أظهرت نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 سبتمبر/أيلول لتجديد أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 395 مقعدا، تصدر "حزب الأصالة والمعاصرة"، بـ97 مقعدا، متبوعا بـ"حزب التجمع الوطني الأحرار"، الذي يرأس الحكومة المنتهية ولايتها وحصل على 66 مقعدا، متراجعا 36 مقعدا مقارنة بنتائج 2021. وجاءت المفاجأة من "حزب العدالة والتنمية" ذي التوجه الإسلامي الذي ضاعف مقاعده أربع مرات من 13 إلى 54 مقعدا وحل رابعا. بينما حافظ "حزب الاستقلال" على مكانته ضمن الأحزاب الكبرى في المشهد السياسي الجديد في المغرب في مركز ثالث. وحصلت "الحركة الشعبية" على 29 مقعدا، و"الاتحاد الاشتراكي" 26 مقعدا و"التقدم والاشتراكية" 19 مقعدا، و"الاتحاد الدستوري" 17 مقعدا. وقد أكدت النتائج النهائية التوزيع نفسه الذي أعلنته وزارة الداخلية بصورة أولية في اليوم التالي للاقتراع.
وقال وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت إن العملية الانتخابية جرت في ظروف طبيعية وعادية، فيما شارك أكثر من ثلاثة آلاف مراقب محلي ودولي في متابعة مختلف مراحلها. وعاين مراقبون وجمعيات حقوقية ومنظمات دولية مغربية مراحل سير العملية الانتخابية والضمانات المصاحبة. وخلصوا إلى أنها "مرت في مناخ من التنافس السياسي السليم، عزز المسلسل الديمقراطي في المغرب، من حيث النزاهة والشفافية وحسن التسيير".
عزوف انتخابي
لكن الانتخابات كشفت أيضا عن عزوف للشباب من المشاركة في صناديق الاقتراع، إذ لم تتجاوز نسبة التصويت 38 في المئة، مقارنة بـ50.86 في المئة في انتخابات 2021 و42.27 في المئة في 2016، لتكون الأدنى منذ 2007. ولم يتوجه إلى صناديق الاقتراع سوى 6 ملايين ناخب من أصل 15 مليون مسجل في القوائم الانتخابية، وتشير المصادر إلى أن 9 ملايين شخص تفوق أعمارهم 18 سنة، مؤهلين (دستوريا) لم يسجلوا أنفسهم في قوائم الناخبين بشكل طوعي، لدواعٍ وأسباب مختلفة. فضّلت الابتعاد عن غمار حسم معركة التنافس السياسي، واكتفوا بالحياد السلبي. ويعيد ضعف المشاركة طرح أسئلة حول علاقة الناخب المغربي، ولا سيما الأجيال الشابة، بالأحزاب والسياسة، ومدى قدرة الخطاب الحزبي على استقطاب جيل نشأ في عصر الرقمنة والاتصالات والذكاء الاصطناعي. كما أعادت الانتخابات إلى الواجهة قضايا البطالة وفرص العمل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية، وهي ملفات ارتبطت بالمزاج الانتخابي والنقاش السياسي خلال الحملة.
خريطة سياسية جديدة
لم تحدث الانتخابات التشريعية الثانية عشرة في تاريخ المغرب الحديث منذ 1963 زلزالا سياسيا بالمفهوم التقليدي للكلمة، لكنها خلّفت رجة قوية داخل التحالف الحكومي السابق، التي تشكلها ثلاثة أحزاب هي نفسها التي تتصدر المشهد السياسي الجديد حاليا، لكن بترتيب مختلف. فـ"الأصالة والمعاصرة" انتقل إلى صدارة النتائج، بعدما كان "التجمع الوطني للأحرار" في المركز الأول عام 2021، فيما جاء حزب "الاستقلال" ثالثاً. لتبدو خريطة المشهد السياسي مهددة بإعادة التشكيل، سواء داخل الأغلبية (الموالاة) المنتظرة، أو المعارضة المرتقبة.


