في ظل تصاعد الجدل حول الهوية والإسلام والاندماج في المجتمع الفرنسي، صدر في فبراير/شباط 2026 كتاب بعنوان "المسلمون في الغرب: ممارسة ثقافية ثابتة، وحضور مندمج" كما يجسده مسجد باريس الكبير. جاء البحث ثمرة ثلاث سنوات من جلسات حوارية شارك فيها 80 أكاديميا ومؤرخا وسياسيا ومرجعيات دينية وعلماء دين، في محاولة فكرية لإعادة صوغ موقع الإسلام المؤسسي داخل الدولة الفرنسية، في لحظة سياسية تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الأسئلة الثقافية والاجتماعية.
وصف عميد المسجد شمس الدين حفيظ هذا العمل بالموسوعي، كونه يقع في 896 صفحة، ويضم قرابة مائتي مدخل ومصطلح تغطي معظم القضايا الإشكالية المرتبطة بالإسلام في السياق الفرنسي، من الشريعة والعلمانية إلى المواطنة والاندماج، مرورا بقضايا الأسرة والحجاب والمساواة والزواج المدني والمثلية الجنسية، والجهاد ومعاداة السامية، وصولا إلى تمثيل المسلمين اجتماعيا وسياسيا.
رسالة مزدوجة
يحمل عنوان الكتاب "ممارسة ثقافية ثابتة" رسالة مزدوجة يفهم منها التمسك بالشريعة الإسلامية التي تستند إلى ثوابت لا تفاوض حولها، في حين يوحي "الحضور المندمج" بالاستعداد لإعادة صوغ تمثيل المسلمين في الفضاء العام بما يتلاءم مع الإطار القانوني والعلماني للدولة الفرنسية. الجدير بالملاحظة أن هذا التوتر بين الثابت والمتغير لا يقدم في الكتاب بوصفه تراجعا أو تسوية ظرفية، بل باعتباره اجتهادا فقهيا يستند إلى مقاصد الشريعة، مع إضافة مفاهيم معاصرة كالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية وحماية البيئة.
تأسس مسجد باريس الكبير عام 1926 تكريما للمسلمين الذين سقط منهم نحو سبعين ألفا في الحرب العالمية الأولى دفاعا عن فرنسا، فكان تأسيسه اعترافا رسميا بإسهام المسلمين في التاريخ الوطني الفرنسي. ولعب المسجد دورا مركزيا في تمثيل الإسلام داخل الجمهورية، إذ شارك في تأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية عام 2003 وفي مشروع المجلس الوطني للأئمة، وفي تقديم نموذج إسلامي نقيض لمفهوم العداء للسامية عبر عنه مؤسس المسجد قدور بن غبريط أثناء الحرب العالمية الثانية حين ساعد المواطنين الفرنسيين اليهود بتقديم بطاقات مزورة تعرف بأنهم مسلمون بغية حمايتهم من القتل، ونجح في انقاذ الكثيرين.
قسمان وجمهوران
ينقسم الكتاب قسمين يخاطبان جمهورين مختلفين. الأول موجه إلى المسلمين المقيمين في فرنسا والغرب، ويستند إلى ميثاق مبادئ الإسلام في فرنسا الصادر عام 2021، الذي أكد التزام قيم الجمهورية ورفض الإسلام السياسي لا سيما في نسخته المتعصبة وأي تدخل خارجي في الشأن الديني. يقدم هذا القسم إطارا فقهيا عمليا ينظم الحياة اليومية في بيئة علمانية مثل أولوية الزواج المدني، وعدم ارتداء الحجاب في سوق العمل، والموقف اللا معادي من المثلية الجنسية، وغيرها من القضايا التي تشكل احتكاكا يوميا بين المرجعية الدينية والقانون المدني. وقد أسهم في صوغه علماء من الأزهر وجامعة الزيتونة في محاولة لإضفاء عمق فقهي يتجاوز الإطار المحلي.
توصي المرجعية الدينية بأن تلقى الخطب ويقدم التعليم الديني باللغة الفرنسية مع إدراج إشارات إلى التاريخ والثقافة العربية، بما يتيح للشباب المسلم الاندماج الكامل دون فقدان الصلة بإرثه الثقافي.





