التوتر بين إثيوبيا وإريتريا... حرب محتملة قيد التشكل

حريق موسع على حدود ثلاث دول

أ.ب
أ.ب
لاجئون عند الحدود بين تشاد والسودان قبل توجههم إلى مخيم تين للعبور في ولاية وادي فارا التشادية، 4 مايو 2025

التوتر بين إثيوبيا وإريتريا... حرب محتملة قيد التشكل

سبع دول تُطوّق السودان، وكلها تدفع ثمن حربه يومياً: لاجئون على حدودها، وأمن مُتآكل، واقتصاد ينزف. لكن إثيوبيا وإريتريا لا تكتفيان بدفع الثمن؛ فهما تُديران الحرب بحساب، كلٌّ منهما تدعم طرفاً على حساب السودان. وما يزيد المشهد خطورةً أن الدولتين لم تبردا من حربهما السابقة، واحتمال اندلاعها من جديد لم يختفِ.

والأخطر أن هذا التدخل المزدوج لا يُغذّي الحرب السودانية فحسب، بل يُراكم وقوداً لمواجهة إقليمية أوسع، قد يكون السودان المُنهك شرارتها ووقودها في آنٍ واحد.

ثمة سيناريو قريب جدا: أن تلتحم جبهتا السودان وتيغراي في حرب إقليمية واحدة. تقارير تُشير إلى أن أبناء البني عامر في شرق السودان مستعدون للقتال إلى جانب إريتريا ضد إثيوبيا، يحدوهم عداء تاريخي ضارب في القِدَم. وإن وقع ذلك الانزلاق، فأديس أبابا لن تقف مكتوفة اليدين؛ مزيد من الدعم لـ"الدعم السريع" و"الحركة الشعبية-شمال" هو ردّها المرجَّح. في المقابل، قد يلجأ "الدعم السريع" إلى مسيّرات بعيدة المدى لقطع خطوط الإمداد من بورتسودان إلى إريتريا وتيغراي. والحريق السوداني يكبر، وحدوده باتت تضيق عليه.

إثيوبيا: البحر الأحمر والحدود وحرب تيغراي

السلوك الإثيوبي تجاه السودان يصبح أكثر وضوحاً باستحضار هشاشة إثيوبيا الداخلية؛ دولة مُجهَدة من حرب تيغراي، تواجه تمردات متعددة، وسد النهضة، وبحث دائم عن مخرج بحري يعوّض عن أزماتها الداخلية. السودان، من هذه الزاوية، يتحول لورقة ضغط.

في بداية الحرب جمعت إثيوبيا قوات سياسية مدنية في أراضيها منها "صمود" وقائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو، والذي نتج عنه اتفاق أديس أبابا الذي يُعتبر النواة التي تكونت بها حكومة "تأسيس" شكّلها "الدعم السريع" من قياداته وبعض المدنيين وقادة الحركات المسلحة الذين كانوا ضمن مجموعة "صمود"، ومنهم من كانوا شركاء للجيش في الحكومة السودانية قبل الحرب.

وقد توقع بعض المراقبين أن الموقف الإثيوبي في طور التحول حين زار آبي أحمد بورتسودان مقر الحكومة السودانية المؤقت، وطرح مبادرة وساطة بين الخرطوم وأبوظبي لتخفيف حدة التوترات المتصاعدة. بيد أن هذه الإشارة الدبلوماسية لم تلبث أن كشف ما تلاها من تحركات ميدانية أنها لم تكن تعبيراً عن موقف حقيقي بقدر ما كانت مناورة في سياق أوسع.

ففي مطلع مارس/آذار 2026، حذّرت الخارجية السودانية إثيوبيا رسمياً من مواصلة "سلوكها العدواني" بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق هجمات بالمسيّرات، مؤكدةً احتفاظها بحق الرد- وهو اتهام يمثّل سابقة أولى من نوعها في تاريخ العلاقات بين البلدين. فإثيوبيا تستضيف معسكراً تدريبياً لآلاف العناصر من "قوات الدعم السريع" في المنطقة الحدودية بين ولاية النيل الأزرق السودانية وإقليم بني شنقول-قماز الإثيوبي، وقد رصدت تقارير طائرات مسيّرة تنطلق من أرضها لقصف مناطق بين الدامازين ومحلية كورمك، وهو ما دفع الحكومة السودانية لإصدار بيانها.

وفي الوقت ذاته تدّعي إثيوبيا القلق من وجود قوات "جبهة تحرير التيغراي" التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني. كلٌّ يتهم الآخر بالتدخل في حرب الآخر.

هذه الإشارة الدبلوماسية لم تلبث أن كشف ما تلاها من تحركات ميدانية أنها لم تكن تعبيراً عن موقف حقيقي بقدر ما كانت مناورة في سياق أوسع

إريتريا: موقف واضح دون إعلان

في المقابل، تسير إريتريا في الاتجاه المعاكس داعمةً الجيش السوداني، لكن الحقيقة أعمق من الخطاب الرسمي الذي يُقدّم هذا الدعم باعتباره "وقوفاً مع الشعب السوداني". الأرقام والمواقع وحدها تكشف حجم الانخراط: فهناك ستة معسكرات تدريب موزّعة في إقليم القاش بركة، ثلاثة منها في منطقة مهيب، وأخرى في محيط قرية تمرات الحدودية المقابلة لولاية كسلا، وواحد في منطقة قرمايكا على الشريط الحدودي مع السودان. تضم هذه المعسكرات خمس مجموعات مسلحة من شرق السودان وسادسة من دارفور، وتشمل مجموعات البجا و"حركة تحرير السودان" بقيادة حاكم دارفور مني أركو ميناوي، فضلاً عن "حركة تحرير شرق السودان" التي عقدت أول مؤتمراتها في مايو/أيار 2024 برعاية إريترية كاملة على أراضي تمرات، ويُقدَّر عدد مقاتليها اليوم بنحو ألفَي مقاتل من قبيلتَي البني عامر والحباب. وقد حظي هذا الدعم بغطاء سياسي رسمي حين زار رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان أسمرا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لإبرام اتفاقات أمنية وعسكرية.

في مارس 2026، دخلت هذه المنظومة مرحلة أكثر خطورة: مرحلة الانتشار الفعلي. كشفت مصادر عن تفاهمات تقضي بعودة هذه القوات إلى الداخل السوداني عقب عيد الفطر، بعد أن أكمل بعضها تدريب ثلاث دفعات على الأراضي الإريترية. وقد عادت قوات الأورطة الشرقية بالفعل وانخرطت في عمليات كردفان، فيما أعلنت خمس حركات تشكيل "التحالف الفيدرالي لقوى شرق السودان" في نهاية فبراير/شباط.

أ.ف.ب
لافتة شكر لإريتريا تمّ رفعها خلال مسيرة دعت إليها الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة في السودان في بورتسودان في 24 أبريل 2025

ولفهم جذور هذا الموقف، لا بد من استحضار اللحظة التي أدركت فيها إريتريا أن "قوات الدعم السريع" تسعى إلى تأسيس قاعدتين عسكريتين في شرق السودان، مع توظيف أبناء قبيلتَي البني عامر والبجة وقوداً بشرياً لهذا المشروع. عندئذٍ لم تعد القضية في نظر أسمرا مجرد دعمٍ لطرفٍ في حرب الجوار، بل باتت تهديداً وجودياً مباشراً: فشرق السودان تحت سيطرة "الدعم السريع" يعني حدوداً مفتوحة على قوة مسلحة تربطها علاقات وثيقة بإثيوبيا من جهة، وتمتد بذراع عسكرية نحو البحر الأحمر من جهة أخرى. في هذه المعادلة، تحوّلت الحرب السودانية من أزمة إقليمية إلى مسألة سيادة قومية إريترية بامتياز.

لا يقتصر القلق من الدور الإريتري على طبيعة الدعم نفسه، بل يمتد إلى منطلقاته وحساباته الاستراتيجية. فإريتريا تعتمد بدرجة ملحوظة على المنتجات الزراعية القادمة من شرق السودان، ولا سيما من منطقة القضارف والمناطق الحدودية المتاخمة لها. وأي اضطراب أمني أو تراجع في الإنتاج الزراعي في هذه المناطق سينعكس مباشرة على الأمن الغذائي داخل إريتريا، التي تفتقر إلى قاعدة زراعية كافية لتلبية احتياجاتها.

إلى جانب هذا البعد الاقتصادي، ثمة دافع سياسي وأمني أكثر وضوحاً يفسّر موقف أسمرة، يتمثل في سعي الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى منع تشكّل بيئة فوضوية على حدوده يمكن أن تتحول إلى ملاذ للخصوم أو الحركات المعارضة. فوجود جيش سوداني متماسك يضمن ,من وجهة نظره بقاء الدولة السودانية ككيان مركزي قادر على ضبط الحدود، ويحول دون انتقال عدوى الانهيار إلى الداخل الإريتري.

لفهم جذور هذا الموقف، لا بد من استحضار اللحظة التي أدركت فيها إريتريا أن "قوات الدعم السريع" تسعى إلى تأسيس قاعدتين عسكريتين في شرق السودان، مع توظيف أبناء قبيلتَي البني عامر والبجة وقوداً بشرياً لهذا المشروع

توتر متراكم: البحر الأحمر والحدود والتاريخ العالق

وهنا يتضح أن التنافس على النفوذ في السودان ليس إلا امتداداً لصراع أعمق بين البلدين. في أكتوبر/تشرين الأول 2024، شكّل أفورقي محور تحالف مع مصر والصومال مدفوعاً بالعداء المشترك لإثيوبيا، محيلاً هدنة 2018 إلى ذكرى. وفي فبراير 2025، أمرت إريتريا بتعبئة عامة في حين نشرت إثيوبيا قوات نحو الحدود، واتهم آبي أحمد القوات الإريترية للمرة الأولى بارتكاب مجازر في تيغراي.

وفي قلب هذا كله يقع البحر الأحمر؛ إذ يصف آبي أحمد الوصول إليه بأنه قضية "وجودية" لإثيوبيا، بينما تراه إريتريا تهديداً مباشراً لسيادتها على ميناء عصب. حين يتقابل "الوجودي" و"السيادي" في جملة واحدة، لا تبقى مساحة للحل الوسط.

نازحون سودانيون ينتظرون استلام مساعدات إنسانية في مخيم أبو النجا للنازحين بولاية القضارف، على بُعد نحو 420 كيلومتراً شرق العاصمة الخرطوم، في السادس من فبراير 2026

ثلاث سنوات من الحرب كشفت حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: لا أحد في المنطقة يريد إيقاف هذه الحرب بقدر ما يريد إدارتها لصالحه. الاتحاد الأفريقي يفتقر إلى الإرادة، والقوى الإقليمية الكبرى منخرطة بدرجات متفاوتة في تغذية الصراع، والمجتمع الدولي مشغول بأزمات أخرى تبدو أكثر إلحاحاً على شاشاته.

وعلى صعيد "الإيقاد"، اتهمت كلٌّ من السودان وإريتريا المنظمةَ بعدم الحياد؛ وقد انسحبت إريتريا منها في ديسمبر/كانون الأول 2025 في خطوة تعكس عمق الأزمة، فيما سبق للسودان أن جمّد مشاركته في مرحلة سابقة. ويكمن قلب الاتهام في أن وزير الخارجية الإثيوبي الأسبق، وركنه جبيه، يشغل منصب الأمين التنفيذي للمنظمة منذ عام 2019، مما يضع "الإيقاد" في موقع يصعب معه الادعاء بالحيادية في صراع تقف إثيوبيا طرفاً فيه وهو ما يُفقد المنظمة مصداقيتها بوصفها وسيطاً محتملاً.

والأخطر أن ما بدأ ترتيبات طارئة  ومعسكرات في إقليم القاش بركة، وتدريبا في النيل الأزرق، وفصائل تعبر الحدود تحوّل اليوم إلى حقائق ميدانية راسخة لها مصالح وأطراف وزخم مستقل. هذه الحقائق لا تنتظر قرارات الساسة، بل تسبقها وتُضيّق خياراتهم. وأي تسوية مستقبلية ستجد نفسها أمام منظومتَي وكالة متجذّرتَين لا يمكن تجاهلهما، وإلا باتت التسوية حبراً على ورق.

ما يُقلق أكثر من كل ما سبق ليس حرباً تُعلَن بقرار، بل انزلاقٌ لا يملك أحد زمامه. منظومتا التسليح والتدريب تتمددان في صمت، وآلاف المقاتلين باتوا يُحاذون حدود ثلاث دول، فيما تتصلّب التحالفات الإقليمية بين محورَي إريتريا وإثيوبيا. الحرب القادمة، إن جاءت، لن يُشعلها أحد بيده، بل ستشتعل لأن أحداً لم يعد قادراً على إطفائها.

font change

مقالات ذات صلة