حرب إثيوبيا التي تناسب الجميع... هل يقلب البحر الأحمر المعادلة؟

للصمت المحيط بها مستويان، الأول يتعلق بمصلحة أديس أبابا نفسها، أما الثاني، فيرتبط بمصالح الأطراف الأخرى

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رجل يلوح بعلم إثيوبي وهو ينضم إلى آخرين متجمعين خلال مظاهرة دعما للقوات المسلحة الإثيوبية، أديس أبابا، إثيوبيا، في 22 أكتوبر 2022

حرب إثيوبيا التي تناسب الجميع... هل يقلب البحر الأحمر المعادلة؟

على مدى ثلاث سنوات، استمرت حرب أهلية على الضفة الغربية للبحر الأحمر، بعيدا عن الأضواء ودون أن تسترعي اهتماما يُذكر. ولم يكن الصمت المحيط بها وليد المصادفة، بل جرى تكريسه بما يخدم مصالح معظم دول المنطقة، وكذلك عواصم القوى الجيوسياسية الكبرى. غير أن العالم بأسره لا يستطيع تحمل تبعات هذا الصمت.

في الثالث والعشرين من سبتمبر/أيلول، استولت "قوات دفاع تيغراي" على مطارات ميكيلي وأكسوم وشاير. وفي إقليم أمهرة، تخوض هذه القوات، بحسب "رويترز"، معارك إلى جانب ميليشيا "فانو"، التي كانت قد وقفت في صف الحكومة الفيدرالية ضدها خلال الفترة بين عامي 2020 و2022. وامتدت الاشتباكات إلى إقليم عفار. وبعد طول تجاهل، بدأت الحرب تسترعي اهتمام "سي إن إن" و"فورين بوليسي" و"مجموعة الأزمات الدولية"، غير أن مجرد تناولها في نشرات الأخبار لا يعني أنها حظيت بالاهتمام الذي تستحقه.

حرب للسيطرة على العاصمة

لا تزال معظم وسائل الإعلام تصفهم بـ"متمردي تيغراي". وفي العشرين من سبتمبر/أيلول، أعلن زيميني كاسي، رئيس "حركة فانو الوطنية" في أمهرة، عن تأسيس "تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء". ويضم التحالف سبعة أطراف، من بينها "جبهة تحرير شعب تيغراي"، و"فانو"، و"جيش تحرير أورومو". ويقول التحالف إنه يحظى بدعم في ستة من أقاليم إثيوبيا الاثني عشر. ويهدف إلى الإطاحة برئيس الوزراء آبي أحمد وحزب "الازدهار" الذي يتزعمه، وتشكيل إدارة انتقالية، انطلاقا من أن البلاد باتت مهددة بالتفكك.

وما يحدث، في جوهره، حرب أهلية تدور رحاها من أجل السيطرة على أديس أبابا.

أ.ف.ب
أعضاء من "جبهة تحرير شعب تيغراي" يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي مع اشتداد التوترات في شمال إثيوبيا بعد سيطرة "متمردي تيغراي" على مطارات في الإقليم، في 23 سبتمبر 2026

عادة ما يُنظر إلى التمرد الانفصالي في الأطراف باعتباره شأنا داخليا، لكن حين تخوض معارضة موحدة حربا تمتد على مستوى البلاد، يصبح السؤال عن شرعية الحكومة مطروحا بقوة. غير أن وصف الصراع بأنه نزاع إقليمي ينجح، ببساطة، في حجب هذا السؤال. والتحالف نفسه هش؛ فقد كان "جيش تحرير شعب تيغراي" و"فانو" يقاتلان بعضهما بعضا بين عامي 2020 و2022. ومع ذلك، فهذه هي المرة الأولى التي تتوحد فيها ثلاث قوى مسلحة كبرى ضمن معسكر واحد.

الحرب التي سبقت الحرب

لا أحد يستطيع تحديد عدد الذين لقوا حتفهم بين عامي 2020 و2022 بدقة. فقدّر أولوسيغون أوباسانجو، وسيط الاتحاد الأفريقي آنذاك، عدد الضحايا بنحو 600 ألف شخص، وهو الشخص نفسه الذي طلب منه الاتحاد الأفريقي أخيرا التوسط مجددا. أما فريق من جامعة غنت، فيقدر أن عدد المدنيين الذين لقوا حتفهم في تيغراي وحدها تراوح بين 162 ألفا و378 ألفا، في حين تحدث مسؤولون إثيوبيون عن أقل من 100 ألف قتيل.

في الداخل، يخوض السيد آبي حربا؛ وفي الخارج، يعمل على بناء قوة إقليمية. ويتمثل هدفه الرئيس في الوصول إلى البحر، الذي فقدته إثيوبيا عندما استقلت إريتريا عام 1993

لكن الرقم الأكثر دلالة أصغر بكثير. ففي الفترة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2020 ويناير/كانون الثاني 2023، سجل مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها (ACLE)، وهو منظمة ترصد النزاعات، 9861 حالة وفاة مُبلغ عنها في تيغراي وعفار وأمهرة، من دون أن تشمل بياناتها الوفيات الناجمة عن الجوع. ومع ذلك، يقدر فريق غنت أن عدد المدنيين الذين قتلوا بشكل مباشر وحدهم تراوح بين 36 ألفا و60 ألفا، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف ونصف إلى ستة أضعاف العدد المسجل. أما بقية الضحايا، فقد ابتلعهم انقطاع الاتصالات.

أوقف "اتفاق بريتوريا" لعام 2022 الحرب في تيغراي، لكن بحلول ربيع 2023 كانت الحرب الأهلية قد انتقلت إلى أمهرة. ومنذ أن حاولت الحكومة نزع سلاح قوات "فانو"، وهي تخوض قتالا ضد الجيش الفيدرالي.

أ.ف.ب
سكان يتجمعون لشراء الدقيق ومنتجات غذائية أخرى في سوق محلي بميكيلي مع اندلاع قتال جديد بين "متمردي تيغراي" والحكومة الفيدرالية الإثيوبية، في 24 سبتمبر2026

ووفقا للأمم المتحدة، أسفرت 18 غارة بطائرات مسيرة شنها الجيش عن مقتل 248 مدنيا في أمهرة بين أغسطس/آب وديسمبر/كانون الأول 2023، فيما سُجل خلال العام نفسه مقتل 740 شخصا في انتهاكات لحقوق الإنسان في الإقليم.

وباستثناء "الجزيرة" ووسائل الإعلام الإثيوبية ومنظمات حقوق الإنسان، لم تحظ هذه الأحداث إلا بتغطية محدودة للغاية، ولم يتعامل معها أحد باعتبارها جزءا من حرب أهلية أوسع.

إسكات الشهود

لم يكن الصمت الذي أحاط بتلك الأحداث عفويا، بل جرى فرضه عمدا. فمنذ اليوم الأول للحرب، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، قطعت الحكومة خدمات الهاتف والإنترنت في تيغراي، واستمر انقطاع الاتصالات معظم سنوات الحرب.

وفقد مراسلو صحيفتي "نيويورك تايمز" و"ذي إيكونوميست" اعتماداتهم الصحافية.

أما الجهة الدولية المستقلة الوحيدة التي كانت تحقق في الانتهاكات، وهي اللجنة الدولية لخبراء حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بشأن إثيوبيا، فقد انتهى تفويضها في عام 2023. وكانت أديس أبابا قد ضغطت من أجل إنهاء عملها، فيما امتنعت هذه المرة المفوضية الأوروبية، التي كانت قد دعمت إنشاء اللجنة وتجديد تفويضها، عن طرح قرار بهذا الشأن.

ومنذ عام 2025، لم يعد هذا التضييق مجرد ممارسة، بل أصبح جزءا من القانون. فقد منحت تعديلات أُقرت في أبريل/نيسان من ذلك العام "هيئة تنظيم الإعلام" صلاحية مباشرة لتعليق التراخيص وسحبها. ومُنع مراسلان من "دويتشه فيله" كانا يغطيان الأحداث في تيغراي وأمهرة من ممارسة عملهما إلى أجل غير مسمى. وفي يونيو/حزيران، طُلب من أوغسطين باسيلي، مراسلة صحيفة "لاكروا" الفرنسية، مغادرة البلاد في اليوم نفسه الذي نُشر فيه تقريرها من "شاير" عن التجنيد القسري. وبعد ثلاثة أشهر، اندلعت الحرب، ووفقا لموقع "نت بلوكس"، عُزلت تيغراي عن العالم الخارجي مرة أخرى.

وللإنصاف، لم يبتكر السيد آبي أيا من هذه الأساليب. فقد لجأت الحكومات التي قادتها "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" أيضا إلى قطع الإنترنت واستخدام قوانين مكافحة الإرهاب في التضييق على الصحافة. فالسيطرة على المعلومات لغة يتقنها كل طرف في هذه الحرب.

طموحات أديس أبابا

في الداخل، يخوض السيد آبي حربا؛ وفي الخارج، يعمل على بناء قوة إقليمية. ويتمثل هدفه الرئيس في الوصول إلى البحر، الذي فقدته إثيوبيا عندما استقلت إريتريا عام 1993. وتدفع إثيوبيا نحو 1.5 مليار دولار سنويا لاستخدام موانئ جيبوتي.

أ.ف.ب
مقاتلون من ميليشيا "فانو" الأمهرية يقفون للتصوير في كنيسة القديس جرجس بلاليبيلا، ويعاني سكان المدينة الواقعة شمالي إثيوبيا، من وطأة الاحتلال لجماعة "جبهة تحرير شعب تيغراي"، في 7 ديسمبر 2021

أما مذكرة التفاهم التي وقعتها مع أرض الصومال عام 2024 بشأن ميناء بربرة، فقد أشعلت خلافا مع مقديشو. وعن خسارة ميناء عصب الإريتري، يقول السيد آبي: "إن الخطأ الذي اقترف بالأمس سوف يُصحح غدا"، فيما يصف الوصول إلى البحر بأنه "مسألة وجود". وإذا كان البحر هو الركيزة الأولى لطموحاته، فإن نهر النيل هو الركيزة الثانية. ففي عام 2025، افتتحت إثيوبيا سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي شيد رغم اعتراضات مصر.

إثيوبيا المنشغلة بحرب داخلية في تيغراي وأمهرة وأورومو لن تكون في موقع يسمح لها بالتحرك نحو البحر الأحمر، أو ممارسة ضغوط على مصر في قضية النيل

وفي الرابع والعشرين من سبتمبر/أيلول، أي بعد يوم واحد من بدء هجوم تيغراي، كان السيد آبي أحمد في جيبوتي، برفقة رئيسها إسماعيل عمر جيله ورجل الأعمال النيجيري أليكو دانغوتي، للمشاركة في وضع حجر الأساس لمشروع خط أنابيب للوقود تبلغ كلفته 660 مليون دولار. ولم تحُل الحرب الدائرة في الشمال دون إقامة مراسم وضع حجر الأساس.

لا أحد يحتاج إثيوبيا قوية

وفرت جائزة نوبل للسلام التي مُنحت للسيد آبي غطاء حال دون توجيه الانتقادات إليه لأكثر من عام، إلى أن ذكّرته لجنة نوبل، في يناير/كانون الثاني 2022، بمسؤوليته الخاصة عن إنهاء الحرب. واليوم، لا يزال الصمت مخيما على البلاد، لأن إثيوبيا ضعيفة وممزقة تخدم مصالح الجميع تقريبا.

في أكتوبر/تشرين الأول 2024، عقدت مصر وإريتريا والصومال قمة في أسمرة، ويرى محللون أن ما يجمع الدول الثلاث، قبل أي شيء آخر، هو موقفها المعادي لأديس أبابا.

فإثيوبيا المنشغلة بحرب داخلية في تيغراي وأمهرة وأورومو لن تكون في موقع يسمح لها بالتحرك نحو البحر الأحمر، أو ممارسة ضغوط على مصر في قضية النيل، أو امتلاك أوراق كثيرة للرد على تحركات إريتريا. وفي المقابل، تبدو جيبوتي المستفيد الهادئ من هذا الوضع؛ فمع غياب ميناء عصب، لا تملك إثيوبيا خيارا آخر سوى الاعتماد على جيبوتي.

أما العواصم البعيدة، فتجد هي الأخرى أن بقاء إثيوبيا على هذا الحال أمر مريح. فهي لم تسقط إلى حد دفع ملايين اللاجئين إلى الخارج، ولم تزد قوة إلى الحد الذي يتيح لها إعادة رسم خريطة المنطقة. والإدانة الصريحة للحرب تعني المطالبة بإنهائها، فيما قد يعيد السلام إلى أديس أبابا قوة ونفوذا لا يرغب كثيرون في أن تستعيدهما.

ولهذا، يبدو الوضع القائم أكثر ملاءمة لهم: إثيوبيا تخوض حربا، لكنها لا تسقط.

أ.ف.ب
جنود من قوات الدفاع الوطني الإثيوبية يهتفون بشعارات بعد إنهاء تدريبهم في ميدان دباط على بُعد 70 كيلومترا شمال شرقي مدينة غوندر، إثيوبيا، في 14 سبتمبر2021

أما الصين، فهي الاستثناء الذي لا يغيّر هذا المشهد شيئا. فعدم الاستقرار يلحق بها أضرارا كبيرة، لكنها لا تكترث بمن سينتصر. إنها تتعامل مع أي حكومة، وما تبنيه أو توفره، ستحتاج إليه أي حكومة تتولى السلطة في أديس أبابا.

تصدع أم تحول

قد يكون هذا الصمت مناسبا لأديس أبابا ولعدد من الأطراف الأخرى، لكنه غير مقبول بالنسبة إلى العالم الأوسع. فإثيوبيا هي ثاني أكبر دول أفريقيا من حيث عدد السكان، بنحو 139 مليون نسمة، وثاني أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، كما تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي. وقد يبدو الصمت خيارا عقلانيا لكل طرف على حدة، لكنه يصبح خطيرا حين تتبناه الأطراف جميعا.

ففي بلد بهذا الحجم، لا تمثل الحرب الأهلية مجرد شرخ في الأطراف، بل هي تحول يطال البنية الأمنية لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر بأكملها. وتزداد خطورة ذلك بحكم أن إثيوبيا تتشارك حدودها مع السودان، الذي يخوض حربه الخاصة، ومع الصومال.

البحر الأحمر

أما بالنسبة إلى دول الخليج، فالمخاطر أكثر مباشرة. فطرق التجارة وإمدادات الطاقة تمر عبر البحر الأحمر، حيث يهدد الحوثيون الملاحة فيه مجددا، فيما تمثل إثيوبيا القوة المهيمنة على ساحله الغربي. وفي يوليو/تموز، استضافت السعودية محادثات أفضت إلى تشكيل تحالف دولي للدفاع البحري ضم 14 دولة. فأمن البحر الأحمر يرتبط باستقرار الدول المطلة عليه، أما الإبقاء على توازن قائم على الضعف، فيقوض هذا الأمن تدريجيا.

للصمت المحيط بإثيوبيا مستويان. الأول يتعلق بمصلحة أديس أبابا نفسها. أما الثاني، فيرتبط بمصالح الأطراف الأخرى

يمكن إدارة الحروب التي لا تنتهي من بعيد، شريطة أن يظل لظاها محصورا داخل حدود أطرافها المتنازعة. لكن الحرب الإثيوبية بدأت بالفعل تتجاوز حدودها. فأديس أبابا تتهم أسمرة بدعم "جبهة تحرير شعب تيغراي"، وهو ما تنفيه إريتريا، فيما يتهم الجيش السوداني إثيوبيا بالسماح لـ"قوات الدعم السريع" بإقامة معسكرات داخل أراضيها.

للصمت المحيط بإثيوبيا مستويان. الأول يتعلق بمصلحة أديس أبابا نفسها، التي تحرص على ترسيخها بوسائل عملية وتقنية، من قطع الاتصالات وطرد المراسلين، وصولا إلى إنهاء عمل لجنة تابعة للأمم المتحدة. أما الثاني، فيرتبط بمصالح الأطراف الأخرى؛ فإثيوبيا الضعيفة تصب في مصلحة جيرانها وتناسب معظم الأطراف الأخرى.

لكن ما يبدو منطقيا لكل طرف على حدة، قد يتحول إلى خطر على الجميع. فقد أودت حرب 2020-2022 بحياة ما بين 162 ألفا و600 ألف شخص، ولم يصل إلى العالم سوى القليل عن حجم هذه الخسائر.

والحرب الجديدة تسير في المسار نفسه، إلى أن يفرض البحر الأحمر على العالم أن يلتفت إليها.

font change

مقالات ذات صلة