الشحن العاطفي الذي يشعر به المرء قد يسبق استقباله فيلم "صوت هند رجب" وهو وثائقي-درامي من إخراج التونسية كوثر بن هنية. فصوت الطفلة التي تركت وحيدة في لحظاتها الأخيرة، محاطة داخل سيارة بجثث أفراد أسرتها لساعات وربما لأيام، لا يزال حاضرا في الذهن، كإشارة أو رمز إلى فظاعة لا يمكن تخيلها. ومن نباهة كوثر بن هنية في إخراجها لهذا الفيلم، أنها حافظت على هذا العنصر المتخيل في تصويرها للجريمة، فلا يصلنا من هند سوى صوتها كما سجله الهلال الأحمر الفلسطيني وحافظ عليه كوثيقة.
يطرح السؤال نفسه، لماذا تبرز قصة هند رجب من بين آلاف القصص والمجازر التي ارتكبت في حق الأطفال في غزة ووثقت بالعدسة المباشرة؟ فهل يكون صوت الطفلة أشد تأثيرا من مشهد آلاف الأجساد المقطعة أو المحروقة التي شاهدها العالم بأسره؟ وفي هذا الإطار كيف نفهم غياب صور العنف أو تمثيلها وانعكاس ذلك على المشاهد المتلقي؟ هل غياب صورة هند، وحضورها عبر الصوت وحده قد يجعل منها في مخيلة المشاهد طفلة تشابه كل أطفال الأرض، بلا أن تحمل دمغة الدم الفلسطيني أو الهوية العربية أو لونا محددا يحيلها إلى عرق معين؟ وهل يكون لذلك أثر في تعزيز تعاطف العالم معها إذ يحولها إلى طفلة عالمية إذا أمكن القول؟
مراجعة علاقتنا بالصورة
لا بد أن قصة هند رجب تبرز كرمز، أولا لأنها تشابه الخيال السينمائي في حبكتها، وثانيا لأنها لا تفعل سوى تأكيد المؤكد، وهو أن قتل الأطفال في غزة لا يتم من طريق الخطأ أو السهو، بل يبرز كفعل انتقامي.
إن دور الصورة في الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، هو محوري بل أنه يجبرنا على مراجعة علاقتنا بالصورة. لا بد أن تلفزيون الواقع، هذا المفهوم الذي سهل نشأته تطور شبكات التواصل الاجتماعي، منح كل حياة فردية طابعا سينمائيا. كيف نستطيع فهم ذلك الدور ضمن إبادة سجلت بكل أحداثها ولحظاتها وشخوصها. لقد أمل الفلسطينيون، وشاركناهم هذا الشعور، بأن يشكل ذلك التوثيق المباشر واليومي للإبادة، ورقة ضغط يكون من شأنها أن توقف القتل. فخرج سكان غزة على كل وسائل التواصل الاجتماعي، ووثقوا ورووا قصصهم ومعاناتهم، مصورين حياتهم اليومية في أدق تفاصيلها. هؤلاء الضحايا الذين عانوا أشد المعاناة، باتوا شخصيات يتتبعها الملايين من حول العالم، والأكيد أن لذلك جانبا إيجابيا انعكس في نمو شبكة إلكترونية عالمية مناهضة للاحتلال غالبيتها من الجيل الشاب. لكن هؤلاء الضحايا باتوا صوريا نجوما في نظر شريحة من العالم، فيما ظلوا يقتلون إلى ما لا نهاية، وكأن شهرتهم نفسها مرتبطة بمصرعهم المحتوم.





