من إيران إلى روسيا... القواعد الأميركية في بريطانيا تحت التهديد

القاعدة التي فتحتها لندن للأميركيين تعود إلى الواجهة أمنيا

رويترز
رويترز
قاذفة "بي-1بي لانسر" في قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني بعد إعلان الشرطة عن "حادث كبير" في القاعدة إثر توقيف عدة رجال للاشتباه في ارتكابهم مخالفات بموجب قانون المتفجرات،فيرفورد، بريطانيا، في 28 سبتمبر 2026

من إيران إلى روسيا... القواعد الأميركية في بريطانيا تحت التهديد

تسلط العملية الواسعة لمكافحة الإرهاب حول قاعدة فيرفورد البريطانية، التي تنطلق منها طائرات أميركية لمهاجمة إيران، الضوء على خطر امتداد الصراعات إلى دول أخرى وتصاعد حدتها.

وأثار قرار لندن السماح للقاذفات الأميركية باستخدام قواعدها في الهجمات على إيران جدلا منذ اندلاع الصراع في فبراير/شباط 2022. واليوم، أصبحت قاعدة فيرفورد التابعة لسلاح الجو الملكي في غلوسترشير محور العملية الأمنية البريطانية.

رفض السير كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، في البداية طلب واشنطن استخدام القواعد البريطانية لمهاجمة إيران. فقد أراد تجنيب بلاده المشاركة في صراع عدّه "حربا اختيارية" بدأها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ولا يرى أن دخول بريطانيا فيها يخدم مصالحها الوطنية.

وتسبب موقف ستارمر في خلاف حاد مع البيت الأبيض، بعدما اضطرت الطائرات الحربية الأميركية إلى قطع مسافات أطول لتنفيذ مهامها.

وفي النهاية، اضطر ستارمر لتخفيف معارضته تحت ضغط واشنطن، وسمح للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية في عمليات "دفاعية". ومنذ ذلك الحين، تنطلق قاذفات "بي-1" بعيدة المدى بانتظام من قاعدة فيرفورد لشن غارات على إيران. ويمكن لكل منها حمل 24 قنبلة تزن الواحدة ألفي رطل.

وأثار سماح لندن للولايات المتحدة باستخدام قواعدها غضب طهران، فهدد "الحرس الثوري" الإيراني بمهاجمة قاعدة فيرفورد مباشرة. وقال في بيان إن "أي قاعدة تستخدم لشن عدوان على الأراضي الإيرانية تعد هدفا مشروعا لنا". واتهم بريطانيا بالتسبب في "مصائب شعوب منطقتنا" من خلال "تفكيك الدول الإسلامية... وفرض حكومات استبدادية"، ثم أضاف أن "الأسوأ من ذلك كله" أنها تسببت في "كارثة إسرائيل".

وبعد تهديد طهران بمهاجمة المملكة المتحدة ردا على دعمها العمليات العسكرية الأميركية، تركزت التحقيقات في مخطط التفجير المشتبه به قرب قاعدة فيرفورد على احتمال ضلوع إيران. واعتقلت السلطات خمسة رجال بعد العثور على ثلاث شاحنات صغيرة أثارت الشبهات على بعد 400 متر من القاعدة.

رويترز
شرطي يقف حارسا على طريق خارج محيط قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، بعد إعلان الشرطة عن "حادث كبير" في القاعدة، في فيرفورد، غلوسترشاير، بريطانيا، في 28 سبتمبر 2026

وبحسب مصادر في الشرطة، تتجه الشبهات في المقام الأول إلى إيران. وتقول المصادر إنه إذا ثبتت صلة طهران بالمخطط، فمن المستبعد أن تكون قد استعانت بمجرمين كما فعلت في حوادث سابقة، الأمر الذي يرجح ضلوعها فيه بصورة أكثر مباشرة.

وسيتحرى المحققون أيضا احتمال ضلوع روسيا، في ضوء تهديدات الرئيس فلاديمير بوتين بمهاجمة بريطانيا بسبب استمرار دعمها لأوكرانيا، فضلا عن احتمال ضلوع جماعات إرهابية إسلامية.

ووُضعت قاعدة فيرفورد في أعلى درجات التأهب بعد الكشف عن مخطط التفجير المشتبه به، فيما رُفع مستوى التهديد في قاعدة ليكنهيث التابعة لسلاح الجو الملكي في سوفولك، التي تستضيف قوات أميركية، إلى "تشارلي"، وهو ثاني أعلى مستوى. ومساء الأحد، دعت السفارة الأميركية رعاياها في المملكة المتحدة إلى "توخي الحذر".

وأثار الحادث تساؤلات بشأن أمن هذه القواعد، بعدما أفادت تقارير بأن السلطات لم تنتبه إلى المخطط إلا حين أبلغتها مزارعة من المنطقة عن رجال اشتبهت في أمرهم أثناء عودتها من حفلة يوم الأحد.

وقالت المزارعة في مقابلات صحافية: "رأيت مجموعة من الشبان يركضون عبر الأشجار. كان بعضهم يرتدي أقنعة أو أغطية للوجه، وتفرقوا حين اقتربنا منهم بسيارتنا في طريق العودة".

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الاستخبارات الأميركية كانت على علم بمخطط التفجير المشتبه به، وعملت عن كثب مع نظيرتها البريطانية لإحباط الهجوم

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الاستخبارات الأميركية كانت على علم بمخطط التفجير المشتبه به، وعملت عن كثب مع نظيرتها البريطانية لإحباط الهجوم. وأضاف: "كنا نحقق في شأنهم. كانوا يخططون لإلحاق أضرار جسيمة بقاعدتنا، وقد نجح تعاوننا مع البريطانيين". وأبلغ الصحافيين في واشنطن بأن المشتبه بهم كانوا تحت المراقبة "منذ فترة طويلة" قبل اعتقالهم.

وتأتي عملية مكافحة الإرهاب في قاعدة فيرفورد وسط تزايد الأنشطة الإيرانية الموجهة ضد بريطانيا، بعدما كشفت السلطات عن هجمات عديدة مرتبطة بإيران على أراضيها. وشن بعض تلك الهجمات ردا على ما تراه طهران دعما بريطانياً للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، بينما استهدف بعضها الآخر جماعات إيرانية معارضة مقيمة في بريطانيا.

وفي الشهر الماضي، ظهرت تفاصيل هجوم سيبراني غير مسبوق شنته إيران في وقت سابق من هذا العام، وعطلت به محطة كهرباء بريطانية. واستغرق العاملون أربعة أيام لإعادة المحطة إلى الخدمة. ويعتقد أنها المرة الأولى التي يتمكن فيها قراصنة مرتبطون بالنظام الإيراني من تعطيل منشأة كهذه في بريطانيا، وأنه أنجح هجوم سيبراني من نوعه حتى الآن.

أ.ف.ب
أفراد عسكريون أميركيون ينقلون ذخائر "الهجوم المباشر المشترك" بعد إزالتها من قاذفة أميركية من طراز "بي-1 لانسر" في قاعدة فيرفورد الجوية جنوب غربي إنجلترا، في 15 مارس 2026

وكان كين مكالوم، المدير العام لجهاز الأمن الداخلي البريطاني "إم آي 5"، قد قال في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إن السلطات أحبطت، خلال الاثني عشر شهرا السابقة، أكثر من 20 مخططا آخر مدعوما من إيران كان من الممكن أن يودي بحياة أشخاص.

وردت الحكومة البريطانية بتشديد إجراءاتها تجاه إيران. وفي يوليو/تموز، اتخذ ستارمر، قبيل انتهاء ولايته رئيسا للوزراء، إجراءات قانونية لحظر دعم "الحرس الثوري" الإيراني. وفرضت الحكومة عقوبات على "حركة أصحاب اليمين الإسلامية"، وهي جماعة مدعومة من إيران حملتها مسؤولية سلسلة من هجمات الحرق والتخريب استهدفت مواقع يهودية في المملكة المتحدة.

وخلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع الماضي، أبلغ وزير الخارجية البريطاني نظيره الإيراني بأن بلاده لن "تتسامح مع الترهيب أو التهديدات أو الأنشطة العدائية على أراضيها".

رغم أن المحققين البريطانيين يركزون في تحقيقاتهم على احتمال ضلوع إيران في مخطط فيرفورد، فإنهم يبحثون أيضا فرضيات أخرى، أبرزها احتمال ضلوع روسيا

ورغم أن المحققين البريطانيين يركزون في تحقيقاتهم على احتمال ضلوع إيران في مخطط فيرفورد، فإنهم يبحثون أيضا فرضيات أخرى، أبرزها احتمال ضلوع روسيا. فقد تكررت تهديدات الرئيس فلاديمير بوتين لبريطانيا بسبب دعمها المستمر لأوكرانيا، وكشفت الأجهزة الأمنية البريطانية عن مخططات مدعومة من موسكو، بينها هجمات على مستودعات تستخدم في تخزين إمدادات مخصصة لكييف.

وجددت الحكومة البريطانية تحذيرها لكبار العاملين في الصناعات الدفاعية والقطاعات المشرفة على البنية التحتية الحيوية من أن موسكو تشكل "تهديدا مستمرا وكبيرا" لبريطانيا ومصالحها حول العالم. وقالت إن روسيا ووكلاءها يتعمدون استهداف شركات ومؤسسات تقدم خدمات أساسية في بريطانيا أو تدعم أوكرانيا، مستخدمين الهجمات السيبرانية والتخريب والتضليل الإعلامي لتعطيل عملها.

ورغم أن الكشف عن تفاصيل المخطط المشتبه به لاستهداف قاعدة فيرفورد قد يستغرق بعض الوقت، فإن تداعيات الصراعين في إيران وأوكرانيا تتفاقم وتتسع لتطال العالم بأسره.

font change

مقالات ذات صلة