عبد الناصر غارم والسردية الفردية مدخلا إلى العالم

أتعامل مع الموقف بوصفه نتيجة للتجربة وليس شعارا مسبقا

قبة الكابيتول، 2012

عبد الناصر غارم والسردية الفردية مدخلا إلى العالم

يوصف الفن الحديث في العالم العربي غالبا بأنه يستعير ليس فقط التقنيات الفنية الغربية، بل أيضا طرق التفكير، وذلك لأن الفن الحديث نفسه تشكل في الغرب، جنبا إلى جنب الأفكار المتعلقة بالتقدم والتأثير الثقافي. وعندما يستخدم الفنانون العرب أشكالا فنية حديثة مثل التجريد والفن المفاهيمي، يتفاعلون في الوقت ذاته مع المنظومات الفكرية المصاحبة لهذه الأشكال.

غير أن المشهد الفني العربي، إلى جانب حضور فنانين تنطبق عليهم هذه المقاربة، شهد بروز عدد من الفنانين لم يتبنوا الخطاب الفكري الغربي بصورة قطعية، بل اجترحوا نصا معاصرا خاصا بهم، انتقوا مكوناته الفكرية بما ينسجم مع تجاربهم الشخصية غير "المستوردة"، مستمدين إياه من صميم بيئتهم الأصلية، الاجتماعية والفنية. ولعل من أهم هؤلاء، الفنان المفاهيمي السعودي المعاصر ناصر الدين غارم.

ولادة غير قيصرية

اعتمد غارم في مسيرته الفنية على عدد من الأساليب التعبيرية، شملت التجهيز الفني والفن المفاهيمي والتصوير الفوتوغرافي، إضافة إلى النحت والرسم والفن الأدائي. ومنذ تفرغه الكامل للممارسة الفنية، اتجه إلى مقاربة موضوعات غير تقليدية، مبتعدا عن الأفكار المكررة التي هيمنت طويلا على المشهد الفني الخليجي، مثل تصوير الصحراء والخيول والبيوت التراثية، وكذلك توظيف الخط العربي في إطار تزييني بحت، ساعيا بدلا من ذلك إلى طرح رؤى وأسئلة أكثر عمقا وراهنية.

اختار غارم اقتحام المشهد الفني المعاصر من الباب العريض، مستعدا لالتقاط التيارات الفكرية والفنية المتضاربة التي تعصف بالعالم من حوله. ولعل أبرز ما ترك أثره في تشكيل مزاجه ورؤيته الفنية يتمثل في المرحلة التي انطلقت قبل سنوات قليلة في المملكة العربية السعودية تحت عنوان "مبادرات المملكة ضمن رؤية 2030". فكل انطلاقة كبرى هي، في طبيعتها، انتفاضة، انتفاضة لفتت أنظار العالم الفني بشكل واضح.

يعد عبد الناصر غارم من أبرز الأمثلة على فنانين لم يأتوا من فراغ، بل انبثقوا مباشرة من رحم الفن السعودي التقليدي

وقد أثارت هذه الانتفاضة الفنية، من جهة، تساؤلات عميقة حول جذور الإبداع المعاصر في السعودية والتوتر القائم بين التعبير الفني الأصيل، ومن جهة أخرى، حول كون هذه الانتفاضة ولادة طال مخاضها لعقود، ولم تكن مجرد ابنة اللحظة الراهنة.

"الصراط"، عمل تجهيزي

صحيح أن المعايير الدينية والاجتماعية الصارمة رسمت مسارا مغايرا لتطور الفنون، حيث منحت الأولوية للاستقرار والحفاظ على التقاليد على حساب التجريب والابتكار، إلا أن نزعة التحديث كانت كامنة في نفوس الفنانين السعوديين. ويعد عبد الناصر غارم من أبرز الأمثلة على فنانين لم يأتوا من فراغ، بل انبثقوا مباشرة من رحم الفن السعودي التقليدي. ولا يمكن إغفال أن فكرة ولادة فنان من بيئة تقليدية لا تستسيغ الفن، ومن سيرة حياة تبدو في ظاهرها نقيضا لعالمه، تشكل عنصرا داعما لفكرة جوهرية مفادها أن الفن لا يمكن وأده، وأنه سيطفو إلى العلن عاجلا أم آجلا، مستفيدا حتى من الظروف التي قد ينظر إليها بوصفها معادية للفن.

يكفي الاطلاع على خلفية الفنان عبد الناصر غارم للتأكد من وجاهة ما ذكر آنفا، إذ جمع في مسيرته بين عالمين متباينين إلى حد بعيد، هما المؤسسة العسكرية والفن المعاصر. وقد شكل تحوله من ضابط إلى أحد أبرز الفنانين المفاهيميين مثلا دالا على حتمية بروز الموهبة الفنية مهما طال زمن احتجابها. وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار أن هذا الازدواج في الهوية قد أتاح له منظورا فريدا لمساءلة مفاهيم الانضباط والسلطة وحرية التعبير.

توازن

دخل غارم إلى عالم الفن وهو على وعي بالتحديات التي سيواجهها، وفي مقدمتها السعي إلى تحقيق توازن بين التوجهات الفنية العالمية، والتراث المحلي العريق، وتطلعات مجتمع يمر بمرحلة تحول. وإذا كان الفنان التشكيلي السعودي التقليدي قد تناول رموزا مألوفة مثل اليمامة البيضاء والحصان والخط العربي والمساحات المفتوحة، فإن هذا الفنان تعامل مع هذه العناصر بذهنية ورؤية فنية مغايرة.

يقول غارم في حديث مقتضب معه: "أرى أن دور الفن في عصرنا الحالي يتجاوز كونه ممارسة جمالية أو أداة تعبير، ليصبح فعلا تأمليا يشتبك مع الأسئلة الوجودية العميقة التي يعيشها الإنسان اليوم. وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث يتراكم التاريخ في الذاكرة الفردية والجماعية، يصبح الفن مساحة ضرورية لإعادة التفكير في ذواتنا وفي علاقتنا بالعالم. الفن ليس محاولة لتجميل الواقع، بل وسيلة لمواجهته والتفاوض معه، أي محاولة تعديل ما فرض علينا عبر الفهم وإعادة الصياغة. وهو اشتغال على ما أسميه 'الوعي الشقي'، ذلك الوعي المثقل بالتناقضات وبالإحساس بالغبن التاريخي المتخيل، والذي يشكل أحد أسباب تعاستنا المعاصرة حين يبقى بلا لغة أو مساءلة".

يضيف: "من هنا، أؤمن بأن الفن يمكن أن يساهم في نوع من الشفاء عبر الوعي، من خلال تحويل الألم إلى سؤال، والصمت إلى لغة، والذاكرة المثقلة إلى مادة للتأمل...".

أؤمن بأن الفن يمكن أن يساهم في نوع من الشفاء عبر الوعي، من خلال تحويل الألم إلى سؤال والصمت إلى لغة

لا يمكن الحديث عن انطلاقة تجربة الفنان دون ذكر عمله الفني الذي حمل عنوان "رسالة رسول" وهو عمل مفصلي قاده بسرعة إلى العالمية. فقد استخدم الفنان الرمزية لاستكشاف أفكار جوهرية كالدين  والسلام والهوية ودور الإيمان في الحياة.  لم يأت عمله رفضا للدين بل لبعض التماديات التي شوهته. كما لم يظهر فكرة السلام على انها مرادفة للخنوع . أما إذا أردنا وصف هذا العمل الفني، فيمكن القول إنه عبارة عن هيكل كبير ضخم مصنوع من النحاس والخشب، يشبه قبة الصخرة في القدس ويشبه الخوذة العسكرية أيضا. أما تحت هذه القبة، فتستقر يمامة بيضاء صغيرة. لا يبرز العمل التناقضات بقدر ما يربط أحد عناصره بالآخر، طارحا تساؤلا جدليا من ناحية، حول العلاقة الحتمية بين الرمز الديني الواضح والمكان المقدس، ومن ناحية أخرى، بين قدسية المكان والصراع والسلطة.

في فلك المعاصرة

بعد نجاح "رسول الرسالة" انتقل الفنان إلى تقديم أعمال تصب في قلب العالمية وصولا إلى عمله الأخير، "برج الفنون"، وهو مجسم ضخم من الحديد والقطع الملونة يذكر بعمود التوتر الكهرباء العالي، تألقت فيه ألوان شفافة تستقبل الضوء، وتعكسه وتنشره. قصد الفنان على الأرجح بهذا العمل تقديم الفن كمصدر طاقة تشبك ما بين مختلف "التيارات" الثقافية وتنير العالم.

"برج الفن"، 2025

ومن ضمن الأعمال والمعارض التي تلت "رسول الرسالة"، نذكر معرضا ضم أعمالا أكثر جدلية وعمقا مما قدمه سابقا بعنوان"ارتداد مفاجىء".

استعرض الفنان من خلال النحت والفيديو والأداء والتصوير والرسم كيف تشكل الحروب والأيديولوجيات والقيود الاجتماعية الثقافة وتحد من حرية التعبير والإبداع. ومن المهم تأكيد أن نقده كان موجها إلى صرامة السلطة وتطبيق الأيديولوجيات، لا إلى الدين الإسلامي ذاته. يعكس عنوان المعرض الفكرة المحورية للعمل: فالأفعال التي تقوم بها الحكومات أو المجتمعات أو الأيديولوجيات، غالبا ما تنتج نتائج غير مقصودة، ككرة ترتد عن سطح لتعود بطريقة غير متوقعة وتؤثر في الناس والثقافات.

"ارتداد مفاجئ"

من هذا المعرض نذكر لوحة/طباعة كبيرة الحجم معنونة بـ"ارتداد مفاجىء" ظهرت فيها صور لمقاتلة جوية وإشارات إلى الحرب لاستكشاف كيفية تأثير التدخلات العسكرية والمعارك الأيديولوجية على العالم العربي، مجسدة بصريا دمج الجمال الهندسي الإسلامي مع القسوة الواقعية للحرب. وفي سياق حديثنا مع الفنان عن منطقه الفني يقول: "تشكل التساؤلات، وخاصة غير المباشرة منها، جزءا أساسا من ممارستي الفنية. كثير من هذه التساؤلات يبدأ بالظهور لدى المتلقي منذ النظرة الأولى، لكنه يتكثف كلما طال زمن التحديق في العمل. أنا أسعى إلى خلق مساحة تتيح لكل زائر أن يصل إلى إفادته الشخصية، حيث تصبح التجربة الفردية هي الأساس، ويتفاعل المتلقي مع العمل انطلاقا من مرجعيته الثقافية والفكرية وحتى الجغرافية. العمل الفني لا يكتمل عند لحظة إنجازه، بل عند لحظة تلقيه، بل ويمكن القول إن من يصنع العمل الفني فعليا هو فهم المتلقي له، لأن هذا الفهم هو ما يحوله إلى تجربة حية".

حد الحيادية

من الواضح  أن ممارسة غارم الفنية تعتمد على المفهوم والرمزية، وليست ناشطة بالمعنى التقليدي. فهو لا يؤكد الأحداث ولا ينفيها، إذ يهدف عمله إلى استكشاف الهياكل والسلوك البشري والنتائج المترتبة عليها، بدل أن يكون شكلا من أشكال الصحافة أو الدعوة السياسية.  يسعى الفنان في فنه، بحسب ما يقول، إلى تقديدم أعمال جريئة ومحفزة على التفكير، إذ "أصبح عملي الفني يطرح قضايانا الثقافية إلى الحد الذي تتضح فيه 'نقاطها العمياء' ويقول للجمهور ما لا يريدون سماعه، وفي اللحظة التي قد لا يرونها مناسبة، لكن يصعب عليهم تجاهله أو إهماله".

هل أنجزتَ أعمالا تعبر عن مواقفه الواضحة أمام قضايا أو أفكار كبرى؟: "نعم، أنجزت أعمالا فنية تعبر عن مواقف واضحة، لكنني أتعامل مع الموقف بوصفه نتيجة للتجربة وليس شعارا مسبقا. في كثير من الأحيان يكون الموقف حاضرا في العمل حتى وإن لم يقدم بصيغة مباشرة أو خطابية، لأنني أؤمن بأن قوة الفن تكمن في بناء التجربة لا في إعلان المواقف".

عندما ينطلق العمل من تجربة شخصية حقيقية، يصبح التعبير عن الموقف أمرا حتميا، حتى لو كان ذلك على حساب الراحة أو القبول

هذا يعني أن أعمال الفنان غارم لا تؤكد الأحداث ولا تنفيها، لأن منطقه الفني يهدف إلى استكشاف السلوك البشري والعواقب. ويتوافق ذلك مع منظور الفن المعاصر الغربي الذي يعتبر ذلك "حيادا فكريا" بينما قد يعتبره المتلقي العربي، خاصة في المناطق المشتعلة من الشرق الأوسط، نوعا من المواربة المحبطة.

"النبات والحيوان"

يقف الفنان على حافة من أفكار متداخلة ومتضاربة، وبعضها يتطلب منه تجربة وجودية مباشرة لن تستقيم إلا بإيغاله أكثر في وحول المسائل الشائكة وغاباتها. وتشكل كلماته هذه صدى لما ذكرناه آنفا، فـ"السردية الفردية بالنسبة إلي ليست انسحابا من العالم، بل مدخل صادق إليه. وعندما ينطلق العمل من تجربة شخصية حقيقية، يصبح التعبير عن الموقف أمرا حتميا، حتى لو كان ذلك على حساب الراحة أو القبول".

font change

مقالات ذات صلة