ماكرون وهرمز... حياد محسوب أم تحوّل استراتيجي

بين الحلفاء والمصالح السياسية

أ ف ب
أ ف ب
ماكرون في استعراض عسكري في جبال الألب الفرنسية، 27 نوفمبر 2025

ماكرون وهرمز... حياد محسوب أم تحوّل استراتيجي

يُعدّ مضيق هرمز، الذي يربط الخليج بالمحيط الهندي، محورا للتوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في إيران، ومن بينها التجاذب ضمن "المعسكر الغربي" وخاصة التعارض بين الرئيسين دونالد ترمب وإيمانويل ماكرون، وانعكاسه على الموقف الفرنسي من "تحرير" مضيق هرمز. ومما لا شك فيه أن الموقف الفرنسي المتحفظ على إصدار قرار حاسم من مجلس الأمن الدولي بخصوص العبور في هذا الممر الحيوي، ستكون له تداعياته على الصلة بين باريس وواشنطن، كذلك على المصالح الفرنسية في الخليج العربي والإقليم.

تتعدد الصراعات في سياق الحرب الدائرة في الشرق الأوسط والخليج، ومن أبرزها الصراع على الطاقة والممرات.

بعد شهر من العمليات القتالية، يتضح أن مضيق هرمز أصبح في صلب الاشتباك السياسي والعسكري، وواصلت إيران استخدامه أداة ضغط استراتيجي، بينما أخذت واشنطن في التعامل معه بوصفه عنوانا رئيسا للنزاع، وأن إنهاء الحرب مشروط بإعادة فتح المضيق.

إزاء هذا التحدي وعدم تخطيط واشنطن المسبق لمواجهته، دعا دونالد ترمب فرنسا والصين والمملكة المتحدة إلى إرسال سفن لتأمين مضيق هرمز المغلق، لكن سرعان ما تبين أن فرنسا لا تريد الانضمام إلى الولايات المتحدة في حرب "سيئة التخطيط دون إطار قانوني"، حتى لو كانت تريد رؤية المضيق مفتوحا.

في السياق نفسه، لجأ ترمب المرتبك إلى حلف شمال الأطلسي للقيام بالمهمة، متناسيا ارتدادات سياساته على الصلات بين ضفتي الأطلسي: ملف أوكرانيا، الرسوم الجمركية وممر غرينلاند. من هنا يعتبر رد ماكرون ردا سياسيا بحتا مناهضا لترمب الذي "لم يستشر فرنسا ولم ينسق معها"، مع العلم أن الرئيس الأميركي لا يتوقف عن الاستهزاء بحلفائه إلى جانب نقده الحاد لعجز الاتحاد الأوروبي وفرنسا.

ومن أسباب التردد أو الاستنكاف الفرنسي عن مساعدة واشنطن، لا يمكن إغفال خلفيات العلاقة المتعرجة بين سيدي البيت الأبيض والإليزيه، فبعد أن أظهر إيمانويل ماكرون تواطؤا مع دونالد ترمب خلال ولايته الأولى، بات يتخذ لاحقا مواقف أكثر حدة تجاه الرئيس الأميركي، الذي جعله أحد أهدافه للانتقاد الساخر.

تجدر الإشارة إلى أن دونالد ترمب مولعٌ بالاستعراض، وغالبا ما ينجح في ذلك بسحق الطرف الآخر، حتى لو كان حليفا. ومن بين أهدافه المفضلة: إيمانويل ماكرون الذي يرى فيه رمزا للعلاقات المتدهورة عبر الأطلسي. ويبدو أن الرئيس الفرنسي، لجرأته على تحدي الرئيس الأميركي، قد أصبح محل تركيز الرئيس الملياردير.

بالإضافة إلى العامل الشخصي هناك النزعة الاستقلالية لفرنسا منذ حقبة الجنرال شارل ديغول الذي أرسى "الردع الفرنسي النووي المستقل"، ومنذ حقبة جاك شيراك الذي رفض حرب العراق في 2003. لكن واشنطن تحرص دوما على تذكير الجانب الفرنسي بأنه لولا نجدة الولايات المتحدة في الحربين العالميتين الأولى والثانية لكان الوضع مختلفا في فرنسا وأوروبا.

أ.ف.ب
قاطرة بحرية تسحب بارجة قبالة سواحل خصب في شبه جزيرة مسندم شمال سلطنة عُمان، المطلة على مضيق هرمز، بتاريخ 24 يونيو 2025

التصويت على مشروع القرار البحريني تأجل مرتين يومي 3 و4 أبريل، نتيجة تحفظ فرنسا ورفض روسيا والصين في المرة الأولى بسبب تشريع لاستخدام القوة

لا تهمل باريس إنذار ترمب بأنه لن ينسى الرفض الفرنسي والأوروبي لمساعدته في موضوع هرمز، والإعراب عن استنكاره لخذلان حلفائه له، لكن المصادر الفرنسية التي تنفي أي تواطؤ خفي مع طهران، تركز على البعد التقني المحض لأنه بناء على تجربة سابقة إبان نهايات حرب العراق-إيران، يتضح أن المطلوب في موضوع المضيق ليس حربا تقليدية، بل جهد دبلوماسي مع عمليات لحماية القوافل التجارية وإزالة الألغام إن وجدت. 

على أي حال، لتنظيم القوافل، كما هو الحال في العمليات الجوية المشتركة، يلزم وجود قائد عملياتي واحد لإدارة المناطق العملياتية.

وحسب التقييم الفرنسي، فإن القوات العسكرية ليست قادرة على ضمان حرية المرور، نظرا لانتشار الطائرات المسيّرة، الذي يُشكّل تهديدا يكاد يكون من المستحيل القضاء عليه.

بيد أن حيثيات الموقف الفرنسي لا تبدو مقنعة تماما، إذ لا يمكن للسجال السياسي أو المآخذ على سياسات الرئيس الأميركي في مجالات أخرى، أن تبرر عدم وجود مواقف مبدئية لباريس إزاء حجم التهديد الإيراني ومخاطره على عدم الاستقرار الإقليمي وعلى المصالح الفرنسية والأوروبية. وللتذكير كانت الدبلوماسية الفرنسية سباقة منذ 2013-2014 إبان المفاوضات حول الملف النووي الإيراني في إطار "5+1"، وحينها طالب وزير الخارجية الفرنسية الأسبق لوران فابيوس بإدراج البرنامج الباليستي الإيراني في أي اتفاق حول الملف النووي، لكن إدارة باراك أوباما لم توافق على ذلك وأرادت عقد "الصفقة التاريخية" مع إيران. تتغير الأزمنة والأشخاص والسياسات ويبقى الخليج العربي والشرق الأوسط ضحايا السياسات العرجاء والملتوية للقوى الكبري. 

التململ الخليجي حيال موقف الرئيس الفرنسي 

فاجأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أصدقاءه الخليجيين بتعديل موقف بلاده إزاء مشروع قرار قدمته البحرين، التي تتولى رئاسة مجلس الأمن الدولي لهذا الشهر، وذلك رفضا لإشارة الاستناد إلى الفصل السابع الذي يجيز استخدام القوة، وفي هذا الصدد أعلن ماكرون أن بلاده تخطط لعملية سلمية مع دول أخرى لإعادة فتح المضيق، معتبرا أن أي عملية عسكرية لـ"تحرير" هرمز ستكون "غير واقعية". 

وكان التصويت على مشروع القرار البحريني قد تأجل مرتين يومي 3 و4 أبريل/نيسان، نتيجة تحفظ فرنسا ورفض روسيا والصين في المرة الأولى بسبب تشريع لاستخدام القوة، ورغم التعديل الذي اكتفى باستخدام "الوسائل الدفاعية المتناسبة"، لم يتم تبديد رفض الصين وروسيا، فيما بقي موقف فرنسا غامضا.

بالنسبة لمصدر دبلوماسي عربي في نيويورك: "يمكن تفسير الرفض الصيني والروسي لشراكة البلدين الاستراتيجية مع إيران، وتخوف روسيا من تكرار السيناريو الليبي حينما اتخذ (الناتو) قرار مجلس الأمن الدولي غطاء للتدخل الواسع". ويعتبر المصدر نفسه أن "الموقف الفرنسي فاجأ المجموعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، إذ كان يطالب سابقا بالمرور عبر قناة مجلس الأمن الدولي ولم يقم عمليا بتسهيل مهمة البحرين".

وهذا التململ الخليجي الذي برز في تغريدات الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، أو في تسريبات بعض المصادر الرسمية، لا تعود أسبابه إلى الموقف من مشروع القرار البحريني فحسب، بل إلى مراقبة تطور الموقف الفرنسي من الحرب الدائرة بالإجمال ومن الهجمات الإيرانية على الدول العربية الخليجية على وجه الخصوص، إذ كان الاستنكار وفق الحد الأدنى الدبلوماسي ولم يكن هناك التضامن المنتظر تبعا لحجم المصالح الفرنسية في المنطقة، والعلاقات المتينة مع المملكة العربية السعودية وقطر والبحرين والكويت ومعاهدة التعاون الدفاعي بين فرنسا ودولة الإمارات العربية المتحدة.

(رويترز)
انطلاق مقاتلة "سوبر هورنت" من حاملة "أبراهام لينكولن" ضمن العمليات العسكرية ضد إيران، 22 مارس 2026

 

كان هناك استغراب خليجي لاكتفاء الرئيس الفرنسي بتفقد قبرص وزيارة حاملة الطائرات الفرنسية من دون المرور في الخليج، على عكس رئيسة وزراء إيطاليا التي زارت الرياض والدوحة وأبوظبي

كان هناك استغراب خليجي لاكتفاء الرئيس الفرنسي بتفقد قبرص وزيارة حاملة الطائرات الفرنسية من دون المرور في الخليج، على عكس رئيسة وزراء إيطاليا التي زارت الرياض والدوحة وأبوظبي.

يعتقد السفير الفرنسي السابق لدى الولايات المتحدة وإسرائيل جيرار آرو أن "الخليج لن يبقى واحة اقتصادية للغرب" فهل تأخذ باريس موقفها بناء على هذا التخمين؟ يجيب أحد رجال الأعمال ذوي الخبرة في الشرق الأوسط أن "هذا التموضع غير مفهوم. ماكرون يهمل مصالح دول الخليج، التي لطالما كانت حليفا استراتيجيا لفرنسا في المنطقة ولا يمكنه أن يراهن على إيران".

وإذا عدنا 47 عاما إلى الوراء نتذكر استقبال فرنسا لآية الله الخميني إبان عهد فاليري جيسكار ديستان، والكل يعرف التتمة. وحسب أحد المعارضين الفرنسيين فإن "الخطأ في المقاربة يتكرر مع الرئيس إيمانويل ماكرون، وأن تراكم الأخطاء في السياسات الخارجية أصبح صارخا". ويصل الأمر بالكاتب والسياسي ألكسندر جاردان للكتابة في تغريدة: "من الغريب الابتعاد عن حلفاء تاريخيين لفرنسا والاقتراب من إيران بسبب سوء العلاقة مع ترمب".

لكن المصادر المقربة من الرئاسة الفرنسية تعتبر أن المقاربة الفرنسية واقعية ومتماسكة، وأن باريس حريصة على دورها الوسيط واحترام القانون الدولي ورفضها للاستقطاب الحاصل بين الولايات المتحدة والصين. وتعتبر الدبلوماسية الفرنسية أن الشرق الأوسط والخليج يمثلان أولوية استراتيجية فرنسية على عكس بعض الدول التي تتغير مقارباتها.

تخشى فرنسا من اتساع رقعة الصراع وانعكاساته وتأثرها به ليس فقط بالنسبة لمصالحها المباشرة (300 ألف فرنسي يعملون أو يوجدون في الإقليم) بل لمخاوفها من الإرهاب ومن الهجرة غير الشرعية. 

بالإضافة إلى كل هذه العوامل، يمكن تفسير الكسوف الأوروبي عامة ليس فقط بسبب التباعد مع واشنطن في حقبة ترمب، بل بسبب عدم تكون القطب الجيوسياسي الأوروبي. أما بالنسبة لفرنسا فإن ضعفها الاقتصادي وزعزعة استقرارها السياسي إبان حقبة إيمانويل ماكرون، أسهما في تراجع مكانتها وفقدان رصيدها عند حلفائها وأصدقائها.

font change