كيف خرج أدب الرعب والفانتازيا من الشرق إلى العالم؟

من الأساطير القديمة إلى "ألف ليلة وليلة"

 BERTRAND GUAY / AFP
BERTRAND GUAY / AFP
نسخة من كتاب "ألف ليلة وليلة" معروضة خلال معرض يحمل الاسم نفسه في معهد العالم العربي في باريس، 26 نوفمبر 2012

كيف خرج أدب الرعب والفانتازيا من الشرق إلى العالم؟

في عام 1704، شرع المترجم والمستشرق الفرنسي أنطوان غالان في ترجمة "ألف ليلة وليلة" للمرة الأولى على الإطلاق، لينغمس حتى العام 1717 في نقل "الليالي العربية" العربية بالفرنسية الى أوروبا، ومنها الى العالم. وكانت أول حكاية ترجمها غالان هي حكاية "التاجر والعفريت".

تبدأ الحكاية بتاجر مسافر يجلس إلى ظل شجرة كي يستريح، وفي أثناء ذلك يتناول التمر، وفجأة يخرج له عفريت ضخم يحمل سيفا مسلولا متوعدا بقتله لأن نواة التمر التي رماها في الهواء أصابت عين ابنه فمات. بقية الحكاية معروفة، لكن حضور العفريت في الحكاية كما في الواقع، هو نذير رعب ومدخل إلى عالم فانتازي كامل. قصة أخرى تأتي في الجزء الثالث من "ألف ليلة وليلة" في نسخة "هنداوي"، هي قصة علي المصري الذي يدخل بيتا في بغداد أشيع بين الناس أنه معمور بالجن، ولكن ما أن يدخل البيت حتى تتبدل الحكاية، حين يتعرف إلى الجن الطيب الذي سيمنحه النقود.

هذه الحكايات ليست الوحيدة التي تحمل عنصرَي الخوف والغرائب في الكتاب، فهناك غيرها الكثير، والقارىء له يستطيع أن يدرك أن هناك نوعا من أدب الخوف، أو أدب الرعب، جنبا إلى جنب أدب الغرائب أو عوالم المخلوقات العجيبة، عرفه العرب في زمن رواية الحكايات المتناثرة من "ألف ليلة وليلة". وهذا يطرح سؤالا ملحا عن علاقة العرب في عصور أقدم بهذا الأدب.

حين تحولت مجالس السمر إلى بوابات للمجهول

يورد ابن هشام في كتاب "السيرة والمغازي" أنه "لم يكن من قريش فخذ إلا ولهم ناد معلوم في المسجد الحرام يجلسونه"، ويمكن فهم طبيعة هذه المجالس من خلال امتدادها كعادة متوارثة في الدولتين الأموية والعباسية ومن بعدها في الأندلس والدول المتعاقبة في مصر، فكانت مجالس السمر والعلم والنديم هي امتداد لتلك العادة القرشية، ومن موضوعات هذه المجالس كانت كتب الرحلات التي كتبها الرحالة العرب.

إذ تؤكد إشارات واضحة في كتب التاريخ الأدبي والمراجع التي تؤرخ لثقافة المجالس والوراقين، مثل كتاب "الفهرست" لابن النديم، وكتاب "معجم الأدباء" لياقوت الحموي، وكذلك مقدمات كتب التراث نفسها، أن هذه المؤلفات كانت ذائعة الصيت ويتم تداولها وقراءتها بصفة واسعة. ويوثق ابن النديم في "الفهرست" كيف كانت مؤلفات الإخباريين والجغرافيين، مثل المسعودي وغيره، تنسخ وتباع في دكاكين الوراقين لتكون جاهزة لاقتنائها من قبل ندماء الملوك وأصحاب مجالس السمر الذين يطلبون الغرائب والأخبار الطريفة لإمتاع جلسائهم.

تمتلئ كتب المسعودي بأهوال ومخاوف لا تقل ضخامة عن حبكات الرعب والفانتازيا المعاصرة

إضافة إلى ذلك، فإن العديد من كتب العجائب والرحلات، كتب خصيصا لإرضاء فضول الخلفاء والوزراء في مجالسهم الخاصة، فيذكر المؤلفون غالبا في توطئات كتبهم أنهم صنفوها لتكون مرجعا لأهل الأنس والمجالس، فيستطيع النديم الاستعانة به وقت السمر، وهكذا يحكي أولئك الندماء ما قاله الرحالة عما صادفوه في أسفارهم من بلاد غريبة وطبيعة غريبة، وكائنات غريبة. غريبة هنا، يمكن أن تأخذ معنى مخيفة.

فحين نتأمل ما سطره أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي في كتبه، نجد أن صفحاته تمتلئ بأهوال ومخاوف لا تقل ضخامة عن حبكات الرعب والفانتازيا المعاصرة، فقد وثق في كتابه الشهير "مروج الذهب ومعادن الجوهر" -في الجزء الأول منه ضمن باب "ذكر بحر الباب والأبواب وجمل الأخبار"- حكاية تنين الأعماق المفزع، فوصفه بأنه كائن يبدأ صغيرا في القاع المعتم للبحر المظلم، ويتغذى على دواب الماء حتى يستفحل خطره ويتحول إلى حية سوداء عظيمة ذات بريق مريب في الظلام، لتتعاظم ذروة المشهد المرعب حين "يبعث الله عليها السحاب والملائكة فيخرجونها من بينها" إلى الجو ليعبر فوق اليابسة محدثا دمارا كارثيا بذنبه الثقيل الذي يهدم الجبال والمباني والأشجار، بينما تحرق أنفاسه الحارقة الزرع، وصور "بحر الظلمات" -وهو الاسم الذي أطلقه الرحالة والجغرافيون العرب على المحيط الأطلسي-  كفضاء حالك تسوده السحب وتتحكم فيه قوى غيبية، تجعل كل من يتوغل فيه يفقد عقله أو يختفي الى الأبد.

لم يتوقف المسعودي عند هذا الحد، بل أورد في كتاب "أخبار الزمان ومن أباده الحدثان" مشاهد غرائبية أخرى، منها قصة "جزيرة برطايل وقصر السحر الأبيض" الذي يطفو بلا شراع وسط الضباب في بحر الصنف وقت السحر، فضلا عن توثيقه رعب التشوه الجسدي في باب "عجائب الأمم وسواحل البحر الأحمر" عبر وصف وحوش "القلزم" الهجينة التي تجمع صفات البشر والسباع بعيون متوهجة في الظلام وأنياب ومخالب تفترس الغرباء.

Khaled DESOUKI / AFP
تابوت خشبي أسود منحوت ومطعم بصفائح مذهبة، يعود إلى العصر المتأخر في مصر (القرنان السابع والرابع قبل الميلاد)، داخل حجرة دفن في جبانة العساسيف غرب النيل قرب الأقصر، 24 نوفمبر 2018

أما أبو عبد الله زكريا بن محمد القزويني، فأبدع في نسج الهلع في كتابه "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات"، وتحديدا في المقالة الثالثة الخاصة بالمياه والبحار وأحيائها، مستندا في ذلك إلى روايات مشابهة لما ورد في أدب الرحلات مثل عجائب الهند وحكايات السندباد البحري. تبرز بوضوح حكاية "خدعة الجزيرة الحية"، حين ترسو السفن المنهكة وسط المحيط بيابسة خضراء تتراكم عليها الرمال وتنبت الأعشاب ويظنها البحارة ملاذا آمنا للراحة والطبخ، وما إن توقد النيران حتى تخترق حرارتها طبقات هذه اليابسة التي ما كانت إلا جلد كائن بحري عملاق نائم بعمق، فيهتز الجسد الضخم باضطراب يشبه الزلزال العنيف ليطيح الخيم والأواني ويغوص فجأة وبسرعة إلى أعمق نقطة في المحيط، ليتلاشى المكان برمته من تحت أقدامهم في ثوان معدودات ويسحبهم مع السفينة إلى لجج الظلمات، محولا الجغرافيا ذاتها إلى كيان حي مفترس.

كانت الصحراء الشاسعة والمخيفة ليلا هي المسرح المثالي للحكايات العربية عن الجن، فقد اعتقد العرب أن لكل واد ساكنيه من الجن، ونسجوا قصصا مرعبة ومثيرة 

لكن من الأكثر الأخبار إثارة في ما أورده المسعودي، كان خبر ما يسمع من شواطئ جزيرة برطايل النائية ليلا من عزف بالطبول والمعازف، وقهقهات منكرة دون أن يرى أحد من السامعين أي بشر. وهذا يأخذنا إلى نوع آخر من الخوف الذي عرفه العرب، المردة والجن والأرواح.

الجن صديق الشاعر

"ألا من لعذراء الفطاة وغولها

وعاقبة الغول التي أنا غائله
فقلت لها: لا تذعري إنني امرؤ

أخو نفس هم ما تخاف زوائله" (تأبط شرا في شعره عن الغول)

كانت الصحراء الشاسعة والمخيفة ليلا هي المسرح المثالي للحكايات العربية عن الجن، فقد اعتقد العرب أن لكل واد ساكنيه من الجن، ونسجوا قصصا مرعبة ومثيرة تناقلتها الأجيال، وربما قصة تأبط شرا، الشاعر العربي القديم التي أوردها الأصفهاني في الأغاني هي أكثرها شهرة، وتروي أنه كان يسير ليلا في واد وحيد، فاعترضت طريقه غولة تتشكل في صورة امرأة بشعة، فلم يخف منها، بل استل سيفه وضربها ضربة واحدة، فإذا بها تصيح فيه: "عد!" -أي اضربني ضربة أخرى لتجهز علي-، لكنه كان خبيرا بأساطير الصحراء، ويعرف أن الغول إذا ضربت ثانية عاشت وردت الضرب بضربتين، أما الضربة الأولى والوحيدة فهي التي تقتلها. فقال لها: "ثبات خير" (أي تكفيك ضربة واحدة) فماتت مكانها.

لكن حين نتأمل تجليات الجن في المخيال العربي القديم، نكتشف أن الصورة لم تكن محصورة في إطار الفزع، بل حملت وجها آخرا يشبه الصداقة.

في ورقة بحثية بعنوان "أصول النهج التقليدي تجاه جن الإلهام الشعري في الثقافة العربية القبائلية"، يفسر الباحث مكسيم يوسفي كيفية استخدام الشياطين والجن كرمزية للإلهام والطاقة الإبداعية لدى الشعراء العرب. فعلى صعيد التقليد الشعري في صدر الإسلام والعصر الأموي، لم يتعامل الشعراء مع الجن ككائنات مرعبة أو قوى شريرة مسيطرة، بل جسدوهم في صورة الرفيق أو الصديق المقرب الذي يقدم العون والإلهام في أوقات المنافسة الشعرية ودفاع الشاعر عن شرفه وعشيرته، بينما يمتلك الشاعر كامل إرادته وقدرته على اختيار ما يأتيه به جنيه، أو رفضه أو تعديله. وكان استحضار الجن هذا يرتبط أساسا بمواقف التحدي والمنافسات الشعرية كالهجاء والدفاع عن شرف القبيلة، إذ استخدم الشعراء هذه الرمزية لإثبات تفوقهم، إما بادعاء أن شياطينهم هي الأشد فصاحة، أو عبر الاستعارات الساخرة لتأكيد الغلبة على الخصوم.

وقد امتدت هذه الظلال وبقت حتى اليوم، إذ يستحضر الشعراء في اليمن مثلا مصطلحات مثل "الهاجس" و"الحليلة" كرمز للإلهام والخيال. ورغم أن المفهوم القرآني أعاد صوغ هذه الشياطين باعتبارها أرواحا مضللة، إلا أن الشعراء ظلوا يتعاملون مع الجن كتقليد فني ورمزي يعبر عن الموهبة والقدرة اللغوية الخالصة.

 Manan Vatsyayana / AFP
شخصية جني علاء الدين تظهر على شاشة كبيرة خلال الحفل الختامي لدورة الألعاب الآسيوية الـ15 في الدوحة، 15 ديسمبر 2006، الذي استوحى موضوعه من "ألف ليلة وليلة".

الجن الشرير، الجن المخيف

شهد العرب عام 1985 العرض الأول لفيلم "الإنس والجن"، من بطولة عادل إمام الذي لعب دور جني عاشق ليسرا، المخطوبة لعزت العلايلي، والتي كانت ترفض هذا العشق، وهكذا لم تخضع لمحاولات التخويف التي مارسها ضدها عادل إمام، الجني، طوال مدة الفيلم، ليخرج عزت العلايلي في النهاية بحل بديهي جدا، ببساطة قراءة قصار السور في القرآن الكريم، لينتهي الجني الى الأبد، ويعود السلام الى حياة البطلة وخطيبها.

عالم الجن هو بناء متكامل لعالم خفي يمكن توظيفه بكفاءة عالية في أعمال الرعب الفانتازي والتاريخي

في دراسة فيفيان لوفلين المعنونة "نظرة عامة موجزة عن الجن في علم الكونيات والتدين الإسلامي"، تتعمق الباحثة في تفكيك البنية الحقيقية للجن في العقيدة الإسلامية بعيدا من السطحية الفولكلورية، إذ تبين الورقة أنهم مخلوقون من نار السموم أو النار البحتة، ويستوطنون عالما خفيا موازيا لعالمنا المادي يعرف بعالم الملكوت اللطيف. هذا الوجود غير المرئي والملامس لعالمنا يمنحهم قدرات جوهرية بالغة التأثير في بناء أدب الرعب، أبرزها القدرة الفائقة على التشكل البصري والجسدي، إذ يتغيرون في صور متعددة تشمل البشر، والحيوانات، والأشجار، والهيئات المختلفة، مما يشكل ركيزة محورية للرعب النفسي والظاهري في النصوص الأدبية. ولا تقتصر هذه القدرات عند حدود التغير الجسدي، بل تتسع لتشمل التلبس والسيطرة على الأجساد وعقول البشر، فضلا عن ملاحقة الأشخاص، والحلول في الأماكن المختلفة لجلب النحس والفزع.

وتتكامل هذه المعالم مع تفصيل دقيق لمجتمعهم الموازي، إذ توضح لوفلين أن عالم الجن يشبه في هيكلته مجتمع البشر تماما، فلهم ملوك، وجيوش، ومحاكم، وحروب، وتزاوج، وصولا إلى حالات التناسل والزواج المحتملة بين الإنس والجن، وهو بناء متكامل لعالم خفي يمكن توظيفه بكفاءة عالية في أعمال الرعب الفانتازي والتاريخي.

 الفكرة نفسها تقريبا تتناولها كارولين فورد في بحثها الصادر عام 2023 عن جامعة أركنساس بعنوان "تطور الجن في الثقافة والأدب الشرق أوسطي"، إذ ترى أن العقيدة الإسلامية تضع الجن في عالم خفي مواز لعالمنا المادي، وهو ما يسمح له بالتحرك والتجسد دون أن تراه الحواس البشرية، ليمنح قصص الرعب رهبة حقيقية نابعة من الخوف من المجهول، لكنها تضيف أنه في العصر الوسيط، تركزت المخاوف الشعبية حول الجن غير المسلمين أو ما يطلق عليهم الشياطين، إذ اعتقد الناس أن في مقدورهم التسلل إلى المنازل والشارع، والمساس بالطعام والشراب، والتسبب في الأمراض والتلبس، وهو ما جعل الاعتماد على التعاويذ والتحصينات وسيلة أساسية للوقاية وعنصرا دراميا مثيرا.

وتنتقل الباحثة الى الحديث عن حضور الجن في التراث الأدبي العباسي من خلال حكايات "ألف ليلة وليلة"، مثل قصتي التاجر والصياد مع الجني، حيث يظهر الجني ككائن مرعب يهدد بالانتقام والقتل، لكنه في الوقت ذاته يمتلك عقلا وضميرا يسمح للبشر بالتفاوض معه والسيطرة عليه بالذكاء والحكايات. وقد رافق هذا الإرث الأدبي إرث فني تمثل في مخطوطات العصر العباسي التي تأثرت بالفن الفارسي، لتصور الجن في شكل كائنات موحشة وملونة ذات قرون مرعبة.

تحليل فورد لتصوير الجن وصفاته في الحكايات العربية والمخطوطات العباسية، يجعلنا نتساءل كيف تحول هذا المارد المخيف لجني المصباح الذي يحقق الأمنيات؟

 KHALED DESOUKI / AFP
موظف مصري يضع نسخا من كتاب "ألف ليلة وليلة" على رف في مكتبة بالقاهرة، 5 مايو 2010

جن لا جني

في عام 1870 رسم الفنان البريطاني جون سيمونز لوحته "هيرميا وليساندر"، التي تصور بطلي رائعة شكسبير "حلم منتصف ليلة صيف". واللافت في هذه اللوحة بجانب اللون الأزرق الحالم الذي غلف كل شيء فيها، هو وجود تلك المخلوقات البشرية الصغيرة المتناثرة في الغابة حول البطلين، والتي كان لبعضها أجنحة، وبعضها نساء شديدات الجمال أو رجال صغار قبيحو الخلقة، كلها تسترق السمع بشكل ما لتتدخل في قدر العاشقين كما رسم شكسبير أحداث قصته. هذه الجنيات كان وجودها لطيفا، لا ينذر بالخوف أو التهديد والوعيد كما هو الحال مع ظهور الجان في القصص العربية، رغم أن هذه الجنيات الماكرة كانت أحيانا تتدخل لتغير سير حياة البشر في الحكايات بما يتفق مع أهوائها.

الجن في التراث الإسلامي هم كائنات روحية خفية غير مادية تحتفظ بمهابتها وغموضها، بعيدا من الصور الكرتونية

تؤكد الباحثة فيفيان لوفلين أن سماع كلمة جني يستحضر في الأذهان في الثقافة الغربية صورة كائن لطيف يعيش في قارورة زجاجية، نتيجة قصص الفولكلور التي اختزلتهم إلى كائنات بدائية لتنفيذ الأمنيات. وفي المقابل، تبرز لوفلين المفارقة مع النصوص التأسيسية بالاستشهاد بمحمد أسد في كتابه "رسالة القرآن"، لتوضح أن الجن في التراث الإسلامي هم كائنات روحية خفية غير مادية تحتفظ بمهابتها وغموضها، بعيدا من الصور الكرتونية.

وتتناول الباحثة كارولين فورد هذه النظرة عبر سياقين، تمثل الأول في الأدب الرومانسي حين صور فيكتور هوغو في قصيدته "الجن" Les Djinns سنة 1875 الجن كأسراب شيطانية سوداء وعواصف رعدية تهاجم المدن. أما السياق الثاني فتمثل في التسطيح الكوميدي وخادم الأمنيات، كما ظهر في رواية The Brass Bottle لهاري آنستي سنة 1900 التي صورت الجني كرجل مسن يرتدي رداء أخضر ويقدم هدايا استشراقية غير ملائمة استدعت غضب سيده البريطاني الذي عاقبه بالحبس، واستمر النمط في مسلسل I Dream of Jeannie سنة 1965 الذي قدم الجني بصورة امرأة شقراء مطيعة ومحدودة الذكاء، منقادة تماما لسيدها الأميركي، وصولا إلى فيلم ديزني "علاء الدين" Aladdin بنسختيه (1992/2019) اللتين اختزلتا الجني في مارد أزرق كوميدي معني بتحقيق أمنيات سيده، وأفرغتا مفهومه من أي أبعاد شرقية مرعبة لصالح الترفيه الغربي. هذا المفهوم الغربي نفسه عن جني علاء الدين ظهر في الفيلم المصري الكوميدي "الحرب العالمية الثالثة"، عندما أدى أحمد فتحي دور سيد جني المصباح، الذي ظهر طوال دوره في الفيلم مصبوغا بلون أخضر ومثيرا للضحك في كل مشهد.

لسنا هنا في صدد انتقاد النظرة الغربية الى الجن، والتي وإن غيبت صورته المرعبة وبدلتها بصورة مرحة إلا إنها لم تنزع عنه صفات كالغدر والمفاجأة والقدرات الخارقة. ولهذا تبدو السردية العربية للجن متماسكة في الثقافة الغربية مع كل هذا التحوير، لكن هذا التناول يطرح سؤالا بديهيا: هل أثرت الثقافة الغربية التي لا جن فيها ولا مردة، بل كائنات صغيرة يطلق عليها جنيات Fairies، على أدب الرعب العربي؟ في الواقع و الحقيقة حدث العكس، إذ لم يستورد العرب، حتى زمن قريب، أي عناصر تخويف أجنبية، اللهم إلا قصة دراكولا.

أصول الرعب شرقية

"والغول بين يدي يخفى تارة 

ويعود يظهر مثل ضوء المشعل
  بنواظر زرق ووجه أسود 

وأظافر يشبهن حد المنجل" (عنترة بن شداد، يصف الغول التي تلاحقه أثناء سفره في الصحراء).

 SAUL LOEB / AFP
صور للكاتب الأميركي إدغار آلان بو وعائلته معلقة على جدار متحف ومنزل إدغار آلان بو، منزله السابق في بالتيمور بولاية ماريلاند، 11 أغسطس 2011

في عام 1847 أدخل الكاتب الأميركي إدغار آلان بو كائن الغول رسميا في الثقافة الغربية، عندما ذكره مرتين باسمه العربي الغول= Ghoul في قصائده،  مستوحيا إياه من ترجمات "ألف ليلة وليلة" التي انتشرت في أوروبا في ذلك الوقت، لكن بو لم يصور الغول كوحش متجسد في صورة امرأة تنادي المسافرين في الصحراء كما في الفولكلور العربي، بل جرد الغول من جسده المادي وجعله كائنا شبحيا، غامضا، وخارقا للطبيعة، لا ينتمي الى البشر ولا الى الحيوانات، ينبش القبور ويغوي المسافرين ويضلهم ويأكلهم، لكنه أيضا كان يحمل دلالات نفسية تجسد الموت والخوف.

خرج أدب الرعب والفانتازيا في صورته الأولى الى العالم من الشرق، فملحمة جلجامش، والأساطير الفرعونية القديمة والكائنات الخرافية تعود أصولها لأكثر من 4000 آلاف عام

ومن ناحية ثانية، طورت المخيلة الشعبية العربية في العقود الماضية العديد من كائنات التخويف القديمة لتستخدمها في حياتنا اليومية، فلا تزال الأمهات حتى اليوم يخفن أبناءهم بالعفريت، وحمارة القايلة، وأم رجل مسلوخة، وأم أربعة وأربعين. فيما تعدى تأثير بعض الكائنات الأخرى مجرد تخويف الصغار ووصل في صورته الأصيلة للفن، مثلا النداهة في الريف المصري هي روح تتمثل في امرأة شديدة الجمال، تسكن بالقرب من المسطحات المائية وتنادي المارين، أو الساكنين في بيوت بالقرب من النيل بأسمائهم بصوت شديد العذوبة، وما أن تقترب منها الضحية حتى تغرقها. ويقال في بعض الحكايات إنها تنادي الإنسان على مدار أيام بصوتها العذب حتى يستجيب في النهاية ويذهب تجاهها وكأنه منوم مغناطيسيا، لكنه قد يستفيق إن انتبه له أحد ومنعه من الذهاب، ومن هنا استلهم الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق فكرة روايته "أسطورة النداهة"، فجعل من الرجل الذي يمنع المنادى عليه من الذهاب للنداهة، هو نفسه هدفا قادما للنداهة. أيضا كانت النداهة هي الوحي الذي استلهم منه الشاعر أشرف عبد كلمات أغنية "شيء من بعيد ناداني" التي غناها محمد منير، والكلمات تحكي ببساطة لسان حال امرأة تناديها النداهة.

ربما يمر أدب الرعب العربي اليوم بحالة من الركود والتأثر والاقتباس والنقل من نماذج أجنبية مختلفة، لكن من المؤكد أن أدب الرعب والفانتازيا في صورته الأولى خرج الى العالم من الشرق، فملحمة جلجامش، والأساطير الفرعونية القديمة والكائنات الخرافية المخيفة كالغول والسعلاة التي تعود أصولها الى أكثر من 4000 آلاف عام، والمردة والجان كلها سبقت بآلاف السنين الأساطير اليونانية والرومانية التي منها استوحي الرعب القوطي، الذي شكل نواة أدب الرعب الغربي الحالي.

font change

مقالات ذات صلة