لا يمكن النظر إلى تجدد القتال في غرب تيغراي بوصفه انفجارا مفاجئا للتوتر. فالاشتباكات التي اندلعت بين القوات الفيدرالية الإثيوبية من جهة، وجبهة تحرير شعب تيغراي من جهة أخرى، ترتبط بأسباب مباشرة وملحة، لكن جذورها تتجاوز التطورات الميدانية الراهنة. إذ تكمن في اختلالات سياسية وإقليمية ومؤسسية مزمنة رافقت اتفاق بريتوريا الهش لوقف الأعمال العدائية منذ توقيعه عام 2022.
تُعدّ حرب تيغراي، التي اندلعت بين عامي 2020 و2022، من أكثر الصراعات دموية في القرن الحادي والعشرين، سواء في القرن الأفريقي أو على الصعيد العالمي. وقد أودت بحياة مئات الآلاف، ودفعت أعدادا هائلة من السكان إلى النزوح عن ديارهم.
وقد وضع اتفاق بريتوريا حدا للقتال واسع النطاق، وألزم جبهة تحرير شعب تيغراي بالتخلي عن أسلحتها الثقيلة والقبول بإدارة إقليمية مؤقتة.
وفي المقابل، تعهدت الحكومة الفيدرالية بإعادة الخدمات الأساسية، وتسهيل عودة النازحين إلى ديارهم، والعمل على تسوية النزاعات الإقليمية.
في الواقع، لم تجد القضايا الجوهرية طريقها إلى الحل. فقد ظلت منطقة غرب تيغراي، التي سيطرت عليها خلال الحرب قوات من أمهرة- بينها قوات فانو وحلفاؤها الذين ارتبطوا آنذاك بتحالف وثيق مع الحكومة الفيدرالية- خاضعة لسيطرتهم الفعلية.
ولم يتمكن مئات الآلاف من المدنيين التيغراويين الذين فروا من ديارهم من العودة إليها، ما رسخ شعورا عميقا ومزمنا بالاستياء.
كما رفضت جبهة تحرير شعب تيغراي المجلس الإقليمي الذي شُكّل خلال الحرب. وفي مايو/أيار من هذا العام، أعادت تشكيل المجلس الذي كان قائما قبل الحرب، وأعلنت توليها رئاسة الإقليم للفترة 2025-2026.
همّشت هذه الخطوة الإدارة المؤقتة المعترف بها اتحاديا، وتركت مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي، أمام سلطتين متنافستين: إحداهما تحظى بتأييد شعبي وحزبي، لكنها تفتقر إلى الاعتراف الاتحادي؛ والأخرى تتمتع بالسلطة القانونية، لكنها تفتقر إلى الشرعية المحلية.
واتهم مسؤولون تيغراويون الحكومة الفيدرالية مرارا بفرض حصار اقتصادي طويل الأمد، وتقييد وصول الوقود والمساعدات، وحجب الرواتب، وتنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة على مواقعهم، فضلا عن تعمد عرقلة عودة النازحين إلى غرب تيغراي.
كيف بدأ القتال
عمّق استبعاد جبهة تحرير شعب تيغراي من الانتخابات العامة التي أُجريت في يونيو/حزيران من هذا العام شعور سكان الإقليم بالتهميش السياسي.
وجاء هذا القرار في سياق جملة من المخالفات التي شابت الاقتراع، الذي منح "حزب الازدهار" بزعامة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ولاية جديدة مدتها خمس سنوات.
وتُعد الاشتباكات التي اندلعت في وقت سابق من هذا الشهر في غرب تيغراي، قرب الحدود السودانية، من أخطر المواجهات التي شهدها الإقليم منذ عام 2022.
وسرعان ما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن اندلاع القتال. إذ قالت جبهة تحرير شعب تيغراي إن القوات الفيدرالية بدأت الهجوم، فيما أكدت القوات الفيدرالية الإثيوبية أن قوات تيغراي هي التي أطلقت النار أولا.
وأفادت تقارير إعلامية باستخدام المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة في الاشتباكات، مشيرة إلى أن بعض الوحدات التيغراوية المشاركة سبق أن نفذت عمليات عبر الحدود داخل السودان.
وفرّ بالفعل مئات المدنيين إلى السودان، الذي يشهد بدوره حربا أهلية دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية.
لم تندلع هذه الجولة الجديدة من القتال من فراغ، بل سبقتها أشهر من التوتر المتصاعد، أعادت خلالها جبهة تحرير شعب تيغراي حشد صفوفها وتجنيد عناصر جديدة، فيما صعّد الطرفان لهجتهما في الخطاب العلني.
ولا يبدو أن أيا من الجانبين يسعى إلى تكرار الحرب الشاملة التي دارت بين عامي 2020 و2022، رغم احتفاظ كليهما بالقدرة والدافع لاستخدام القوة بصورة محدودة بهدف تعزيز موقعه في أي مفاوضات مقبلة.
ومع ذلك، يظل سوء التقدير الخطر الأكثر إلحاحا. فإذا توغلت قوات تيغراي أكثر في المناطق المتنازع عليها، أو حاولت القوات الفيدرالية استعادة السيطرة على ميكيلي والطرق الرئيسة، فقد تتسع رقعة المواجهات.
وعندها قد تنخرط قوات إقليمية أخرى في الصراع، ما يزيد الضغوط على الجيش الإثيوبي، الذي يواجه بالفعل حركات تمرد عدة في مناطق أخرى من البلاد.

