مسجد باريس الكبير مركز نقاش فكري حول الإسلام وأوروبا وقيم الحداثة

في كتاب "المسلمون في الغرب: ممارسة ثقافية ثابتة وحضور مندمج"

JOEL SAGET / AFP
JOEL SAGET / AFP
أشخاص يدخلون إلى المسجد الكبير في باريس، 13 أكتوبر 2022

مسجد باريس الكبير مركز نقاش فكري حول الإسلام وأوروبا وقيم الحداثة

في ظل تصاعد الجدل حول الهوية والإسلام والاندماج في المجتمع الفرنسي، صدر في فبراير/شباط 2026 كتاب بعنوان "المسلمون في الغرب: ممارسة ثقافية ثابتة، وحضور مندمج" كما يجسده مسجد باريس الكبير. جاء البحث ثمرة ثلاث سنوات من جلسات حوارية شارك فيها 80 أكاديميا ومؤرخا وسياسيا ومرجعيات دينية وعلماء دين، في محاولة فكرية لإعادة صوغ موقع الإسلام المؤسسي داخل الدولة الفرنسية، في لحظة سياسية تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الأسئلة الثقافية والاجتماعية.

وصف عميد المسجد شمس الدين حفيظ هذا العمل بالموسوعي، كونه يقع في 896 صفحة، ويضم قرابة مائتي مدخل ومصطلح تغطي معظم القضايا الإشكالية المرتبطة بالإسلام في السياق الفرنسي، من الشريعة والعلمانية إلى المواطنة والاندماج، مرورا بقضايا الأسرة والحجاب والمساواة والزواج المدني والمثلية الجنسية، والجهاد ومعاداة السامية، وصولا إلى تمثيل المسلمين اجتماعيا وسياسيا.

رسالة مزدوجة

يحمل عنوان الكتاب "ممارسة ثقافية ثابتة" رسالة مزدوجة يفهم منها التمسك بالشريعة الإسلامية التي تستند إلى ثوابت لا تفاوض حولها، في حين يوحي "الحضور المندمج" بالاستعداد لإعادة صوغ تمثيل المسلمين في الفضاء العام بما يتلاءم مع الإطار القانوني والعلماني للدولة الفرنسية. الجدير بالملاحظة أن هذا التوتر بين الثابت والمتغير لا يقدم في الكتاب بوصفه تراجعا أو تسوية ظرفية، بل باعتباره اجتهادا فقهيا يستند إلى مقاصد الشريعة، مع إضافة مفاهيم معاصرة كالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية وحماية البيئة.

تأسس مسجد باريس الكبير عام 1926 تكريما للمسلمين الذين سقط منهم نحو سبعين ألفا في الحرب العالمية الأولى دفاعا عن فرنسا، فكان تأسيسه اعترافا رسميا بإسهام المسلمين في التاريخ الوطني الفرنسي. ولعب المسجد دورا مركزيا في تمثيل الإسلام داخل الجمهورية، إذ شارك في تأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية عام 2003 وفي مشروع المجلس الوطني للأئمة، وفي تقديم نموذج إسلامي نقيض لمفهوم العداء للسامية عبر عنه مؤسس المسجد قدور بن غبريط أثناء الحرب العالمية الثانية حين ساعد المواطنين الفرنسيين اليهود بتقديم بطاقات مزورة تعرف بأنهم مسلمون بغية حمايتهم من القتل، ونجح في انقاذ الكثيرين.

قسمان وجمهوران

ينقسم الكتاب قسمين يخاطبان جمهورين مختلفين. الأول موجه إلى المسلمين المقيمين في فرنسا والغرب، ويستند إلى ميثاق مبادئ الإسلام في فرنسا الصادر عام 2021، الذي أكد التزام قيم الجمهورية ورفض الإسلام السياسي لا سيما في نسخته المتعصبة وأي تدخل خارجي في الشأن الديني. يقدم هذا القسم إطارا فقهيا عمليا ينظم الحياة اليومية في بيئة علمانية مثل أولوية الزواج المدني، وعدم ارتداء الحجاب في سوق العمل، والموقف اللا معادي من المثلية الجنسية، وغيرها من القضايا التي تشكل احتكاكا يوميا بين المرجعية الدينية والقانون المدني. وقد أسهم في صوغه علماء من الأزهر وجامعة الزيتونة في محاولة لإضفاء عمق فقهي يتجاوز الإطار المحلي.

توصي المرجعية الدينية بأن تلقى الخطب ويقدم التعليم الديني باللغة الفرنسية مع إدراج إشارات إلى التاريخ والثقافة العربية، بما يتيح للشباب المسلم الاندماج الكامل دون فقدان الصلة بإرثه الثقافي.

يطرح الكتاب السؤال الجوهري: "ما السلوكيات المرتبطة بالتعبير عن الإيمان الإسلامي التي قد تشكل إشكالا في مجتمعاتنا؟"

أما القسم الثاني فيتوجه إلى المؤسسات من إدارات ومدارس ومستشفيات وشركات، ويأخذ شكل مسرد مفاهيمي يشرح مصطلحات كالزكاة والحلال والجهاد والصيام وغيرها، بهدف بناء لغة مشتركة بين المؤسسات والجاليات المسلمة في بيئة سياسية وإعلامية كثيرا ما تختزل هذه المفاهيم في دلالات أمنية أو أيديولوجية، وقد أتيحت نسخة رقمية موسعة منه تسمح بتحديثه وفق تطورات النقاش العام.

Thomas SAMSON / AFP
عميد المسجد الكبير في باريس شمس الدين حفيظ يلقي كلمة قبيل "ليلة الشك" لإعلان بدء شهر رمضان في المسجد الكبير في باريس، 17 فبراير 2026

ويختتم الكتاب بتوثيق جلسات حوارية ضمت شخصيات دينية ومدنية متنوعة، فقهاء ولاهوتيين إلى جانب خبراء في القانون والعلوم الاجتماعية، وقد تمحورت هذه الجلسات حول سؤال جوهري طرحه الكتاب صراحة: "ما السلوكيات المرتبطة بالتعبير عن الإيمان الإسلامي التي قد تشكل إشكالا في مجتمعاتنا؟". وفي تنوع المشاركين رسالة ضمنية لافتة، فحضور مطران كاثوليكي كباسكال غولينش، وراهب بوذي كميشال تاو شان، وفيلسوف أفريقي كسليمان باشير دياني، ومعارض أفغاني كأحمد مسعود، إلى جانب شخصيات سياسية فرنسية بارزة كفرنسوا هولاند وجاك أتالي والفيلسوف ريمي براغ، والمؤرخ بنجامين ستورا، ليس مجرد تنوع شكلي، بل إشارة إلى أن الكتاب يتوجه بخطابه إلى ما هو أوسع من الجمهور المسلم.

 AFP
أول عميد للمسجد الكبير في باريس سي قدور بن غبريط يلتقط صورة مع الأمير سيف الإسلام الحسين، أحد أبناء ملك اليمن، في المسجد الكبير في باريس، فبراير 1938

قضايا إشكالية

تكشف مقاربة الكتاب لقضايا الحجاب والزواج والإجهاض والمثلية الجنسية عن اجتهادات فقهية تلتزم الحكم الفقهي من حيث المبدأ، دون مراجعة أصل الوجوب ودون إعلان تجاوزه، لكنه يعيد ترجمته في الواقع بالاستناد إلى مفهومي "الضرورة" و"الرخصة" في الفقه الإسلامي، بما يتيح تكييف الاحكام الدينية لتخفيف مشقة معتبرة أو احتمال ضرر راجح.

غلاف "الإسلام والمسلمون في الغرب-قضايا وسجالات كبرى"

في ملف الحجاب، لا يتردد الكتاب في تأكيد الحكم الفقهي التقليدي بوجوب تغطية المرأة في المجال العام، مستندا إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية تناولت مفاهيم العورة والاحتشام. ويلخص عميد المسجد هذه المقاربة بقوله إن المرأة التي أمضت سنوات في الدراسة العليا ولا تستطيع العمل بحجابها يمكنها خلعه في بيئة العمل وإعادة ارتدائه في الفضاء العام. ويرى الكتاب أن الاحتشام مبدأ أخلاقي ثابت في حين أن أشكاله قابلة للتكيف مع المتغيرات الثقافية، واستشهد ببعض المفكرين المعاصرين الذين ربطوا الحجاب بسياق اجتماعي محدد في القرن السابع، ويمكن فهمه كقيمة أخلاقية يجوز ترجمتها بصيغ متعددة، لا في نموذج تغطية الشعر فقط. مشيرا في الوقت ذاته إلى أن تغطية الشعر ليست ممارسة حصرية للإسلام، بل تعرفها تقاليد دينية أخرى مثل اليهود الأرثوذكس وبعض المجموعات المسيحية المحافظة.

GEOFFROY VAN DER HASSELT / AFP
متظاهرة تحمل لافتة كتب عليها "أرتدي الحجاب، أنا ملكة، أوقفوا الإسلاموفوبيا" خلال تجمع في باريس، 11 مايو 2025

الجدير بالذكر أن قانون حظر ارتداء "الرموز الدينية الظاهرة" في المدارس والمؤسسات الحكومية أقر عام 2004  وتشمل: الحجاب الإسلامي، والقلنسوة اليهودية (الكيباه)، والصلبان المسيحية، وغيرها من الشعارات الدينية. أما ارتداء النقاب فيؤكد الكتاب أنه "لا يعد فريضة دينية ملزمة" في غالبية المذاهب، وهو موقف ينسجم مع الحظر القانوني الفرنسي المعمول به منذ 2010.

وفي باب الزواج، يتخذ الكتاب موقفا واضحا من الإطار القانوني الفرنسي، مؤكدا أن الزواج المدني هو الصيغة الوحيدة المعترف بها قانونا، ولا يصح عقد ديني ما لم يسبقه عقد أمام البلدية، ومحملا الأئمة مسؤولية التحقق من ذلك قبل إبرام عقد القران الذي يصفه بـ"الميثاق الغليظ" القائم على الرضا الحر والمودة والرحمة. وبهذا يجمع النص بين التأصيل الشرعي والإقرار الصريح بأولوية القانون الجمهوري في تنظيم الروابط الأسرية.

يرى الكتاب أن الاحتشام مبدأ أخلاقي ثابت في حين أن أشكاله قابلة للتكيف مع المتغيرات الثقافية

ويتناول الكتاب مسألة المثلية الجنسية الأكثر حساسية، من خلال العودة إلى قصة قوم لوط الواردة في القرآن، حيث تستحضر الآيات التي تصف ما اعتبر "فاحشة" ارتبطت بعلاقات بين الرجال، غير أنه يلفت الانتباه إلى أن مفهوم "المثلية" بوصفه هوية أو توجها جنسيا، حديثا نسبيا، ولا يرد كمصطلح في النص القرآني، الذي يتناول أفعالا محددة (الفاحشة) لا هوية ثابتة، وهو تمييز يرى الكتاب أنه أساس لفهم النقاش المعاصر.

يؤكد الكتاب ضرورة التمييز بين الحكم على الفعل ومكانة الشخص. فوجود ميول مثلية لا يسقط عن الفرد صفته الدينية ولا يحرمه حقوقه المدنية والدينية، كالإرث والملكية والمشاركة في الشعائر، ما لم يتحول الأمر إلى تحد علني للنظام الديني. ويدعو الكتاب إلى الاحتكام إلى القيم العليا التي يقوم عليها الإسلام مثل الرحمة والعدل وكرامة الإنسان، باعتبارها أرضية مشتركة لمعالجة هذا الملف بحساسية وإنصاف. كما يستحضر النص السياق الأدبي من العصر العباسي الذي تناول صورة "الغلام" أو الفتى الجميل في شعر الغزل، لدى شعراء مثل أبي نواس.

بين الصحوة الدينية والتشريع المقيد

يأتي نشر الكتاب في سياق فرنسي مشحون، اتسم بتشديد أمني وتشريعي متواصل في أعقاب العمليات الإرهابية عام 2015، وبلغ ذروته باغتيال المدرس صامويل باتي عام 2020 على يد شاب شيشاني، إثر عرضه رسوما كاريكاتورية للنبي محمد في إطار حصة حول حرية التعبير، لتبدأ على إثرها مرحلة من التحولات القانونية والسياسية العميقة في طريقة تعامل الدولة الفرنسية مع الإسلام والمسلمين.

مصلون يؤدون صلاة الصباح في أول أيام عيد الأضحى في المسجد الكبير في باريس، 16 يونيو 2024

ففي 2021 أقرت فرنسا منظومة قانونية لمكافحة ما أسمته "الانفصالية الإسلامية"، وسعت بموجبها صلاحيات الدولة في مراقبة الجمعيات الدينية والتعليم المنزلي والتمويل الخارجي، وأغلق على إثرها عدد من المساجد والجمعيات التي اعتبرت متشددة. كما أوجب القانون على الجمعيات الإفصاح عن التمويلات الأجنبية التي تتجاوز عشرة آلاف يورو، ومنح المحافظون صلاحية الإغلاق المؤقت لدور العبادة عند صدور خطاب تحريضي، فضلا عن إلزام كل جمعية تسعى للحصول على ترخيص حكومي، توقيع "عقد التزام جمهوري" يقر بمبادئ العلمانية والمساواة والكرامة الإنسانية.

ويتزامن هذا التشديد التشريعي مع تدين شبابي متصاعد. فقد كشفت الدراسة التي أنجزها معهد Ifop عام 2025 حول المسلمين في فرنسا نتائج أثارت نقاشا واسعا في الأوساط الأكاديمية والإعلامية. إذ بينت أن 80% من المسلمين يعرفون أنفسهم بأنهم "متدينون"، وهي نسبة تفوق نظيراتها في بقية الديانات. كما كشفت عن مؤشر جيلي لافت، حيث ترتفع مستويات الالتزام الديني لدى الفئة العمرية 15–24 عاما مقارنة بالأجيال الأكبر سنا، في تناقض مع ما يعرف في علم الاجتماع بـ"نموذج العلمنة الكلاسيكي" الذي يفترض أن الحداثة والتعليم يؤديان تدريجيا إلى تراجع التدين، خصوصا لدى الشباب.

PATRICK KOVARIK / AFP
رجل يمر أمام مدخل معهد الغزالي التابع للمسجد الكبير في باريس، 19 ديسمبر 2015

وتظهر البيانات كذلك تصاعدا ملحوظا في الممارسات الشعائرية منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي: فقد ارتفعت نسبة المشاركة في أداء صلاة الجمعة في المسجد من 16% إلى 35%، فيما بلغ التزام صيام رمضان كاملا 73%، وتصل النسبة إلى 83% بين الشباب. وفي بعد آخر مثير للجدل، أظهرت الدراسة أن 33% من المستجوبين يبدون تعاطفا مع التيار الإسلامي الذي يعبر عنه تنظيم الإخوان المسلمين.


كشفت الدراسة عن مؤشر جيلي لافت، حيث ترتفع مستويات الالتزام الديني لدى الفئة العمرية 15–24 عاما مقارنة بالأجيال الأكبر سنا

رسالة الكتاب واضحة: لا تعارض بين أن تكون مواطنا فرنسيا وأن تكون مسلما، بشرط أن تطبق بما يتلاءم  ومتطلبات الدولة العلمانية. لكن هذا الطرح يستدعي سؤالا لا يجيب عنه الكتاب: هل هذا التكيف نابع من داخل المجتمع المسلم نفسه، أم أنه استجابة لضغط سياسي وتشريعي لم يترك للمؤسسة الدينية خيارا آخر؟

اخيرا، يشير الكتاب إلى مسألة مهمة وهي أن نقد الاحتلال الاسرائيلي وسياساته العنصرية والتوسعية المناقضة للقانون الدولي يعد أمرا مشروعا ولا يندرج تحت عنوان معاداة السامية.  

font change