سبع دول تُطوّق السودان، وكلها تدفع ثمن حربه يومياً: لاجئون على حدودها، وأمن مُتآكل، واقتصاد ينزف. لكن إثيوبيا وإريتريا لا تكتفيان بدفع الثمن؛ فهما تُديران الحرب بحساب، كلٌّ منهما تدعم طرفاً على حساب السودان. وما يزيد المشهد خطورةً أن الدولتين لم تبردا من حربهما السابقة، واحتمال اندلاعها من جديد لم يختفِ.
والأخطر أن هذا التدخل المزدوج لا يُغذّي الحرب السودانية فحسب، بل يُراكم وقوداً لمواجهة إقليمية أوسع، قد يكون السودان المُنهك شرارتها ووقودها في آنٍ واحد.
ثمة سيناريو قريب جدا: أن تلتحم جبهتا السودان وتيغراي في حرب إقليمية واحدة. تقارير تُشير إلى أن أبناء البني عامر في شرق السودان مستعدون للقتال إلى جانب إريتريا ضد إثيوبيا، يحدوهم عداء تاريخي ضارب في القِدَم. وإن وقع ذلك الانزلاق، فأديس أبابا لن تقف مكتوفة اليدين؛ مزيد من الدعم لـ"الدعم السريع" و"الحركة الشعبية-شمال" هو ردّها المرجَّح. في المقابل، قد يلجأ "الدعم السريع" إلى مسيّرات بعيدة المدى لقطع خطوط الإمداد من بورتسودان إلى إريتريا وتيغراي. والحريق السوداني يكبر، وحدوده باتت تضيق عليه.
إثيوبيا: البحر الأحمر والحدود وحرب تيغراي
السلوك الإثيوبي تجاه السودان يصبح أكثر وضوحاً باستحضار هشاشة إثيوبيا الداخلية؛ دولة مُجهَدة من حرب تيغراي، تواجه تمردات متعددة، وسد النهضة، وبحث دائم عن مخرج بحري يعوّض عن أزماتها الداخلية. السودان، من هذه الزاوية، يتحول لورقة ضغط.
في بداية الحرب جمعت إثيوبيا قوات سياسية مدنية في أراضيها منها "صمود" وقائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو، والذي نتج عنه اتفاق أديس أبابا الذي يُعتبر النواة التي تكونت بها حكومة "تأسيس" شكّلها "الدعم السريع" من قياداته وبعض المدنيين وقادة الحركات المسلحة الذين كانوا ضمن مجموعة "صمود"، ومنهم من كانوا شركاء للجيش في الحكومة السودانية قبل الحرب.
وقد توقع بعض المراقبين أن الموقف الإثيوبي في طور التحول حين زار آبي أحمد بورتسودان مقر الحكومة السودانية المؤقت، وطرح مبادرة وساطة بين الخرطوم وأبوظبي لتخفيف حدة التوترات المتصاعدة. بيد أن هذه الإشارة الدبلوماسية لم تلبث أن كشف ما تلاها من تحركات ميدانية أنها لم تكن تعبيراً عن موقف حقيقي بقدر ما كانت مناورة في سياق أوسع.
ففي مطلع مارس/آذار 2026، حذّرت الخارجية السودانية إثيوبيا رسمياً من مواصلة "سلوكها العدواني" بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق هجمات بالمسيّرات، مؤكدةً احتفاظها بحق الرد- وهو اتهام يمثّل سابقة أولى من نوعها في تاريخ العلاقات بين البلدين. فإثيوبيا تستضيف معسكراً تدريبياً لآلاف العناصر من "قوات الدعم السريع" في المنطقة الحدودية بين ولاية النيل الأزرق السودانية وإقليم بني شنقول-قماز الإثيوبي، وقد رصدت تقارير طائرات مسيّرة تنطلق من أرضها لقصف مناطق بين الدامازين ومحلية كورمك، وهو ما دفع الحكومة السودانية لإصدار بيانها.
وفي الوقت ذاته تدّعي إثيوبيا القلق من وجود قوات "جبهة تحرير التيغراي" التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني. كلٌّ يتهم الآخر بالتدخل في حرب الآخر.

