ترمب وشي… هدنة فوق برميل بارود اقتصادي

الرسوم الجمركية والمعادن النادرة وتايوان والذكاء الاصطناعي ملفات شائكة تهدد استقرار الهدنة

أ.ف.ب/المجلة
أ.ف.ب/المجلة

ترمب وشي… هدنة فوق برميل بارود اقتصادي

يلتقي الزعيم الصيني شي جين بينغ مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، في زيارة تستمر حتى 25 من الشهر، وهي القمة الثانية بين الرجلين في أقل من نصف عام.

على الطاولة ملفات ملتهبة، من الرسوم الجمركية إلى الذكاء الاصطناعي، والمعادن النادرة والزراعة والغذاء. ومن حرب أوكرانيا وإيران إلى ملف تايوان وبحر الصين.

يواجه البلدان ضغوطا اقتصادية وتكنولوجية وتجارية، لكل منها أسبابها وظروفها، لكنهما يحتاجان معا إلى "استراحة محارب" واعتماد مبدأ الاستقرار الاستراتيجي، ريثما يهدأ غبار التوترات الإقليمية والدولية.

قمة ترمب - شي جي بينغ الثانية

الحفاوة التي أحاطت بقمة واشنطن، والعشاء الرسمي الذي أقامه ترمب لشي، لم يخفيا استمرار الخلافات بين البلدين حول ملفات مصيرية. فالاقتصاد يظل في قلب العلاقة: تواجه الولايات المتحدة تحدي الحفاظ على قاعدتها الصناعية في مواجهة المنافسة الصينية، فيما لا تزال الصين في حاجة إلى السوق الأميركية، إذ حققت بكين فائضا تجاريا في السلع بنحو 91.2 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026. وبلغت واردات الولايات المتحدة من الصين 156.4 مليار دولار، مقابل صادرات أميركية إلى الصين بقيمة 65.2 مليار دولار، وفق بيانات مكتب الإحصاء الأميركي.

وبعد نحو عام ونصف العام من التصعيد الجمركي بين واشنطن وبكين، لم تُحسم الخلافات التجارية الأساس بين أكبر اقتصادين في العالم، فيما أضافت حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز ضغوطا جديدة على التجارة والطاقة والأسعار. فقد أدى اضطراب الملاحة عبر المضيق إلى صدمة في أسواق الطاقة، ورفع البنك الدولي توقعاته للتضخم العالمي إلى 4 في المئة في 2026، محذرا من أن استمرار اضطرابات الطاقة مصحوبا بضغوط مالية قد يخفض النمو العالمي إلى 1.3 في المئة.

وتواجه الصين في الوقت نفسه ضغوطا داخلية، أبرزها استمرار أزمة القطاع العقاري وارتفاع مستويات الدين وضعف الطلب المحلي، وهي عوامل يرى صندوق النقد أنها قد تكبح النمو. وفي أحدث توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يتجه الاقتصاد الأميركي إلى نمو بنحو 2.2 في المئة في 2026، مقابل 4.5 في المئة للصين، وهي معدلات تقل كثيرا عن سنوات الطفرة الصينية.

حققت بيكين فائضا تجاريا في السلع بنحو 91.2 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026. وبلغت واردات الولايات المتحدة من الصين 156.4 مليار دولار، مقابل صادرات أميركية إلى الصين بقيمة 65.2 مليار دولار

ومع ذلك، يصعب اختزال التحول الصيني في تباطؤ النمو الحالي. فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للصين بالأسعار الجارية من نحو 1.22 تريليون دولار في 2000 إلى 19.63 تريليون دولار في 2025، وفق بيانات "ستاتيستا"، في واحدة من أسرع عمليات التوسع الاقتصادي التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال ربع قرن. 

هدنة الاستقرار الاستراتيجي

تضع نتائج القمة الأميركية-الصينية البلدين أمام مسؤولية استثنائية تجاه استقرار الاقتصاد العالمي، إذ يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للولايات المتحدة والصين مجتمعين نحو 53 تريليون دولار في 2026، أي ما يقارب 42 في المئة من الناتج العالمي. فاستمرار التصعيد التجاري، أو عودة القيود على تصدير المعادن النادرة، أو اتساع القيود المتبادلة على تقنيات الذكاء الاصطناعي والرقائق، لن تبقى محصورة في العلاقة الثنائية، بل يمكن أن يمتد أثرها إلى سلاسل الإمداد والأسعار والاستثمار في بقية العالم. وقد أظهرت القيود الصينية السابقة على المعادن النادرة مدى حساسية الصناعات العالمية لهذه السلاسل، فيما أصبحت الرقائق والذكاء الاصطناعي محورا آخر في التنافس التكنولوجي بين البلدين.

ديانا إستيفانيا روبيو

ويمكن اعتبار خيار إقامة"علاقة بناءة واستقرار إستراتيجي" هدنة مطلوبة عالميا، واستراحة محارب، إلى حين الانتهاء من إسكات البنادق في الشرق الأوسط وأوكرانيا. 

وفي الأسابيع التي سبقت القمة، كثّف شي جين بينغ تحركاته الديبلوماسية في آسيا والشرق الأوسط، في جولة عكست اتساع شبكة شراكات بكين خارج الإطار الغربي.

فبين 30 أغسطس/آب و3 سبتمبر/أيلول، زار الرئيس الصيني قيرغيزستان ومصر، وحضر قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، قبل أن يشارك في قمة "بريكس" في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر/أيلول. في المقابل، زار الرئيس الأميركي دونالد ترمب أيرلندا يومي 12 و13 سبتمبر/أيلول، في تحرك أوروبي سبق قمته مع شي في واشنطن. 

بعد نحو عام ونصف العام من التصعيد الجمركي بين واشنطن وبكين، لم تُحسم الخلافات التجارية الأساس بين أكبر اقتصادين في العالم، فيما أضافت حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز ضغوطا جديدة على التجارة والطاقة والأسعار

لكن العلاقة ليست على ما يرام مع الاتحاد الأوروبي في شأن مقاربة الحرب في أوكرانيا، فيما اتسعت في الأيام الأخيرة دائرة التوتر مع كندا. فقد فتحت المفوضية الأوروبية الباب أمام العمل على منح أوتاوا وضع "عضو منتسب" للاتحاد الأوروبي، في صيغة جديدة لم تُعرَّف بعد ولم تكن موجودة في معاهدات الاتحاد، بينما سارعت كندا إلى التأكيد أنها لا تسعى إلى عضوية كاملة، وإنما إلى "تحالف فريد" مع بروكسيل. ويأتي هذا التقارب في وقت تتواصل فيه الحرب التجارية بين واشنطن وأوتاوا، بما في ذلك الرسوم الأميركية على بعض السيارات وقطعها الكندية. 

خيارات ترمب المحدودة 

قال الرئيس ترمب في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن الولايات المتحدة "عادت قوية اقتصاديا وعسكريا"، مؤكدا أن الجيش الأميركي هو "الأقوى في العالم". كما عرض موقفه من إيران باعتباره خيارا بين التوصل إلى اتفاق أو مواجهة مزيد من التصعيد، محذرا من أن الولايات المتحدة يمكن أن "تقضي على" إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام.

وفي هذه المرحلة المضطربة، تبدو دعوة بكين إلى خفض التوتر وإدارة الخلافات ذات أهمية بالنسبة إلى مسار العلاقات الأميركية-الصينية. فقد أعلنت الصين أن أحد أهداف قمة واشنطن هو بناء "علاقة بنّاءة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي"، وتعزيز الحوار والتعاون وإدارة الخلافات بصورة صحيحة، وفق المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قوه جياكون.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشارك في اجتماع ثنائي موسع مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في قاعة الشعب الكبرى في بكين، الصين، 14 مايو 2026

وتدرك بكين أن استقرار البيئة الدولية يخدم مصالح اقتصادها، الذي توسع على مدى العقود الماضية عبر التجارة والاستثمار والاندماج في سلاسل القيمة العالمية. كما أن اضطرابات الشرق الأوسط، ولا سيما ما يطال إمدادات الطاقة والممرات البحرية، يمكن أن تنتقل سريعا إلى الاقتصاد العالمي عبر أسعار النفط والشحن والتضخم.

لكن أي هدنة أو استقرار استراتيجي بين واشنطن وبكين لا يعنيان توقف معركة التنافس في الصناعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتجارة. فالهدنة التجارية الحالية لا تزال هشة، ويرتبط استمرارها بتمديد الترتيبات القائمة التي ينتهي أجلها في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، فيما تبقى الرسوم الأميركية مرتفعة على قطاعات صينية استراتيجية، بما فيها السيارات الكهربائية. وكانت الولايات المتحدة قد رفعت الرسوم الإضافية على السيارات الكهربائية الصينية إلى 100 في المئة في 2024.

أحد أهداف قمة واشنطن هو بناء "علاقة بنّاءة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي"، وتعزيز الحوار والتعاون وإدارة الخلافات بصورة صحيحة

المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قوه جياكون

وفي الوقت نفسه، لا تزال القيود الصينية على صادرات المعادن النادرة إحدى أهم أوراق الضغط في العلاقة التجارية. وتسيطر الصين على ما يصل إلى 70 في المئة من تعدين العناصر الأرضية النادرة وأكثر من 85 في المئة من تكريرها وإنتاج المعادن منها، مما يجعل أي تشديد للقيود أو تأخير في إصدار تراخيص التصدير مصدر خطر على قطاعات التكنولوجيا والدفاع الأميركية. وقد أكدت بكين وواشنطن أن ملف المعادن النادرة سيكون من القضايا الرئيسة في مفاوضات القمة، فيما ينتهي الإطار الحالي للهدنة التجارية في 10 نوفمبر/تشرين الثاني.

رويترز
رجل ينظر إلى عينات من مواد مضيئة مصنوعة من العناصر الأرضية النادرة، معروضة في قسم إنتاج العناصر الأرضية النادرة ضمن معرض إنجازات الصين الصناعية في المتحف الوطني في بكين، الصين، 24 مارس 2026

وهكذا تبدو القيود التجارية والتكنولوجية والمعادن النادرة أشبه بـ"سيف ديموقليس" معلق فوق الهدنة الأميركية-الصينية: قد ينجح الطرفان في إدارة التنافس، لكنهما لم يزيلا بعد الأدوات التي يمكن أن تعيد إشعال الحرب التجارية.

بين الدولة الهندسية والمجتمع القانوني

يُنظر إلى الصين الحديثة في بعض الأدبيات بوصفها "دولة المهندسين"، في إشارة إلى الدور الذي لعبه التعليم الهندسي والتفكير التقني في مسارها الصناعي والتكنولوجي. وقد ارتبط هذا التوجه باستثمارات ضخمة في التصنيع والبنية التحتية والبحث والتطوير، في مسار تشكل أيضا تحت تأثير تاريخ طويل من التحديات الداخلية والضغوط الخارجية.

ولافت أن اثنين من أبرز قادة الصين في العقود الأخيرة تخرجا من جامعة تسينغهوا. فقد درس الرئيس شي جين بينغ الهندسة الكيميائية، فيما درس سلفه هو جينتاو الهندسة الهيدروليكية، قبل أن يتولى رئاسة الصين بين عامي 2003 و2013.

وتلعب الجامعات دورا كبيرا في دعم الاقتصاد الصيني، من خلال توفير الكوادر في مجالات العلوم والهندسة والتكنولوجيا وغيرها من التخصصات التطبيقية. ويقدّر موقع "سيليكت يور يونيفرسيتي دوت كوم" (SelectYourUniversity.com) أن الصين تخرّج أكثر من 1.5 مليون مهندس سنويا، مما يضعها في المرتبة الأولى عالميا، تليها الهند ثم روسيا والولايات المتحدة. 

في المقابل، تتميز الولايات المتحدة بثقافة راسخة في ريادة الأعمال والاستثمار، وقاعدة علمية وبحثية واسعة، مما جعلها تتصدر دول العالم من حيث عدد جوائز نوبل الفائزة بها . ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 90 ألف دولار وفق بيانات 2025، ويُتوقع أن يقترب من 100 ألف دولار في 2026. كما تمتلك الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي (32.38 تريليون دولار)، وأكبر إنفاق عسكري (بلغ إنفاقها العسكري نحو 954 مليار دولار في 2025، أي 33 في المئة من الإنفاق العسكري العالمي)، فيما يحتل الدولار ومراكزها المالية موقعا محوريا في النظام المالي العالمي. 

يُنظر إلى الصين الحديثة في بعض الأدبيات بوصفها "دولة المهندسين"، في إشارة إلى الدور الذي لعبه التعليم الهندسي والتفكير التقني في مسارها الصناعي والتكنولوجي

من ناحية أخرى، تشكل سيادة القانون والحقوق والحريات الفردية ركائز أساسية في النظام السياسي الأميركي، في ارتباطٍ وثيق بتاريخ نشأة الجمهورية ودستورها. كما كان للمحامين حضور لافت في تاريخ الرئاسة الأميركية، إذ كان 26 رئيسا أميركيا محامين، من جون آدامز وتوماس جيفرسون إلى أبراهام لينكولن وبيل كلينتون وباراك أوباما.

تشاينا ديلي عبر رويترز
لقطة جوية بطائرة مسيّرة تُظهر سيارات كهربائية مخصصة للتصدير وحاويات في أحد الموانئ بمدينة شنغهاي الصينية، 13 أبريل 2025

يحتل الاقتصاد والتكنولوجيا موقعا محوريا في التنافس بين واشنطن وبكين، إلى جانب اعتبارات الأمن والجغرافيا السياسية. ويطرح دان وانغ، الباحث في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، في كتابه "بسرعة قياسية: سعي الصين إلى هندسة المستقبل" (Breakneck: China's Quest to Engineer the Future)، إطارا مختلفا لفهم البلدين. فهو يصف الصين بأنها "دولة هندسية" تركز على التنفيذ والمشروعات الكبرى، في مقابل الولايات المتحدة التي يصفها بأنها "مجتمع قانوني" (lawyerly society). 

في البداية كانت التكنولوجيا أميركية

لم يكن وادي السيليكون مركزا تكنولوجيا بالمعنى الذي نعرفه اليوم، بل كان جزءا من وادي سانتا كلارا في كاليفورنيا، الذي اشتهر ببساتين الفاكهة حتى منتصف القرن العشرين. ومع نمو جامعة ستانفورد ودورها في ربط البحث العلمي بالصناعة، ثم صعود شركات الإلكترونيات وأشباه الموصلات، بدأت المنطقة تتحول تدريجيا إلى أحد أهم مراكز الابتكار التكنولوجي في العالم. وكان فريدريك تيرمان، أستاذ الهندسة وعميدها في ستانفورد، من أبرز الشخصيات التي أسهمت في بناء هذا النظام، وشجّع طلابه وخريجي الجامعة على تأسيس شركات في المنطقة، من بينها Hewlett-Packard.

ومع ظهور شركات مثل "إنتل" (Intel) و"آبل" (Apple) ثم "غوغل" (Google) و"فيسبوك" (Facebook)، التي أصبحت "ميتا" (Meta) لاحقا، و"إنفيديا" (Nvidia) وغيرها، ترسخت مكانة المنطقة كمركز عالمي للتكنولوجيا وريادة الأعمال ورأس المال الجريء. وتضم منطقة وادي السيليكون اليوم مقار عدد كبير من شركات التكنولوجيا الكبرى، بينها "آبل" و"ألفابيت" (Alphabet) و"ميتا" و"إنفيديا" و"إنتل" و"أيتش بي".

وتبرز كاليفورنيا كإحدى أهم وجهات الطلاب الآسيويين في الولايات المتحدة. ففي 2023-2024 وحدها استقبلت أكثر من 51 ألف طالب صيني و28 ألف طالب هندي، إلى جانب آلاف الطلاب من كوريا الجنوبية وتايوان. 

يحتل الاقتصاد والتكنولوجيا موقعا محورياً في التنافس بين واشنطن وبكين، إلى جانب اعتبارات الأمن والجغرافيا السياسية

ولعبت جامعات أميركية مثل ستانفورد وبيركلي في كاليفورنيا دورا محوريا في بناء منظومة الابتكار التي أسهمت في تحول الاقتصاد الأميركي من اقتصاد تقوده الصناعة التقليدية إلى اقتصاد أكثر اعتمادا على التكنولوجيا والابتكار، وصولا إلى الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي. واستند هذا المسار إلى تفاعل الجامعات ومراكز البحث والشركات ورأس المال الجريء، إلى جانب التمويل الحكومي، مع ثقافة تقوم على التجريب وتقبّل الفشل بوصفه جزءا من عملية التعلم والتصحيح.

المنافسة الصينية في الذكاء الاصطناعي

يواجه التفوق التكنولوجي الأميركي اليوم صعود منظومة ابتكار صينية واسعة، تتوزع بين هايديان في بكين وشنتشن وهانغتشو وغيرها، حيث تتسابق آلاف الشركات لتطوير البنية التحتية للحوسبة، والنماذج اللغوية الكبيرة، والذكاء الاصطناعي المتجسد والروبوتات، في محاولة لدمج "العقل" البرمجي مع "الجسد المادي". 

وعلى الرغم من السبق الأميركي في تطوير هذه التكنولوجيات، فإن الاعتماد على سلاسل توريد عالمية شديدة التركز في شرق آسيا يظل أحد مكامن الضعف الاستراتيجي. فالولايات المتحدة تتفوق في تصميم الرقائق، لكن تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة يتركز بدرجة كبيرة في تايوان وكوريا الجنوبية، حيث تلعب "تي أس أم سي" (TSMC) و"سامسونغ" دورا محوريا في المنظومة العالمية. وتستخدم شركات أميركية كبرى، بينها "آبل" و"إنفيديا" و"أيه أم دي" (AMD)، قدرات التصنيع المتقدمة لدى "تي أس أم سي".

أ.ف.ب
مصنع شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (TSMC) في نانجينغ، بمقاطعة جيانغسو، شرق الصين، 6 أغسطس 2025

ومن هنا تكتسب تايوان أهمية تتجاوز الجغرافيا السياسية، لتصبح جزءا من معادلة الأمن التكنولوجي للولايات المتحدة. فأي اضطراب كبير في مضيق تايوان يمكن أن ينعكس على إمدادات الرقائق التي تقوم عليها صناعة الذكاء الاصطناعي الأميركية. وفي محاولة لتقليص هذا الانكشاف، بدأت "تي أس أم سي" الإنتاج الكمي في أريزونا منذ أواخر 2024، وتوسّع استثماراتها هناك لتطوير قدرات تصنيع متقدمة، فيما لا تزال بعض حلقات سلسلة القيمة، مثل التغليف المتقدم وذاكرة "إتش بي أم" تعتمد بدرجة كبيرة على آسيا. 

التمويل المزدوج الاتجاهات

يُتوقع أن تنمو سوق الدوائر المتكاملة في الولايات المتحدة من نحو 172 مليار دولار في 2025 إلى 330 مليار دولار في 2035، مدفوعة بتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة العالية الأداء، إلى جانب الاستثمارات في إعادة تصنيع الرقائق داخل الولايات المتحدة. وفي المقابل، يرفض الرئيس دونالد ترمب الدعوات إلى إبطاء سباق تطوير الذكاء الاصطناعي، متمسكا بسياسة تقوم على تسريع الابتكار والاستثمار والبنية التحتية اللازمة للحفاظ على الريادة الأميركية في هذا المجال. ويأتي ذلك وسط نقاش متصاعد داخل قطاع التكنولوجيا حول مخاطر تسارع قدرات النماذج والوكلاء الذكيين، وما إذا كان ينبغي أن تواكب وتيرة التطوير إجراءات أكثر صرامة للسلامة. 

وتتنافس الصين والولايات المتحدة على بناء وتطوير سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي بشكل منفصل لدواعي علمية وحماية الملكية الفكرية. لكن المستثمرين من الجانبين يبحثون عن الربح المالي والتجاري بغض النظر عن التحذيرات الحكومية. 

رويترز
موظف يرتدي معدات لتتبع الحركة ويستخدم وحدة تحكم لتشغيل روبوت وتنفيذ مهام في مركز تدريب البيانات بمقر شركة "سبيريت أيه آي" (Spirit AI) في بكين، الصين، 17 سبتمبر 2026

وفي مفارقة تكشف مدى تشابك الاقتصادين، واصلت "وول ستريت" تمويل شركات التكنولوجيا الصينية، في وقت تتدفق فيه رؤوس أموال صينية إلى قطاع التكنولوجيا الأميركي. وعملت بنوك "وول ستريت" كمديري دفاتر في 19 صفقة صينية في أسواق رأس المال للأسهم، بلغت قيمتها الإجمالية 17.2 مليار دولار منذ بداية 2026، أي نحو 30 في المئة من إجمالي إصدارات قطاع التكنولوجيا الفائقة في الصين، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن. وفي الاتجاه المقابل، ارتفعت استثمارات المستثمرين الصينيين في الأسهم الأميركية، ولا سيما شركات أشباه الموصلات والتكنولوجيا، في مشهد يعكس استمرار التشابك المالي بين القوتين رغم محاولات واشنطن وبكين بناء منظومتين تكنولوجيتين أكثر استقلالا. 

السيارات الكهربائية

قبل مئة عام، كان قطاع السيارات يمثل القوة الصناعية الأميركية المتميزة، بعلامتها التجارية، من بينها "فورد"، و"شيفروليه كرايسلر"، و"جنرال موتورز"، التي كانت ترمز إلى القوة والمتانة والفخامة. 

لكن هذه الصناعة تراجعت أمام منافسيها الصاعدين من شرق آسيا، خاصة اليابان وكوريا الجنوبية والصين حديثا. 

وفي عام 2025، وفّرت شركات صناعة السيارات الصينية 60 في المئة من مبيعات السيارات الكهربائية عالميا، مقابل نحو 15 في المئة لشركات صناعة السيارات الأوروبية، ونسبة مماثلة تقريبا لشركات صناعة السيارات في أميركا الشمالية، وفق وكالة الطاقة الدولية. 

وتجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية عالميا 20 مليون سيارة في 2025، بزيادة تقارب 20 في المئة عن العام السابق، لتشكل نحو ربع مبيعات السيارات الجديدة.

وسجلت أوروبا أقوى نمو بين الأسواق الرئيسة، بزيادة تجاوزت 30 في المئة ، فيما ظلت حصة السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة أقل بقليل من 10 في المئة. وفي الأسواق الناشئة، تضاعفت المبيعات أكثر من مرة في جنوب شرق آسيا، بينما نمت في أميركا اللاتينية بنسبة 75 في المئة. وسجلت أكثر من 100 دولة نموا في مبيعات السيارات الكهربائية، في وقت رسخت فيه الصين موقعها كمركز رئيس لصناعة السيارات الكهربائية وسلاسل توريدها. 

font change

مقالات ذات صلة