باسم الخشن لـ"المجلة": الفانتازيا لا تزال تحبو وينظر إليها نظرة دونيةhttps://www.majalla.com/node/330404/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B4%D9%86-%D9%84%D9%80%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D8%A7-%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%84-%D8%AA%D8%AD%D8%A8%D9%88-%D9%88%D9%8A%D9%86%D8%B8%D8%B1-%D8%A5%D9%84%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D9%86%D8%B8%D8%B1%D8%A9-%D8%AF%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9
يعتبر الخيال اللامحدود السمة الرئيسة التي تميز أعمال الكاتب والمترجم المصري باسم الخشن الحاصل على درجة الماجستير من جامعة ويسترن الأوسترالية في علم الإجرام. عمل مدربا مع الإنتربول في دول عدة، ومع منظمة الأمم المتحدة في مشاريع إعادة تأهيل اللاجئين في شرق آسيا. وهو ما انعكس بطريقة ما على كتاباته التي تميزت بالفانتازيا. أصدر العديد من الروايات من بينها "شرق جهنم" و"زراد" و"مانيكان". هنا حوار "المجلة" معه:
لماذا اخترت نوع الفانتازيا، نمطا للكتابة، وما التجارب السابقة أو الحالية عربيا وعالميا التي جعلتك تفضل هذا النوع؟
الفانتازيا والخيال العلمي يتيحان مساحة لا مثيل لها لطرح بعض الأسئلة الفلسفية التي قد لا تكون صالحة للطرح في إطار الكتابات الاجتماعية والرومانسية، التي تشكل معظم المكتبة العربية.
هذا ما وجدته في قراءاتي المبكرة لأعمال مثل "الكثيب" Dune، حيث لا يدور الصراع فقط حول كوكب أو مستقبل بعيد، بل حول الدين والسلطة وصناعة البطل، أو في أعمال أورسولا لو غن Ursula K. Le Guin، التي استخدمت عوالم متخيلة لطرح أسئلة عن الهوية واللغة وطبيعة الإنسان، خاصة في روايتها "يد الظلام اليسري" The Left Hand of Darkness. هذه الأعمال ليست هروبا من الواقع، بل طريقة مختلفة لقراءته.
لا يوجد خير حقيقي ولا شر مطلق، كل يحكي قصته وأنت تقرر من تظنه خيرا ومن تظنه شريرا
كمثل على حرية طرح الأفكار والأسئلة، كتبت في رواية "الوعاء الخاوي" عن فكرة أسميتها "سفينة الأجيال"، لها جذور واضحة في أدب الخيال العلمي، وظهرت في صيغ مختلفة لدى كتاب أمثال آرثر سي كلارك وروبرت هنلن، عن سفينة فضاء في المستقبل تنطلق وعليها الرواد لاستكشاف وجهات بعيدة، وعلى متن تلك السفينة يتوالد جيل بعد جيل من نسل الرواد الأوائل وتستمر الحياة في هذا المجتمع المصغر، حتى تصل إلى وجهتها متغلبة على التحدي الأكبر في الترحال في الفضاء، وهو عامل الوقت مع قصر عمر البشر في فضاء يتمدد كل لحظة. هنا وفي تلك الصورة المتخيلة الاستثنائية وبعد توالي الأجيال على تلك السفينة، كم ستتغير الثقافة واللغة، وكم سيتغير ويتطور الجسد البشري الذي لم يعرف الجاذبية؟
الوعاء الخاوي
وتمكنت من طرح سؤال هل من سيخطو خارجا من تلك السفينة بعد آلاف السنين حين تصل الى وجهتها، يمكن أن نطلق عليه بشريا، وهو لم ير الأرض يوما ولا يشبه من ظلوا عليها؟ أسئلة عما يجعل البشر بشرا والإنسان إنسانا. سؤال واحد لن يحمل الكتاب في طياته إجابة عنه، حيث تطرح الفانتازيا والخيال العلمي أسئلة كتلك دون أن تبدو مفتعلة، فهناك علوم كثيرة قامت على الاستلهام من الفانتازيا وليس من الخيال العلمي فقط كما يعتقد البعض. فأين سيكون علم النفس دون الأساطير الإغريقية وعقدتي أوديب وإلكترا؟
الاحتفاء بالخيال
ما التحدي الأساس بالنسبة إلى كاتب رواية الفانتازيا؟
التحدي الحقيقي في تقبل القارئ العربي لهذا النوع من الكتابة، فالقارئ في منطقتنا لا يزال مغرما بالاجتماعيات، وربما يغامر بقراءة أدب الجريمة، أما الفانتازيا فلا تزال تحبو وينظر إليها نظرة دونية.
ولنكن منصفين، هذا ليس وضعا خاصا بنا. ففي بدايات القرن العشرين كان ينظر إلى الفانتازيا في الغرب باعتبارها أدبا هامشيا. حتى أعمال مثل "سيد الذباب" لم تستقبل في البداية باعتبارها أدبا رفيعا، بل كنوع أدبي موجه الى فئة محددة. لكن مع الوقت ومع تراكم التجارب تغير هذا التصنيف، صار هناك احتفاء بالخيال بجوائز ذات قيمة عالية مثل جائزتي "الهيوجو" و"النابيولا" للخيال العلمي والفانتازيا وجائزة "برام ستوكر" للرعب وغيرها.
في العالم العربي، لا نزال في مرحلة بناء هذا التراكم. هناك محاولات مهمة سواء في الأدب أو حتى في الأعمال التلفزيونية والسينمائية، لكن الطريق لا يزال في بدايته.
كيف انعكست دراستك لعلم الإجرام، وعملك في الإنتربول على الروايات التي كتبتها؟
ربما دراسة علم الإجرام فتحت عيني على إنسانية المجرم وسياق إجرامه وتاريخه. هذا ليس طرحا نظريا فقط، بل نتيجة الاحتكاك بنماذج حقيقية. كثير من الدراسات في علم الإجرام، مثل أعمال سيزار لومبورسو في بدايات هذا العلم، حاولت تفسير الجريمة بيولوجيا، لكن الاتجاهات الحديثة، خاصة في علم الإجرام الاجتماعي، ترى الجريمة كنتيجة لتفاعل معقد بين الفرد وبيئته.
فلا أستطيع إلا أن أكتب عن شرير بدوافع حقيقية وليس بقالب مختوم عليه هذا شرير فلنكرهه. أشراري بشر يمكنك أن تتعاطف معهم وتخاف أن تنزلق يوما لتكون مكانهم.
رغم وجود شخصيات فانتازية في رواياتك، الا ان جوهر السرد يقوم على الصراع بين الخير والشر، فهل ترى أن هذا عنصر أساس في كل كتابة روائية؟
الصراع في رواياتي هو صراع سرديات، لا يوجد خير حقيقي ولا شر مطلق، كل يحكي قصته وأنت تقرر من تظنه خيرا ومن تظنه شريرا. كم سمعنا أن التاريخ يكتبه المنتصر لأن التاريخ ذاته خاضع لسردية المنتصر، لكن لو كانت هناك روايات للمغلوبين ربما لوجدت نفسك في أزمة أخلاقية، لأنه لا يوجد خير مطلق وإلا لفاز الشر دائما معتمدا على سذاجة الخير.
ظل نابليون
في مواجهة الأسئلة
تتمحور أحداث روايتك "ظل بابليون" حول صراع بين منظمات قديمة، وكذلك في رواياتك الأخرى كان الصراع هو المحرك الرئيس، فلماذا هذه الصراعات؟
أهوى قراءة نظريات المؤامرة والمنظمات السرية، وأظن أنها نوع من الفانتازيا بذاتها، فالشر في العالم الحقيقي أقل تعقيدا وأكثر بساطة وغباء مما نقرأه عن خطط متشابكة ومعقدة لحكم العالم من الظل. فكانت روايتي الأولى "ظل بابليون" محاولة لطرح السؤال: لو كانت تلك المنظمات حقيقية، فكيف ستكون تصرفاتها وما دوافعها في عالمنا الحقيقي؟
الشر في العالم الحقيقي أقل تعقيدا وأكثر بساطة وغباء، مما نقرأه عن خطط متشابكة ومعقدة لحكم العالم من الظل
ومن أسباب اختياري أيضا ولع القارئ العربي بموضوع المؤامرات والجماعات السرية، ربما لأن الإنسان في طبيعته يفضل عالما تحكمه خطة، حتى لو كانت مظلمة، على عالم بلا معنى.
تصدر رواياتك على شكل أجزاء متصلة، هل تعتقد أن هذه الطريقة ناجحة في خلق قارئ متابع لك؟
لا لأن هناك قراء سيرفضون قراءة العمل، ولو عرفوا أن له أجزاء عدة سيقرأونه عند صدور جميع أجزائه، فالتحدي يكمن في تقديم قصة متكاملة في كل جزء، تحتمل المزيد من الأحداث والتفرعات، لكن قراءتها وحدها تكفي لإشباع القارئ.
في رواية الفانتازيا هناك رسائل وحكم موجهة غالبا الى الإنسان، فما الرسالة التي تريد إيصالها؟
لا أكتب لأقدم رسائل، بل لأطرح أسئلة. أعتقد أن دور الكاتب ليس أن يمنح القارئ إجابات جاهزة، بل أن يضعه في مواجهة الأسئلة التي يحاول تجاهلها. ما يفعله القارئ بهذه الأسئلة بعد ذلك، هو شأنه وحده.
لماذا لم يستطع كتاب الفانتازيا العرب تحقيق شهرة عالمية تشابه تلك التي حققها غيره من الكتاب في الغرب؟
كما أسلفت، لا نزال نحبو في الفانتازيا والخيال العلمي، لأنه لم يكن لنا تاريخ في تلك الأنواع من الكتابة، كان بعض المحظوظين الذين يقرأون بلغات مختلفة القدرة على الاستمتاع بهذا النوع من الكتابات، وحين حاولوا نقل التجربة كانت بمذاق غربي جدا، لم يرق للقارئ العربي. أما القارئ الغربي فلا يستقبل المساهمة العربية في هذا المجال، لأنه يملك في مكتبته وبلغته آلاف الروايات التي كتبها كتاب فانتازيا مخضرمون. ربما تغير ذلك الآن مع حركة الترجمة.