في عام 1704، شرع المترجم والمستشرق الفرنسي أنطوان غالان في ترجمة "ألف ليلة وليلة" للمرة الأولى على الإطلاق، لينغمس حتى العام 1717 في نقل "الليالي العربية" العربية بالفرنسية الى أوروبا، ومنها الى العالم. وكانت أول حكاية ترجمها غالان هي حكاية "التاجر والعفريت".
تبدأ الحكاية بتاجر مسافر يجلس إلى ظل شجرة كي يستريح، وفي أثناء ذلك يتناول التمر، وفجأة يخرج له عفريت ضخم يحمل سيفا مسلولا متوعدا بقتله لأن نواة التمر التي رماها في الهواء أصابت عين ابنه فمات. بقية الحكاية معروفة، لكن حضور العفريت في الحكاية كما في الواقع، هو نذير رعب ومدخل إلى عالم فانتازي كامل. قصة أخرى تأتي في الجزء الثالث من "ألف ليلة وليلة" في نسخة "هنداوي"، هي قصة علي المصري الذي يدخل بيتا في بغداد أشيع بين الناس أنه معمور بالجن، ولكن ما أن يدخل البيت حتى تتبدل الحكاية، حين يتعرف إلى الجن الطيب الذي سيمنحه النقود.
هذه الحكايات ليست الوحيدة التي تحمل عنصرَي الخوف والغرائب في الكتاب، فهناك غيرها الكثير، والقارىء له يستطيع أن يدرك أن هناك نوعا من أدب الخوف، أو أدب الرعب، جنبا إلى جنب أدب الغرائب أو عوالم المخلوقات العجيبة، عرفه العرب في زمن رواية الحكايات المتناثرة من "ألف ليلة وليلة". وهذا يطرح سؤالا ملحا عن علاقة العرب في عصور أقدم بهذا الأدب.
حين تحولت مجالس السمر إلى بوابات للمجهول
يورد ابن هشام في كتاب "السيرة والمغازي" أنه "لم يكن من قريش فخذ إلا ولهم ناد معلوم في المسجد الحرام يجلسونه"، ويمكن فهم طبيعة هذه المجالس من خلال امتدادها كعادة متوارثة في الدولتين الأموية والعباسية ومن بعدها في الأندلس والدول المتعاقبة في مصر، فكانت مجالس السمر والعلم والنديم هي امتداد لتلك العادة القرشية، ومن موضوعات هذه المجالس كانت كتب الرحلات التي كتبها الرحالة العرب.
إذ تؤكد إشارات واضحة في كتب التاريخ الأدبي والمراجع التي تؤرخ لثقافة المجالس والوراقين، مثل كتاب "الفهرست" لابن النديم، وكتاب "معجم الأدباء" لياقوت الحموي، وكذلك مقدمات كتب التراث نفسها، أن هذه المؤلفات كانت ذائعة الصيت ويتم تداولها وقراءتها بصفة واسعة. ويوثق ابن النديم في "الفهرست" كيف كانت مؤلفات الإخباريين والجغرافيين، مثل المسعودي وغيره، تنسخ وتباع في دكاكين الوراقين لتكون جاهزة لاقتنائها من قبل ندماء الملوك وأصحاب مجالس السمر الذين يطلبون الغرائب والأخبار الطريفة لإمتاع جلسائهم.




