عبد العزيز السريع رائد المسرح الكويتي في زمن التحولاتhttps://www.majalla.com/node/329455/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%B9-%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B2%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AA
قبل انتهاء يناير/كانون الثاني 2026 بساعات حمل معه الكاتب والمسرحي الكويتي عبد العزيز السريع، ليودعه مثواه الأخير، عن عمر ناهز 87 عاما، بعد مسيرة إبداعية وثقافية طويلة امتدت لأكثر من ستة عقود، شكل خلالها أحد الأعمدة الرئيسة للمسرح الكويتي والخليجي، وأسهم في بناء خطاب مسرحي عربي ذي بعد اجتماعي وإنساني واضح.
برحيل السريع، يفقد المسرح العربي أحد أصواته المؤسسة التي أسهمت في تشكيل وعيه الحديث، غير أن منجزه الإبداعي والفكري يظل حاضرا في الذاكرة الثقافية بوصفه تجربة متكاملة، لا تقتصر على زمنها ولا تنغلق على سياقها التاريخي. فقد ترك إرثا أدبيا ومسرحيا يتجاوز حدود التوثيق إلى كونه مرجعا لفهم العلاقة بين الفن والمجتمع. ويمثل هذا الإرث نموذجا لفنان آمن بأن المسرح مرآة المجتمع وضميره الحي، ووسيلة لفهم الإنسان في لحظات ضعفه وقوته، والدفاع عن كرامته في مواجهة التحولات القاسية. ومن خلال هذا الإيمان، استطاع السريع أن يرسخ خطابا مسرحيا ظل وفيا لقيم العدالة والوعي والمسؤولية الثقافية.
بذلك، لا يقرأ اسم عبد العزيز السريع اليوم بوصفه جزءا من تاريخ المسرح الخليجي فحسب، بل إحدى العلامات التي أسهمت في بلورة المسرح العربي المعاصر، وفتحت أفقا مستمرا للحوار بين الفن والإنسان، وهو إرث باق يتجدد حضوره مع كل قراءة جديدة لأعماله.
البدايات
ولد عبد العزيز السريع في مدينة الكويت، عام 1939، ونشأ في مرحلة تاريخية شهدت تحولات اقتصادية واجتماعية كبرى في الكويت والخليج، رافقت بدايات الدولة الحديثة وتشكل البنى المؤسسية والتعليمية. وقد انعكست هذه التحولات بوضوح في تجربته المسرحية، التي اتخذت من الواقع الاجتماعي مادة أساسية للكتابة والتحليل.
ارتبط اسم السريع بميلاد مرحلة جديدة في تاريخ المسرح الخليجي، انتقل خلالها النص المسرحي من الطرح الترفيهي إلى فضاء النقد الاجتماعي والفكري
ارتبط اسم السريع بميلاد مرحلة جديدة في تاريخ المسرح الخليجي، انتقل خلالها النص المسرحي من الطرح الترفيهي إلى فضاء النقد الاجتماعي والفكري، مستندا إلى رؤية فنية واعية بطبيعة التحولات التي شهدتها مجتمعات الخليج منذ ستينات القرن الماضي. وقد تميزت أعماله بقدرتها على الجمع بين اللغة القريبة من المتلقي والبناء الدرامي المحكم، مما منحها حضورا جماهيريا وتأثيرا ثقافيا مستمرا.
المسرح الكويتي
برحيل السريع، يتأكد لدينا أن قراءة تجربته لا يمكن أن تتم بمعزل عن السياق الثقافي الذي نشط فيه، كونه جزءا مهما من جيل أسس لمؤسسات العمل الثقافي الرسمي والأهلي في الكويت، وأسهم في ترسيخ المسرح بوصفه أداة وعي وتنوير، لا مجرد نشاط فني معزول عن قضايا المجتمع.
قدم السريع عبر أعماله المسرحية نصوصا يمكن النظر إليها بوصفها أرشيفا فنيا للتحولات الاجتماعية، إذ تناول قضايا الفقر والحرمان والبطالة المقنعة والتعليم والسلطة والتفاوت الطبقي، من خلال شخصيات تنتمي إلى الهامش الاجتماعي، وتعكس صراع الفرد مع منظومة القيم المتغيرة. وجاءت هذه الموضوعات في قالب درامي يتكئ على المفارقة والسخرية أحيانا، وعلى التراجيديا الاجتماعية أحيانا أخرى، مؤسسا بذلك خطابه المسرحي الخاص دون أن ينغلق على ذاته.
الريادة
مع مطلع ستينات القرن الماضي، وتحديدا عام 1963، برز عبد العزيز السريع كأحد الأسماء المحورية التي أسهمت في تأسيس "فرقة مسرح الخليج العربي"، وهي التجربة التي شكلت منعطفا حاسما في تاريخ المسرح الكويتي. فقد مثلت هذه الفرقة انتقالا نوعيا من العروض المحدودة إلى مشروع مسرحي متكامل، يمتلك رؤية فكرية واضحة، ويسعى إلى بناء هوية مسرحية تنبع من الواقع المحلي وتتحاور في الوقت ذاته مع منجز المسرح العربي والعالمي.
عبد العزيز السريع مع عبد الحليم حافظ عام 1965
من خلال هذه التجربة، قدم السريع خطابا نقديا للمسرح اشتبك بعمق مع تحولات المجتمع الخليجي، مستندا إلى تقنيات المسرح الحديث في البناء الدرامي والشخصيات، دون القطيعة مع البيئة المحلية ولهجتها، أو لغتها الاجتماعية. وقد نجح في تحويل المسرح إلى مساحة لمساءلة الواقع، ومناقشة قضايا الإنسان الخليجي في لحظة انتقاله من البنية التقليدية إلى مجتمع الدولة الحديثة.
تتجلى ملامح ريادة السريع بوضوح في نصوصه المسرحية التي أثرت في متلقيها، وبرزت على صعيد المسرح الإقليمي والعربي مثل "ضاع الديك"، "عنده شهادة"، "الأسرة الضائعة"، "الجوع"، "فلوس ونفوس"، و"الدرجة الرابعة"، التي تعتبر اليوم أبرز كلاسيكيات المسرح الكويتي. وقدم فيها السريع نقدا اجتماعيا حادا في قوالب فنية تراوحت بين السخرية والتراجيديا الاجتماعية. وأكثر ما ميز هذه الأعمال قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين البعد الجمالي والرسالة الفكرية، مما جعل المسرح في تجربته أداة وعي جماهيري مؤثرة، لا خطابا نخبويا معزولا عن سياقه الاجتماعي.
إلى جانب نشاطه المسرحي، أسهم السريع بشكل فعال في تطوير الدراما التلفزيونية الكويتية، من خلال توليه رئاسة قسم الدراما في التلفزيون الكويتي، حيث أشرف على إنتاج مسلسلات وبرامج مسرحية دمجت بين الفن والرسالة الاجتماعية، مما جعل الجمهور يتفاعل مع قضايا مجتمعه عبر الشاشة. ومن أبرز هذه الأعمال "الإبريق المكسور" و"الخادمة". وكتب مقالات نقدية عن المسرح وفنونه الأدائية، ناقش فيها واقع المسرح العربي والخليجي، وأهمية مراعاة فهم الجمهور.
عبد العزيز السريع أحد أبرز رواد المسرح الكويتي
وشكلت كتاباته في هذا الجانب جسرا بين النقد الفني والممارسة المسرحية، إذ لم تكن مجرد تحليل نظري، بل كانت دعوة عملية لتطوير المسرح الخليجي وجعله أقرب إلى هموم الناس وقضايا المجتمع. لهذا يسجل لعبد العزيز السريع انحيازه الواضح الى الإنسان البسيط بوصفه محور الفعل الدرامي، حيث جاءت شخصياته في الغالب من الطبقات الاجتماعية الوسطى والمهمشة، محملة أسئلة العيش والكرامة والعدالة. غير أن تجربته، في بعض محطاتها، ظلت وفية للبنية الكلاسيكية للنص المسرحي من حيث البناء والتصاعد الدرامي، مقارنة بتجارب عربية لاحقة اتجهت نحو التفكيك البنيوي والتجريب الشكلي الحاد.
جعل المسرح أداة وعي جماهيري مؤثرة، لا خطابا نخبويا معزولا عن سياقه الاجتماعي
ومن هنا يمكن تفسير جماهيرية أعماله واستمرارية تأثيرها، لتوازنه بين الالتزام الفني والبعد الإنساني، مقدما نصوصا قابلة للتلقي الواسع دون أن تفقد قيمتها النقدية. وقد أسهم هذا التوجه في ترسيخ موقعه بوصفه أحد الكتاب الذين نجحوا في بناء جسر متين بين المسرح والنسيج الاجتماعي الخليجي، وهو إرث نقدي سيظل شاهدا لتجربته.
عوالم قصصية
بالتوازي مع المسرح، بدأ عبد العزيز السريع الكتابة القصصية منذ الستينات، حيث كان يبحث عن فضاءات سردية أوسع للتعبير عن المجتمع الكويتي والخليجي، بعيدا من خشبة المسرح وقيودها الفنية.
ركزت قصصه الأولى على الحياة اليومية للإنسان البسيط، وعلاقاته بالأسرة والمجتمع، وظهر فيها اهتمامه بتوثيق التحولات الاجتماعية والاقتصادية في الكويت، تحديدا بعد اكتشاف النفط. ومن خلال هذه البدايات، وضع أساسا متينا لقصة خليجية متشابكة بين النقد الاجتماعي والبعد النفسي للشخصيات، في محاولة منه لتوسيع مدار تأثيره الفني والثقافي خارج المسرح.
وعلى الرغم من انحيازه الى الواقع، إلا أنه جرب في بعض قصصه استخدام أساليب سردية مبتكرة، مثل تعدد الأصوات وسرد الأحداث غير الخطي، لإظهار تعدد وجهات النظر في المجتمع الخليجي. وهذا التجريب أتاح له تقديم السرد بوصفه فضاء لتأمل الصراعات الاجتماعية والسياسية، بعيدا من المباشرة، مما جعل النصوص أكثر تشويقا وأعمق تأثيرا على القارئ. ومن خلال هذا الأسلوب، ساهم في توسيع آفاق الأدب السردي الخليجي، وأظهر إمكان الدمج بين التجريب الفني والرسالة الاجتماعية.
فرقة المسرح الكويتي
ويعد السريع من أوائل أدباء الخليج الذين اعتبروا القصة امتدادا طبيعيا للمسرح، حيث استخدم الشخصيات والصراعات نفسها، لكن مع حرية أكبر في استكشاف دواخلهم النفسية والأبعاد الاجتماعية بشكل أعمق.
أصدر عام 1985 مجموعته القصصية "دموع رجل متزوج"، التي ركز فيها، كما في قصصه الأخرى المنشورة في عدد من المجلات الكويتية والعربية، على الموضوعات نفسها التي عالجها في المسرح، مثل العلاقات الأسرية، والتفاوت الطبقي، لكنها قدمت الى القارئ مساحة أكبر وأقرب للتأمل والتفاعل.
دور مؤسسي
إلى جانب منجزه الإبداعي، لعب عبد العزيز السريع دورا مؤسسيا بارزا في تشكيل البنية الثقافية الرسمية في الكويت، حيث كان من أوائل العاملين في "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" عند تأسيسه عام 1973، وأسهم من خلال موقعه في وضع اللبنات الأولى للسياسات الثقافية المرتبطة بالمسرح والفنون الأدائية، بما عزز حضور المسرح ضمن المشروع الثقافي الوطني.
على الصعيد العربي، حظي السريع بتقدير ثقافي واسع، حيث اختير عام 1991 أمينا عاما لـ"مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين" للإبداع الشعري، في دلالة على مكانته الفكرية خارج حدود المسرح، كما نصب عام 1992 رئيسا فخريا لفرقة مسرح الخليج العربي، تكريما لإسهاماته التأسيسية ودوره الريادي في مسيرتها الفنية والثقافية.
ولعب السريع دورا محوريا في تدريب وتوجيه أجيال جديدة من الممثلين والمخرجين والكتاب في الكويت والخليج، من خلال تنظيم ورش عمل متخصصة وإشرافه على إنتاجات شبابية داخل فرقة مسرح الخليج العربي.
عبد العزيز السريع
ساعد هذا التوجيه في نقل خبراته الفنية والنقدية، وغرس قيم الالتزام بالمسرح الاجتماعي والواقعي، مما أكسب الممارسين الشباب رؤية واضحة لدور المسرح في معالجة قضايا المجتمع. وقد نتجت من ذلك شبكة واسعة من المسرحيين الذين يعتبرون السريع مرجعهم الفكري والفني، وهو ما ساعد في استمرار النهج النقدي والاجتماعي في المسرح الخليجي لأجيال لاحقة.
عبد العزيز السريع مكرما ضمن أنشطة الملتقى الوقفي 24 للأمانة العامة للأوقاف
جوائز وتكريمات
حصد عبد العزيز السريع طوال مسيرته تكريمات عربية واسعة، عكست حجم حضوره وتأثيره في المشهد المسرحي العربي، من بينها تكريمه في مهرجان "أيام قرطاج المسرحية" بتونس عام 1995، بوصفه أحد الأسماء التي أسهمت في ترسيخ المسرح الاجتماعي والإنساني في المنطقة العربية. وتكريمه في "مهرجان دمشق المسرحي" عام 2008، تقديرا لدوره الريادي في تطوير النص المسرحي، وإسهاماته الممتدة في بناء تجربة مسرحية خليجية ذات ملامح واضحة.
أسهم في وضع اللبنات الأولى للسياسات الثقافية المرتبطة بالمسرح والفنون الأدائية في الكويت
إلى جانب تكريمه في المهرجانات العربية، حصل السريع على جوائز كويتية وخليجية مرموقة، منها جائزة الدولة التقديرية في المسرح الكويتي، وجائزة أفضل نص مسرحي في مهرجان المسرح الخليجي، اعترافا بتميزه في المزج بين النقد الاجتماعي والحرفة المسرحية.
الوزير عبد الرحمن المطيري أثناء تكريمه الراحل عبد العزيز السريع كشخصية لمهرجان أيام المسرح للشباب
جميع هذه التكريمات وغيرها لم تكن احتفاء بمنجزه الفني فحسب، بل اعترافا بمكانته بوصفه مثقفا مسرحيا أسهم في ربط المسرح بالتحولات الاجتماعية والسياسية في محيطه العربي، وجعل من الخشبة فضاء للنقاش العام والأسئلة الكبرى، وهو ما كرس حضوره كأحد الرواد الذين تجاوز تأثيرهم حدود الجغرافيا المحلية إلى الفضاء الثقافي العربي الأوسع.