حين أوشك القرن التاسع عشر على نهايته، بدأت محاولات دار "مثيوين" Methuen الإنكليزية لاستغلال العصر الذهبي في الأبحاث الشكسبيرية التي كان عليها القرن التاسع عشر كي ينشروا أعمال وليم شكسبير الكاملة في طبعة بحثية تسعى إلى أن تكون المرجع الأساس للدارسين والقراء على السواء.
كانت محاولات أخرى قد صدرت قبل عقود، منها ما كان أعمالا كاملة، ومنها طبعات لمسرحيات مفردة بعينها، تتراوح من الاكتفاء بنص المسرحية وشرح بسيط، وصولا إلى طبعات ضخمة لمسرحيات شكسبير الكبرى، في ما يصطلح عليه في اللغة الأكاديمية للأبحاث النقدية واللاهوتية بـ"ڤاريوروم" Variorum، أي طباعة النص بتحقيق لجميع المخطوطات المتوفرة له، فضلا عن استعراض تفصيلي لجميع التعقيبات التي شهدها النص عبر القرون. ومن هنا كان حلم "مثيوين" في إصدار طبعات "ڤاريوروم" مصغرة تضم النص الشكسبيري، مع إدراج جميع الاختلافات والفوارق بين المخطوطات والطبعات القديمة، ورفد النص بتعقيبات وحواش نقدية وتاريخية ولغوية في لغة حديثة تكون عونا للدارس من دون أن تثقل على القارئ العادي، وتكون متعة للقارئ من دون أن تبدو محض طبعة أخرى يفر منها الدارسون إلى الطبعات القديمة الضخمة.
رحلة "آردن"
أخذ هذا الحلم اسم "آردن" Arden من الغابة في مسرحية "على هواك" As You Like It، وظهر إصداره الأول عام 1899 تحت إشراف عام من الباحث الأوكسفوردي وليم جيمس كريغ، غير أنهم اعتمدوا على نص طبعة كامبريدج، وافترقوا عنها في التعقيبات والشروح والمقدمات الضافية والحواشي التفسيرية التي كانت جديدة كليا.
نجحت السلسلة في رهانها وباتت الأكثر انتشارا وأهمية طوال العقدين الأولين من القرن العشرين، وإن كانت معضلة الاعتماد على نص جاهز قد بدأت تؤرق باحثين آخرين حاولوا تلافي هذا النقص، فأصدروا طبعات أخرى تعود إلى المخطوطات القديمة من دون الاكتفاء بجهد محقق سابق، بخاصة أن الإصدار الثاني من “آردن شكسبير” تأخر إلى خمسينات القرن الماضي. ولعل طبعة كامبريدج "شكسبير الجديد" The New Shakespeare (1921- 1969) بتحقيق الباحثين الإنكليزيين آرثر كويلر-كاوتش وج. دوفر ولسن، كانت أهم وأفضل سلسلة طوال عقود ثلاثة (لا تزال تحتفظ بأهمية كبرى اليوم في بعض تأويلاتها النقدية والنصية)، إلى أن تداركت دار "مثيوين" عثرتها الأولى، وبدأ إصدارها الثاني عام 1951، الذي عاد إلى المخطوطات القديمة (أي الفوليو Folio، طبعة الأعمال المجموعة، والكوارتو Quarto، طبعة المسرحيات المفردة)، مع إعادة نظر جذرية في التعقيبات والشروح، علاوة على مقدمة طويلة تفصيلية لا تكتفي بمناقشة النص في ذاته، بل تتعمق في محاولة تأريخ النص، واقتفاء مصادره.
كان الإصدار الثاني الرد الحاسم حقا، إذ بات المصدر الأول والأساس للقراءة والبحث، بخاصة أنه استعان بكوكبة من أعظم النقاد والباحثين الشكسبيريين مثل كينث موير (“مكبث” و”لير”)، وفرانك كيرمود (“العاصفة”)، وهارلد جنكنز (“هاملت”)، وإرنست هونغمان (“أوثيلو/عطيل”).




