محاولة رابعة للحلم... شكسبير العائد في طبعات جديدة حافلة بالاكتشافات

سلسلة "آردن" المستمرة منذ 1899

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

محاولة رابعة للحلم... شكسبير العائد في طبعات جديدة حافلة بالاكتشافات

حين أوشك القرن التاسع عشر على نهايته، بدأت محاولات دار "مثيوين" Methuen الإنكليزية لاستغلال العصر الذهبي في الأبحاث الشكسبيرية التي كان عليها القرن التاسع عشر كي ينشروا أعمال وليم شكسبير الكاملة في طبعة بحثية تسعى إلى أن تكون المرجع الأساس للدارسين والقراء على السواء.

كانت محاولات أخرى قد صدرت قبل عقود، منها ما كان أعمالا كاملة، ومنها طبعات لمسرحيات مفردة بعينها، تتراوح من الاكتفاء بنص المسرحية وشرح بسيط، وصولا إلى طبعات ضخمة لمسرحيات شكسبير الكبرى، في ما يصطلح عليه في اللغة الأكاديمية للأبحاث النقدية واللاهوتية بـ"ڤاريوروم" Variorum، أي طباعة النص بتحقيق لجميع المخطوطات المتوفرة له، فضلا عن استعراض تفصيلي لجميع التعقيبات التي شهدها النص عبر القرون. ومن هنا كان حلم "مثيوين" في إصدار طبعات "ڤاريوروم" مصغرة تضم النص الشكسبيري، مع إدراج جميع الاختلافات والفوارق بين المخطوطات والطبعات القديمة، ورفد النص بتعقيبات وحواش نقدية وتاريخية ولغوية في لغة حديثة تكون عونا للدارس من دون أن تثقل على القارئ العادي، وتكون متعة للقارئ من دون أن تبدو محض طبعة أخرى يفر منها الدارسون إلى الطبعات القديمة الضخمة.

رحلة "آردن"

أخذ هذا الحلم اسم "آردن" Arden من الغابة في مسرحية "على هواك" As You Like It، وظهر إصداره الأول عام 1899 تحت إشراف عام من الباحث الأوكسفوردي وليم جيمس كريغ، غير أنهم اعتمدوا على نص طبعة كامبريدج، وافترقوا عنها في التعقيبات والشروح والمقدمات الضافية والحواشي التفسيرية التي كانت جديدة كليا.

نجحت السلسلة في رهانها وباتت الأكثر انتشارا وأهمية طوال العقدين الأولين من القرن العشرين، وإن كانت معضلة الاعتماد على نص جاهز قد بدأت تؤرق باحثين آخرين حاولوا تلافي هذا النقص، فأصدروا طبعات أخرى تعود إلى المخطوطات القديمة من دون الاكتفاء بجهد محقق سابق، بخاصة أن الإصدار الثاني من “آردن شكسبير” تأخر إلى خمسينات القرن الماضي. ولعل طبعة كامبريدج "شكسبير الجديد" The New Shakespeare (1921- 1969) بتحقيق الباحثين الإنكليزيين آرثر كويلر-كاوتش وج. دوفر ولسن، كانت أهم وأفضل سلسلة طوال عقود ثلاثة (لا تزال تحتفظ بأهمية كبرى اليوم في بعض تأويلاتها النقدية والنصية)، إلى أن تداركت دار "مثيوين" عثرتها الأولى، وبدأ إصدارها الثاني عام 1951، الذي عاد إلى المخطوطات القديمة (أي الفوليو Folio، طبعة الأعمال المجموعة، والكوارتو Quarto، طبعة المسرحيات المفردة)، مع إعادة نظر جذرية في التعقيبات والشروح، علاوة على مقدمة طويلة تفصيلية لا تكتفي بمناقشة النص في ذاته، بل تتعمق في محاولة تأريخ النص، واقتفاء مصادره.

كان الإصدار الثاني الرد الحاسم حقا، إذ بات المصدر الأول والأساس للقراءة والبحث، بخاصة أنه استعان بكوكبة من أعظم النقاد والباحثين الشكسبيريين مثل كينث موير (“مكبث” و”لير”)، وفرانك كيرمود (“العاصفة”)، وهارلد جنكنز (“هاملت”)، وإرنست هونغمان (“أوثيلو/عطيل”).

نجحت السلسلة في رهانها وباتت الأكثر انتشارا وأهمية طوال العقدين الأولين من القرن العشرين

أضحت المسرحيات الشكسبيرية ساحة نقاشات محتدمة من جديد، لا يكتفي فيها الباحثون بملاحظات اعتباطية أو عابرة، بل صار إصدار كل مسرحية جديدة فرصة لتجديد النقاشات والجدالات التي أثرت الساحة البحثية في استعادة جديدة للعصر الذهبي الذي كادت أصداؤه تخفت. لذا نجد باحثين كثيرين يرون، محقين، أن الإصدار الثاني كان أفضل إصدارات "آردن" إلى اليوم، ما خلا نقطة وحيدة تتعلق بالنص في ذاته.

نصوص شكسبير إشكالية بسبب عدم وجود مخطوطات بخط يده، أي ما من نسخة مخطوطة معتمدة يمكن الركون بثقة للقول إنها "ما أرادها شكسبير حقا"، ولو أضفنا حقيقة أن شكسبير يغير في نصوصه مع كل عرض جديد للمسرحيات، وحقيقة أن تلك التعديلات كانت تطبع في "كوارتوات" مختلفة وعديدة، سنكون أمام معضلة لا يمكن حلها بسهولة.

ما من نص أوحد لأي عمل من أعمال شسكبير بالمطلق، ربما باستثناء القصيدتين المطولتين "فينوس وأدونيس" و"اغتصاب لوكريس"، و"السونيتات" التي طبعت في حياة شكسبير تحت إشرافه بحيث يمكن القول إن اختلافات الطبعات طفيفة لا تكاد تذكر. أما المسرحيات فمسألة مختلفة كليا، إذ ما من مسرحية بنص معتمد أبدا، حيث تبدأ الفروق بمحض علامات ترقيم أو كلمات متناثرة هنا وهناك، وصولا إلى نسخ عديدة للمسرحية ذاتها تكاد تكون نسخا متباينة، كما في حالة "الملك لير" التي وصلت إلينا في نسختين مختلفتين، و"هاملت" التي وصلت إلينا في ثلاث نسخ مختلفة. كل "كوارتو" يختلف عن سابقه ولاحقه، مع أن معظمها طبع وكاتبها حي يرزق ويعمل. وحين نقول إن شكسبير يعمل، فنعني أنه ينقح على الدوام، أكان تنقيحا نصيا بمعزل عن الخشبة، أو تنقيحا لغرض عرض جديد على الخشبة. حتى نسخة "الفوليو" التي صدرت بعيد وفاته، وكان يفترض أن تكون النسخة المعتمدة التي تجب ما قبلها، لم تكن تضم أعماله الكاملة، بل لا يكاد يتفق قارئان أو باحثان في شأن أي نص من النصوص، بحيث يمكننا الجزم بثقة أن ما نقرأه مطبوعا ليس شكسبير حقا بقدر ما هو شكسبير كما رآه محققو نصوصه.

إصدارات "آردن شكسبير"

تلافي العثرات القديمة

لذا كان على إصدار "آردن" الثالث، الذي طبع ابتداء من عام 1995، أن يتلافى تلك العثرات القديمة، فصدرت للمرة الأولى في تاريخ السلسلة ثلاث نسخ من "هاملت"، ولكنهم فضلوا – لأسباب مجهولة – "تلفيق" مسرحية "الملك لير" في نص واحد يلفق بين النسختين المختلفتين.

نصوص شكسبير إشكالية بسبب عدم وجود مخطوطات بخط يده، أي ما من نسخة مخطوطة معتمدة يمكن الركون بثقة للقول إنها "ما أرادها شكسبير حقا"


أثار هذا التلفيق جدالات مطولة، غير أنها لم تشتت أنظار القراء والدارسين عن المسرحيات الأخرى، بخاصة أن الإصدار الثالث أضخم من سابقيه، ويضم نقاشات وطروحات جديدة بالتناسب مع التطورات الهائلة التي شهدتها الأبحاث الشكسبيرية، إذ ما عاد الاهتمام منصبا على النص والسياق وحسب، بل دخلت إلى النقاش جحافل الجيوش النقدية الجديدة التي أعادت تعريف النقد الأدبي والنصي، ليصبح الجندر، والعنصرية، والكولونيالية، والتشريح الطبقي، عناصر لا غنى عنها في فهم جديد للمعتمد الشكسبيري. صحيح أن هذا "النقد الثقافي" لم يلق ترحيبا من الباحثين المكرسين الميالين إلى النقد الأدبي في صيغته القديمة الجمالية الصرفة، بيد أن هذا الاختلاف في ذاته أسهم في تضاعف ثراء وضخامة وتعقيد الأبحاث الشيكسبيرية، بل العروض المسرحية في ذاتها.

 

ATTA KENARE / AFP
ممثلون يؤدون مشاهد من مسرحية "الملك لير" لوليام شكسبير على "مسرح شهر" في طهران، 2025

لم تكتف طبعات الإصدار الثالث بتلك العناصر النقدية الجديدة، بل أعادت النظر في كرونولوجيا المسرحيات، وفي المشهد المسرحي الإليزابيثي برمته، فضلا عن تسليط أضواء جديدة على الأعمال التي كانت تصور بكونها "الأعمال الصغرى" مقارنة بالتراجيديات والكوميديات والتاريخيات الكبرى التي كادت صورة شسكبير تكرس فيها، أي أنه كتب بضع عشرة مسرحية كبرى، أما باقي أعماله فتمهيدات أو مقدمات أو محاولات تجريبية لا تصل إلى مستوى الأعمال الكبرى.

ركز الإصدار الثالث (بل الثاني حتى، وإن بدرجة أقل) على كل مسرحية بمعزل عن المسرحيات الأخرى، وبمعزل عن التوصيفات أو التراتبية القديمة، بل إن تطور وجهة النظر الجديدة هذه تعدى مسألة التراتبية إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية: محاولة تأريخ أعمال شسكبير بدقة، بحيث ظهرت نتائج متفاوتة تكاد تجعلنا نعيد كتابة تاريخ المسرح الإليزابيثي برمته، أكان من ناحية نسف الصورة النمطية الشكسبيرية القديمة بكونه ضيفا متأخرا على الساحة، تزامن ظهوره مع أواخر مرحلة كريستوفر مارلو وتوماس كد، ليصبح شكسبير مجايلا ومزامنا لهما، بل ربما كان التنافس المحتدم في ما بينهم، والتنافس المحتدم الآخر مع سابقيهم من ناحية أخرى، هو السبب الرئيس في التنوع المذهل والمربك للمسرحيات الأولى، تنوع رآه النقاد الرواد مخطئين بأنه فوضى متخبطة، بينما هو في واقع الحال تجريب متنام ومتواصل لا يكاد يهدأ.

 JIM WATSON / AFP
نسخة نادرة من الطبعة الثالثة لمسرحية "هاملت" (1611) مفتوحة على مقطع "أكون أو لا أكون" خلال عرضها في "دار كريستيز للمزادات" في لندن، 2004

شكسبير أوسع

لم يعد شكسبير محصورا في لعنة الأعمال الخمسة في كل جنس مسرحي من الأجناس الثلاثة التي أبدعها، أي إنه لم يعد صاحب خمس تراجيديات كبرى ("هاملت"، "أوثيلو"، "لير"، "مكبث"، "أنتوني وكليوباترا")، وخمس كوميديات كبرى ("حلم ليلة منتصف صيف"، "تاجر البندقية"، "على هواك"، "الليلة الثانية عشرة"، "العاصفة")، وخمس تاريخيات كبرى ("ريتشارد الثالث"، "ريتشارد الثاني"، "هنري الرابع" بجزءيها، "هنري الخامس") وحسب، بل صار لكل مسرحية ضوء جديد يمايزها عن غيرها من ناحية، ويعيد طرحها تحت عدسات جديدة من جهة أخرى.

أصبح الجندر، والعنصرية، والكولونيالية، والتشريح الطبقي، عناصر لا غنى عنها في فهم جديد للمعتمد الشكسبيري

صار لـ"كوميديا الأخطاء" و"ترويض الشرسة" مكان مستحق جديد، وأعيد اكتشاف بهاء "جعجعة بلا طحن"، وبات لـ"كوريولانوس" و"سمبلين" قيمة وأهمية متجددة، بل وظهر جنس مسرحي جديد هو "الرومانس" Romance، بحيث أمسى لشكسبير رومانساته التي تفترق عن الكوميديات وتمتزج بها، وتنأى عن التراجيديات وتتقاطع معها في آن.

CHRIS J RATCLIFFE / AFP
فنان الغرافيتي جيمي سي يرسم جدارية لوليام شكسبير قرب "مسرح شكسبير غلوب" في لندن، 2016

بل إن "الأعمال الكبرى" خضعت لإعادة قراءة جذرية في ذاتها في إصدار "آردن" الثالث، بخاصة في المقدمة العظيمة لتحقيق إرنست هونغمان لمسرحية "أوثيلو": "لم ليس أوثيلو؟"، التي يناقش فيها سبب الأفول الغريب للمسرحية لدى النقاد والمسرحيين مقارنة بـ"لير" و"هاملت" اللتين كانتا (ولا تزالان بدرجة كبيرة) تعدان أعظم ما كتبه شكسبير على الإطلاق، بحيث تسبب ضياؤهما المحرق بخفوت غيرهما. وكذلك في التحقيق اللافت الذي أسهم فيه جوناثن بيت في إعادة تسليط الأضواء على "تايتس أندرونيكوس" التي كان النقاد الرواد بل ومعظم الباحثين إلى اليوم يفرون منها فرارهم من المجذوم، وكأنها عيب من عيوب شكسبير التي لا ينبغي لنا أن نذكرها ولو إيماء.

 JOHN D MCHUGH / AFP
نسخة من "الفوليو الأول" لمسرحيات وليام شكسبير (1623)، أحد أهم الكتب في الأدب الإنكليزي، معروضة في "دار سوذبيز للمزادات" في لندن، 2006

والآن، وبعد 127 عاما من نشر الإصدار الأول، بدأ نشر "إصدار آردن الرابع"، ظهر منها خمس مسرحيات حتى الآن. الفارق بين هذا الإصدار وسابقه من حيث العناوين، أن مسرحية "سير توماس مور" ستطبع في هذا الإصدار ضمن المعتمد الشكسبيري في ذاته، لا كما كانت عليه الحال في الإصدار الثالث حين طبعت في ملحق يضم "أبوكريفا شكسبير"، أي الأعمال التي تنسب إليه من دون أن تكون ضمن معتمده. أما المضمون فسنرى نتائجه تباعا مع تتالي إصدار باقي المسرحيات التي ستشهد سجالات كثيرة حتما، ابتداء بالنصوص وليس انتهاء بقضية التأليف، بخاصة أن منهج أوكسفورد قد بدأ يلقى قبولا عند باحثين كثيرين باتوا يرون أن مسرحيات عديدة لشكسبير ليست تأليفا خاصا به بل هي نتاج تأليف مشترك أشبه بورشات التأليف التي كانت سمة بارزة في العصر الإليزابيثي. لعله كذلك، ولعلها محض محاولة أخرى لنسف نتاج أعظم مسرحي في تاريخ الأدب.

تلك سجالات نكتفي فيها بالمراقبة من بعيد، وبترجمات هزيلة نفدت أصلا من السوق، واكتفينا فيها بجهد الآخرين، لا أن يكون لنا أيضا نسختنا النقدية المعتمدة من أعمال الشاعر والمسرحي الأكبر.

لم نقرأ شكسبير عربيا في واقع الأمر، بل قرأنا صورته كما عكستها مرايا محققيه. ما من ترجمة نقدية مستقلة، بل وما من ترجمة جيدة أصلا

لم نقرأ شكسبير عربيا في واقع الأمر، بل قرأنا صورته كما عكستها مرايا محققيه. ما من ترجمة نقدية مستقلة، بل وما من ترجمة جيدة أصلا. فحتى المحاولات التي كان يراد منها تحريك المياه الراكدة (ترجمات جبرا إبراهيم جبرا على الأخص)، وقعت في فخ الترجمة الأقدم (جامعة الدول العربية) في أنها تبنت آراء المحققين من دون أدنى محاولة لتفكيك النص أو إعادة قراءته. لا جديد عندنا في "إصدار آردن الرابع"، مع أنه يحمل جدة كبرى، ولكن بأصوات الآخرين التي لا تصل إلينا إلا أصداء باهتة، كذلك هو شكسبير عندنا: صدى خافت لصوت بعيد لا نكاد نميزه.    

font change

مقالات ذات صلة