد أن يسميه وطنا. ومن خلال مسارات متقاطعة بين أنطاكيا وحلب وطرابلس وأثينا وبرلين، تبني دبس رواية عن الهجرة والاقتلاع والهوية، لكنها في الوقت ذاته رواية عن البحث عن معنى للحياة وسط عالم تتنازعه السياسة والدين والأيديولوجيا.

"دوريا" طفلة تنتمي إلى عائلة مسيحية، لأب من أصل يوناني وأم من عائلة حلبية، تجد نفسها وعائلتها أمام تجربة التهجير من أنطاكيا إلى إسكندرون، ثم إلى حلب، في سياق الأحداث العنيفة التي شهدتها تركيا في خمسينيات القرن الماضي، ولا سيما أحداث "بوغروم إسطنبول"، هنا يتحول المكان من كونه مجرد خلفية للأحداث، إلى أن يصير ذاكرة مجروحة ومدماة، وجزءا من هوية لا تنفك تُقتلع ويُعاد تشكيلها في كل مرة.

أما "إيلي" الشخصية التي تحمل الرواية اسمها، فهو شاب ينحدر من عائلة فقيرة في طرابلس، ذات ميول شيوعية، قبل أن تأخذه حياته في اتجاهات فكرية وروحية متناقضة. ينتقل من عالم السياسة والأفكار إلى دراسة اللاهوت في أثينا، ثم يصبح كاهنا في برلين. وبين هذه التحولات، ترسم دبس شخصية لا تستقر على تعريف واحد لنفسها، وكأن الرحلة الجغرافية التي تقطعها لا تنفصل عن رحلة داخلية طويلة بحثا عن اليقين والانتماء.

رحلة داخل الإنسان حين يفقد يقينه بالمكان، ثم يحاول أن يعثر على وطن بديل، في الأفكار أو الإيمان أو حتى في الذاكرة

لكن "إيلي" لا يحصر نفسه في السياسة أو التاريخ. فالدين، والمسيحية، والروحانية، والشيوعية، والحب، والاغتراب، كلها تتشابك في نسيج واحد، لتصبح الرواية نوعا ما أقرب إلى رحلة داخل الإنسان حين يفقد يقينه بالمكان، ثم يحاول أن يعثر على وطن بديل، في الأفكار أو الإيمان أو حتى في الذاكرة. ومن هنا تأتي أهمية تعدد الأصوات والتجارب في الرواية، حيث التنقل في المكان ليس تنقلا في الجغرافيا، بل تشكيل ذاكرة وهوية ومعنى.

إيلي

من هنا فقد تكون فكرة المكان واحدة من أكثر الأفكار حضورا في الرواية. فأنطاكيا وحلب وطرابلس وأثينا وبرلين تشكل محطات في تشكل الذاكرة والهوية، أكثر من كونها مجرد أمكنة أو مدن تتنقل بينها الشخصيات.

الكتاب: الفن وسؤال الهامش

إشراف وتنسيق: أشرف الحساني

الناشر: مركز النون والفنون السوسيو ثقافي - المغرب

يتعامل كتاب "الفن وسؤال الهامش" مع الهامش باعتباره سؤالا معرفيا وجماليا يعيد النظر في الطريقة التي نقرأ بها التاريخ والفن والمجتمع. وهذه النقطة تبدو أساسية في هذا الكتاب الذي أشرف عليه ونسقه الناقد المغربي أشرف الحساني، وشارك فيه عدد من الأسماء المغربية والعربية، هم: عبد الكريم برشيد وأشرف الحساني وحميد ركاطه وعبد اللطيف نجيب وخزعل الماجدي وأحمد ضياء وعز الدين أبو عنان وعز العرب العلوي ومحمد اشويكه ومحمد بنعزيز ونور الدين محقق وعلي سفر وسليمان الحقبوي وحفصة الخال.

ينطلق الحساني من ملاحظة مهمة وإشكالية في الثقافة الراهنة تتركز حول لماذا حظي "المركز" بكل هذا الاهتمام، بينما ظل الهامش في كثير من الدراسات مجرد بنية اجتماعية أو مجالا ثانويا. في نصه المعنون "التفكير في الهامش"، يذهب الحساني إلى أن الكتابات التي جعلت المركز نقطة انطلاقها انتهت، في حالات كثيرة، إلى إنتاج سرديات السلطة والمؤسسات وإعادة إنتاجها باستمرار، فيما بقيت ظواهر كثيرة تقع خارج هذه السرديات بعيدة عن النظر، ومهملة.

إنه دعوة إلى "إنصاف" الهامش، لكنه كذلك ينقل المسألة من المجال الاجتماعي إلى مجال الفن والتخييل. فالفنان، وفق هذا المنظور، يستطيع أن يرى ما تعجز الوثيقة الرسمية عن رؤيته، أو ما لا تريد رؤيته، وأن يحول المسكوت عنه والمنسي والمستبعد والمهمل إلى مادة للتفكير والإبداع. ولهذا يستدعي الكتاب، في خلفيته النظرية، تجارب فكرية اشتغلت على ما يقع خارج السرديات المهيمنة، من ميشيل فوكو في حفرياته حول الجنون والمؤسسة الجنسانية والسجن، إلى دافيد لوبروتون واشتغاله على الجسد والصمت والألم والحواس.

الكتاب يأتي ضمن سياق النقاش المسرحي المغربي حول "سؤال الهامش"، الذي يأخذ حيزا كبيرا في الفضاء الثقافي العام

ومن أكثر الأفكار دلالة في الكتاب أن الهامش ليس بالضرورة أن يكون نقيض المركز أو عكسه؛ فقد يكون أحيانا المكان الذي يمكن انطلاقا منه اكتشاف عيوب المركز نفسه. وهذا ما يجعل السؤال الفني مختلفا عن السؤال التاريخي التقليدي، فإذا كان التاريخ الرسمي يميل إلى الاحتفاء بالسلاطين والدول والمؤسسات والعلاقات السياسية، فإن الفن يستعيد ما لا يظهر في هذه الوثائق ويحتفي به، ويمنح الصوت للجسد، والمكان، والذاكرة، والفرد، والتجربة المنسية والمهملة والمتروكة.

الفن وسؤال الهامش

تقارب الفكرة أيضا المسرح والسينما والأدب والفنون المختلفة. من هنا فإن مشروع الكتاب يأتي ضمن سياق النقاش المسرحي المغربي حول "سؤال الهامش"، الذي يأخذ حيزا كبيرا في الفضاء الثقافي العام.

هكذا ينظر الكتاب إلى المركز نفسه من الموقع الذي ظل يعتبره هامشا ولا يوليه اهتمامه، وهذه ربما هي مقولة الكتاب، فالفن لا يمثل ما هو موجود فحسب، إنما يغير زاوية النظر إليه.

الكتاب: هل جسد المرأة مصيرها؟

الكاتبة: إيفيلين ريد

المترجمة: فدوى حرامي

الناشر: منشورات راميتا - بريطانيا

الأمومة، والجسد، والفروق البيولوجية بين النساء والرجال تحولت عبر التاريخ من حقائق جسدية إلى ذرائع اجتماعية لتبرير التحكم والتبعية. من هذه الفكرة تنطلق الكاتبة والناشطة النسوية الأميركية إيفيلين ريد في كتابها "هل جسد المرأة مصيرها؟" الصادر بالعربية بترجمة فدوى حرامي.

الفكرة المركزية في الكتاب حادة وبسيطة في آن معا، تتمثل في النظر إلى أن البيولوجيا ليست قدرا اجتماعيا. فالاختلاف البيولوجي بين جسد المرأة والرجل حقيقة، لكن تحويل هذا الاختلاف إلى تفسير للسلطة والخضوع ليس حقيقة علمية. تهاجم ريد ما تسميه، على سبيل السخرية، "نظرية الرحم"؛ أي الاعتقاد بأن الوظائف الإنجابية للمرأة تجعلها بطبيعتها أقل قدرة على العمل والإنتاج والاستقلال والمشاركة في الحياة العامة. وترى أن هذا النوع من التفكير يخلط بين ما هو بيولوجي وما هو تاريخي واجتماعي.

من هنا تنتقل ريد إلى التاريخ القديم والأنثروبولوجيا. فبدل الصورة الشائعة التي تقدم المرأة منذ البدايات بوصفها كائنا تابعا للرجل، فإنها تستعيد أدوار النساء في المجتمعات الأولى باعتبارهن مشاركات في إنتاج الغذاء، وصناعة الأدوات، والزراعة، وتدبير شؤون الجماعة. وفي قراءتها هذه لم تكن الأمومة ولا مرة عائقا يحكم على المرأة بالعجز، بل هي جزء من منظومة اجتماعية واقتصادية أوسع. ومع نشوء الملكية الخاصة والانقسامات الطبقية والأسرة الأبوية، تغير موقع المرأة، وتحولت وظائفها الجسدية إلى مبرر لإبعادها عن مجالات واسعة من الإنتاج والحياة الاجتماعية.

أفكار الكتاب صالحة وسارية المفعول في راهن لا يزال يتجادل حول الجسد والإنجاب والعمل والحرية

عاشت إيفيلين ريد بين 1905 و1979، وهي واحدة من الأصوات البارزة في التيار النسوي الماركسي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ولم تكتب عن المرأة بوصفها قضية منفصلة عن المجتمع، بل تحاول أن تعيد السؤال إلى جذوره وتبحث كيف نشأ أصلا الاعتقاد بأن المرأة "أضعف" أو "أدنى" أو محكومة إلى الأبد بوظائف جسدها، وقد كرست جانبا كبيرا من أعمالها لمواجهة ما اعتبرته استخداما إيديولوجيا للبيولوجيا والتاريخ والأنثروبولوجيا لتثبيت دونية النساء.

هل جسد المرأة مصيرها؟

السؤال الذي تطرحه ريد حول الجسد والثقافة لم يفقد حساسيته وأهميته، بل يزداد أهمية وضرورة في عالم يعيش نكوصا نحو قيم الذكورة والهيمنة، حيث يجري استخدام الاختلافات البيولوجية لتفسير الفروق في المكانة والفرص والسلطة. صحيح أن بعض أطروحات ريد التاريخية والأنثروبولوجية تنتمي إلى زمنها، وقد أثارت وتثير نقاشا بين الباحثين، لكن الكتاب يظل لافتا في إصراره على تفكيك فكرة تبدو بديهية وهي أن "طبيعة" المرأة تفرض مكانتها.

من هنا فإن كتاب "هل جسد المرأة مصيرها؟" ليس دفاعا عن فكرة المساواة فحسب، بل إنه يذهب حول تحويل الاختلاف البيولوجي إلى نظام اجتماعي. ما يجعل من أفكار الكتاب صالحة وسارية المفعول في راهن لا يزال يتجادل حول الجسد والإنجاب والعمل والحرية، وحول الحدود الفاصلة بين ما نولد عليه وما تصنعه السلطة لنا.

font change