الانتخابات المغربية تعيد رسم الخريطة السياسية

"الأصالة والمعاصرة" أمام اختبار تشكيل الحكومة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رموز انتخابية لأحزاب سياسية مشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية مرسومة على جدار في مدينة طنجة، وذلك في 16 سبتمبر 2026

الانتخابات المغربية تعيد رسم الخريطة السياسية

أظهرت نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 سبتمبر/أيلول لتجديد أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 395 مقعدا، تصدر "حزب الأصالة والمعاصرة"، بـ97 مقعدا، متبوعا بـ"حزب التجمع الوطني الأحرار"، الذي يرأس الحكومة المنتهية ولايتها وحصل على 66 مقعدا، متراجعا 36 مقعدا مقارنة بنتائج 2021. وجاءت المفاجأة من "حزب العدالة والتنمية" ذي التوجه الإسلامي الذي ضاعف مقاعده أربع مرات من 13 إلى 54 مقعدا وحل رابعا. بينما حافظ "حزب الاستقلال" على مكانته ضمن الأحزاب الكبرى في المشهد السياسي الجديد في المغرب في مركز ثالث. وحصلت "الحركة الشعبية" على 29 مقعدا، و"الاتحاد الاشتراكي" 26 مقعدا و"التقدم والاشتراكية" 19 مقعدا، و"الاتحاد الدستوري" 17 مقعدا. وقد أكدت النتائج النهائية التوزيع نفسه الذي أعلنته وزارة الداخلية بصورة أولية في اليوم التالي للاقتراع.

وقال وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت إن العملية الانتخابية جرت في ظروف طبيعية وعادية، فيما شارك أكثر من ثلاثة آلاف مراقب محلي ودولي في متابعة مختلف مراحلها. وعاين مراقبون وجمعيات حقوقية ومنظمات دولية مغربية مراحل سير العملية الانتخابية والضمانات المصاحبة. وخلصوا إلى أنها "مرت في مناخ من التنافس السياسي السليم، عزز المسلسل الديمقراطي في المغرب، من حيث النزاهة والشفافية وحسن التسيير".

عزوف انتخابي

لكن الانتخابات كشفت أيضا عن عزوف للشباب من المشاركة في صناديق الاقتراع، إذ لم تتجاوز نسبة التصويت 38 في المئة، مقارنة بـ50.86 في المئة في انتخابات 2021 و42.27 في المئة في 2016، لتكون الأدنى منذ 2007. ولم يتوجه إلى صناديق الاقتراع سوى 6 ملايين ناخب من أصل 15 مليون مسجل في القوائم الانتخابية، وتشير المصادر إلى أن 9 ملايين شخص تفوق أعمارهم 18 سنة، مؤهلين (دستوريا) لم يسجلوا أنفسهم في قوائم الناخبين بشكل طوعي، لدواعٍ وأسباب مختلفة. فضّلت الابتعاد عن غمار حسم معركة التنافس السياسي، واكتفوا بالحياد السلبي. ويعيد ضعف المشاركة طرح أسئلة حول علاقة الناخب المغربي، ولا سيما الأجيال الشابة، بالأحزاب والسياسة، ومدى قدرة الخطاب الحزبي على استقطاب جيل نشأ في عصر الرقمنة والاتصالات والذكاء الاصطناعي. كما أعادت الانتخابات إلى الواجهة قضايا البطالة وفرص العمل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية، وهي ملفات ارتبطت بالمزاج الانتخابي والنقاش السياسي خلال الحملة.

خريطة سياسية جديدة

لم تحدث الانتخابات التشريعية الثانية عشرة في تاريخ المغرب الحديث منذ 1963 زلزالا سياسيا بالمفهوم التقليدي للكلمة، لكنها خلّفت رجة قوية داخل التحالف الحكومي السابق، التي تشكلها ثلاثة أحزاب هي نفسها التي تتصدر المشهد السياسي الجديد حاليا، لكن بترتيب مختلف. فـ"الأصالة والمعاصرة" انتقل إلى صدارة النتائج، بعدما كان "التجمع الوطني للأحرار" في المركز الأول عام 2021، فيما جاء حزب "الاستقلال" ثالثاً. لتبدو خريطة المشهد السياسي مهددة بإعادة التشكيل، سواء داخل الأغلبية (الموالاة) المنتظرة، أو المعارضة المرتقبة.

قاد "العدالة والتنمية" حكومتين في المغرب زمن الربيع العربي، امتدت عشر سنوات، لكنه مني بهزيمة مدوية في انتخابات 2021 حيث لم يتجاوز وجوده في المجلس النيابي سوى 13 مقعدا

الأحرار في وضع صعب

تتجه الأنظار إلى حزبين خصمين تاريخيا، حول مدى إمكانية مشاركتهما، أو أحدهما في الحكومة المقبلة التي سيقودها "الأصالة والمعاصرة". هما "التجمع الوطني للأحرار"، و"العدالة والتنمية"، بالنسبة للأول يأتي هذا التراجع بعد انتقال القيادة داخل الحزب؛ إذ قرر عزيز أخنوش في يناير/كانون الثاني عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب، وانتُخب محمد شوقي رئيساً جديداً في فبراير/شباط، فيما واصل أخنوش رئاسة الحكومة حتى نهاية ولايتها. وكان أخنوش قاد الحكومة خمس سنوات منذ 2021، في مرحلة دقيقة داخليا وخارجيا. ارتبطت بتداعيات "جائحة كوفيد"، وحرب روسيا على أوكرانيا، وحرب إيران، وإغلاق مضيق هرمز، وتأثيرها على الأسعار والطاقة والتضخم وسوق العمل، إضافة إلى سنوات جفاف أثرت في معيشة سكان البادية المغربية. وتميل أغلب التحليلات إلى اعتبار "النتائج التي حققها الحزب لم تكن متوقعة لغالبية قادته"، حيث تراجع من 102 إلى 66 عضوا، ورغم أنه حلّ  ثانيا فإن حجم التراجع في المقاعد يخفي عقابا سياسيا وانتخابيا.

أما "الأصالة والمعاصرة"، فقد أعلن بعد تصدره الانتخابات أنه منفتح على مختلف الأحزاب في مشاورات تشكيل الحكومة، من دون وضع "خطوط حمراء" بشأن التحالفات. وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام إعادة تشكيل أغلبية تضم أحزاباً من الحكومة السابقة، وإن كانت تركيبتها النهائية ستتحدد خلال المشاورات السياسية المقبلة.

العدالة والتنمية والرفض الإسلامي

قاد "العدالة والتنمية" حكومتين في المغرب زمن الربيع العربي، امتدت عشر سنوات، لكنه مني بهزيمة مدوية في انتخابات 2021 حيث لم يتجاوز وجوده في المجلس النيابي سوى 13 مقعدا. ليرفع رصيده في هذه الانتخابات إلى 54 مقعدا، ويكاد يكون موجودا في كل المحافظات والمدن الكبرى.

أ.ف.ب
مراقبون للانتخابات يتابعون سير عملية التصويت خلال الانتخابات التشريعية المغربية في مركز اقتراع أقيم داخل مدرسة في حي "حسن" بالرباط، في 23 سبتمبر 2026

لكن ارتباطه بعقيدة "حركة التوحيد والإصلاح" ذراعه الدعوي التي انتقدت بشدة قرار الدولة المغربية التطبيع مع إسرائيل والارتقاء الدبلوماسي بينهما إلى مستوى السفراء وفتح السفارات، ورغم أن موقف الحركة غير ملزم سياسيا للحزب، فإن قواعده المقربة من "الإخوان المسلمين"، قد تكون غير مقتنعة بالمشاركة في حكومة من مهامها المنتظرة رفع التمثيل الدبلوماسي، وزيادة التعاون الاقتصادي والدفاعي والاستخباراتي وتبادل الزيارات الرسمية بين البلدين. وهذا ما أعلنه بالفعل أمينه العام عبد الإله بنكيران، عقب ظهور النتائج، رفض مشاركة الحزب في حكومة يقودها "الأصالة والمعاصرة"، قبل أن يقر المجلس الوطني للحزب بالإجماع، في 26 سبتمبر/أيلول، قرار عدم المشاركة في الحكومة والتموضع في المعارضة.

الأصالة لقيادة الحكومة

وفق المادة 47 من الدستور المغربي 2011 "يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية". ويتوقع مراقبون حدوث ذلك خلال الساعات القادمة، حيث جرت العادة أن يستقبل العاهل المغربي في القصر الملكي، الشخصية التي ستسند لها مأمورية المشاورات السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة. ويرجح كثير من المتابعين للشأن المغربي تعيين فوزي لقجع وزير الميزانية ورئيس الجامعة الملكية لكرة القدم لهذه المسؤولية، خصوصاً بعد انضمامه إلى "الأصالة والمعاصرة" في يوليو/تموز. وهو شخصية كاريزماتية، ولها دعم جماهيري كبير بسبب ما حققته لكرة  القدم المغربية في كأس العالم في قطر 2022 وفي شمال أميركا 2026، حيث أصبح المغرب الثامن عالميا في تصنيف المنتخبات الكروية.

في حال الحفاظ على "الأحرار" في الحكومة المقبلة فإن الأغلبية البرلمانية ستكون مريحة بـ228 مقعدا. لكن هذا السيناريو له مخاطر اجتماعية وربما رفض من الرأي العام

ويعتبر استعداد المغرب لاستضافة نهائيات كأس العالم المشتركة مع أسبانيا والبرتغال سببا إضافيا لهذا التعيين، للإشراف على المشاريع والبنى التحتية المقدرة عشرات مليارات الدولارات. وكان لقجع قد انضم إلى حزب "الأصالة والمعاصرة" أسابيع قليلة قبل انطلاق الحملة الانتخابية التي أبلى فيها البلاء الحسن، وكان وراء نجاح الحزب، الذي حل في الرتبة الأولى بـ97 مقعدا، لكنه يحتاج  لدعم 101 مقعد إضافي للوصول إلى أغلبية 198 التي يتطلبها نيل الثقة من مجلس النواب. ويقدم الحزب نفسه "اجتماعيا-ديمقراطيا" (socio-démocrate) وسبق أن أشرف على قطاعات حيوية مثل المالية والطاقة والإسكان والاتصال والثقافة والرياضة في الحكومة المنتهية.  وقال فوزي لقجع إن  برنامج حزبه في المجالات الاجتماعية والاقتصادية خلال السنوات الخمس المقبلة، تقدر كلفتها الإجمالية الإضافية بـ390 مليار درهم، نحو 42 مليار دولار، على أساس نمو اقتصادي في حدود 5 في المئة، وعجز مالي عند عتبة 3 في المئة. ووعد الحزب خلال الحملة بجعل الحد الأدنى للأجور فوق 5000 درهم نحو 525 دولارا صافية شهريا في السنوات المقبلة، وزيادة المعاشات الدنيا إلى 3000 درهم 320 دولارا. ورفع مخصصات الدعم الاجتماعي النقدي إلى 1000 درهم 110 دولارات شهريا للأسر الفقيرة.

أ.ف.ب
مؤتمر صحفي في مقر حزب "الأصالة والمعاصرة" بالرباط عقب إعلان النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية المغربية، في 24 سبتمبر 2026

سيناريوهات التشكيل الحكومي

الاستقلال هو أقدم حزب سياسي مغربي منذ أكثر من 80 سنة، حصل على 65 عضوا في الانتخابات، وهو أول مرشح ليكون شريك "الأصالة" (PAM) في الحكومة المقبلة. وسيعتمد المغرب في المرحلة القادمة تصورا جديدا للعلاقة بين المركز والمحافظات (الجهات)، يسبقها تعديل دستوري لتوسيع صلاحية الحكومات والبرلمانات المحلية، خاصة ما يتعلق منها بالتدبير المحلي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتنزيل الحكم الذاتي في الصحراء الغربية تنفيذا لقرار مجلس الأمن 2797. وبفضل موقعه القوي في المحافظات الصحراوية  وتجربته الميدانية في الصحراء، وعلاقاته التاريخية مع أحزاب مغاربية مماثلة، قد يساعد في خلق شروط انفراج إقليمي داخل منطقة المغرب العربي.

وفي حال الحفاظ على "الأحرار" في الحكومة المقبلة فإن الأغلبية البرلمانية ستكون مريحة بـ228 مقعدا. لكن هذا السيناريو له مخاطر اجتماعية وربما رفض من الرأي العام، بأن لا يقبل ببقاء الأحزاب نفسها في الحكومة الجديدة. السيناريو الثاني هو تكتل من أربع أحزاب، يضم الأصالة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري. بمجموع 208 مقاعد وهو أقرب إلى الواقع المطلوب. وهناك سيناريو ثالث بإشراك "الاتحاد الاشتراكي"، و"التقدم" و"الاشتراكي" إلى جانب "الأصالة والاستقلال" ليصبح العدد 207. وهناك السيناريو الأصعب: أي ثلاثة أحزاب بينها "العدالة والتنمية" ليكون العدد 216. مع إخراج "الأحرار". ولكن لا أحد يتوقع هذا التصور لأنه مناهض للمشروع الحداثي للحكومة.

لكن كل هذه الفرضيات تبدو سابقة لأوانها قبل انطلاق المشاورات خلال الأيام القادمة، وفي كل الحالات، فإن العبء الأثقل والرهان الأكبر سيقع على حزب "الأصالة والمعاصرة" الذي قدم وعودا طموحة أقنعت أكثر الناخبين.

font change