يصعب على من يشاهد فيلم آن ماري جاسر التاريخي، "فلسطين 36"، في 2026، ألا ترتسم أمامه التماثلات والتوازيات الكثيرة، ولا أقول الإسقاطات (بسبب ما باتت تنطوي عليه هذه الكلمة من إقحامات تفسد المعنى)، مع زمن ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فكرة الفيلم نفسها هي نتاج لهذه المرحلة، وإن كنت لا أعرف على وجه الدقة إن كان العمل جزءا من خطط صناعه السابقة على الأحداث الأخيرة، إلا أن إنتاجه الفعلي وعرضه واستقباله، تنتسب إلى هذه الأحداث، بل وإلى النقاشات الكثيرة، ذات المدى العالمي، حول الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.
سجالات في السياق
محور تلك النقاشات يتعلق بالسياق، ذلك الذي كان محور معظم السجالات، خصوصا مع أو بين غربيين: هل كان 7 أكتوبر، وما بعده، منبت الصلة، مع تاريخ القضية الفلسطينية، أم أنهما امتداد لهذا التاريخ الشائك؟ "فلسطين 36" يأتي ليثبت أمرين حيويين، أولهما أن مشروع الاستيلاء على فلسطين، ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، ليس وليد اليوم بل هو في أصل الاستعمار البريطاني لفلسطين.
ثانيهما، أن القوى نفسها التي وقفت ضد آمال الشعب الفلسطيني بقيام دولته منذ وعد بلفور 1917، لا تزال هي نفسها اليوم، أو على الأقل لا يزال معظمها ينطلق من الأسس نفسها التي سمحت بدءا بالاستيلاء على فلسطين، وإن تبدلت أسماء بعضها، بما في ذلك طبعا طبقة نخبوية بورجوازية فلسطينية، متحالفة دوما مع ما ومن يؤمن مصالحها وامتيازاتها.
أحسب أن كاتبة الفيلم ومخرجته، وإذ تدرك كم من المسائل الحيوية المرتبطة بتلك الحقبة التاريخية، لم ترد درسا أكاديميا تاريخيا، أو خطابا سياسيا، حول جذور القضية الفلسطينية، بقدر ما أرادت أن تري العالم، بمن فيه الفلسطينيون أنفسهم، والعرب، ماذا يعني أن يقف شعب أعزل، إلا من فطرته وأحلامه وحقه المشروع في الحرية، في وجه أعتى قوى العالم. نتذكر في "فلسطين 36" أن ما واجهه الفلسطينيون في عشرينات وثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، هو إمبراطورية هائلة، لا تختلف جوهريا، في ما تمتلكه من قوة عسكرية ونفوذ سياسي وامتداد جغرافي ومطامع استعمارية وتماه مع المشروع الصهيوني، عن الإمبراطورية التي تجسّدها أميركا ترمب اليوم.






