من غزة إلى أوكرانيا... معرض في برلين يناقش إشكاليات الدمار وإعادة الإعمار

"ميتاكسي" في أكاديمية الفنون ببرلين

© Feda Wardak, Avant La Nuit
© Feda Wardak, Avant La Nuit
لقطة من فيلم "من الأرض جئنا، وإلى الأرض نعود، ومنها سننهض من جديد"، 2026 (قيد الإنجاز) فيديو ملون أحادي القناة مع صوت، من مشروع "الباحثون عن الماء"، 20:18 دقيقة

من غزة إلى أوكرانيا... معرض في برلين يناقش إشكاليات الدمار وإعادة الإعمار

بين لحظة الدمار وفعل إعادة الإعمار تقع مساحة لا يمكن اختزالها في انتقال زمني بين حدثين، فهي مساحة تختلط فيها آثار ما فقد بما يراد بناؤه، وتثار فيها أسئلة الذاكرة والملكية والعودة والمسؤولية. إنها لحظة بينية توجز وتصوغ خواتيم ما فات وتؤسس لمصير ما هو قادم. من هذه المنطقة المعلقة ينطلق معرض "ميتاكسي: بين الدمار وإعادة الاعمار"، الذي انطلق في أكاديمية الفنون في برلين في 10 سبتمبر/أيلول ويستمر حتى 6 ديسمبر/كانون الأول 2026.

يحيل عنوان المعرض، على حالة الـ"بين": المسافة التي تفصل وتصل في الوقت نفسه بين ما كان وما قد يكون. من هنا يفترض المعرض أن إعادة الإعمار ليست مسألة معمارية أو تقنية تبدأ بعد توقف الدمار، وإنما هي عملية سياسية واجتماعية وثقافية تبدأ بالسؤال عما تبقى من الدمار: لمن تعود الأرض؟ من يملك حق العودة إليها؟ أي ذاكرة ستدخل في عملية البناء، وأي تاريخ يمكن أن يمحى مرة أخرى تحت اسم البداية الجديدة؟

بناء على ذلك، تصبح إعادة الإعمار أقل ارتباطا باستعادة الشكل السابق للمكان، وأكثر اتصالا بإعادة التفاوض على علاقات القوة التي شكلته قبل الدمار وخلاله. مع ذلك، فإن هذا الاتساع في الجغرافيات والتجارب والروايات يضع المعرض نفسه أمام سؤال لا يقل أهمية عن الأسئلة التي يطرحها: كيف يمكن جمع مواقع متعددة من الدمار داخل مساحة واحدة، من دون أن يتحول تجاورها إلى مساواة بين تجارب ومواقع سياسية غير متكافئة؟

طبقات السرد

لا يقوم المعرض، وهو مشروع مشترك بين أكاديمية الفنون في برلين ومجلةARC+، على سردية واحدة للدمار، وإنما يتضمن مجموعة مسارات تتقاطع عبر ثلاثة محاور رئيسة هي البيوت، والأرض والأزمنة. تتحرك المشاركات بين الفن والعمارة والبحث والأرشيف والأفلام والخرائط والممارسة الأدائية، وتستدعي حالات تاريخية ومعاصرة من غزة، والسودان واليمن وسوريا وأوكرانيا والبوسنة وأفغانستان وبنغلادش وغيرها من الجغرافيات التي تعرضت للحرب أو التهجير أو التحولات البيئية والسياسية. من بين المشاركين سلمى سمر الدملوجي، ومارينا تبسم، وتيفاني تشونغ، وعلا حسنين، ومجموعة "سيربانيزم"، وإيال وإينس وايزمان، ونير إفرون، ومجموعة "أوبن غروب"، ولبيوس وودز، إلى جانب مواد وأعمال تستدعي شخصيات من أرشيف الأكاديمية وتاريخها.

لا يقدم "ميتاكسي" فكرة الدمار كحدث نهائي، إنما كحالة تفتح بابا للمفاوضة والنقاش والعصف الفكري والعاطفي، وتنتج أسئلة مختلفة بحسب المكان والزمن

لا تقتصر بنية المعرض على الأعمال المفردة، فبنية العرض التنظيمية للمعرض تقدم كأحد أكبر معروضاته، عبر إسقاط مخططات المباني السابقة للموقع، التي تعرضت للتدمير سابقا، بمقياس 1:1 فوق قاعات الأكاديمية الحالية، بما يجعل المكان طبقة مركبة بين ما كان وما هو قائم. ويستكمل ذلك ببرنامج من الحوارات والعروض السينمائية والأداء والمداخلات الموسيقية والجولات، إضافة إلى عدد خاص من ARCH+ يوسع النقاش خارج فضاء العرض.

© Salma Samar Damluji / photo: Rashid bin Shibraq
أطلال ضريح الشيخ يعقوب قبل إعادة بنائه على يد سلمى سمر الدملوجي، المكلا، اليمن، 2019

بهذه البنية، لا يقدم "ميتاكسي" فكرة الدمار كحدث نهائي، إنما كحالة تفتح بابا للمفاوضة والنقاش والعصف الفكري والعاطفي، وتنتج أسئلة مختلفة بحسب المكان والزمن: ماذا يبقى؟ ماذا يمكن ترميمه؟ وما الذي لا يمكن إعادته حتى عندما تعود الجدران؟ وكيف تتغير معاني الإعمار عندما تتغير شروط العودة إليه؟

كيف يتم تمثيل الدمار؟

تتضح هذه الأسئلة في عدد من الأعمال التي تتعامل مع إعادة الإعمار باعتبارها صراعا على الأرض والذاكرة، لا مجرد استعادة لما تهدم. ضمن محور "الأرض" مثلا، تكشف مجموعة "سيربانيزم" في "الأرض المصادرة: الحرب بالقانون" كيف يمكن أدوات التخطيط والتشريع نفسها أن تتحول إلى وسائل لنزع الملكية وإعادة ترتيب المدينة وسكانها تحت اسم الإعمار.

اما على صعيد المحور الثاني، "الأزمنة"، فتستعيد "أوبن غروب" محطة قطار ليسيتشانسك المدمرة في أوكرانيا كشهادة مكانية، وتحضر عملية إعادة البناء كوسيلة لمساءلة الذاكرة والشهادة بعد تدمير البنية التحتية. أما إيال وإينس وايزمان، فيفككان في "قبل وبعد: عمارة الكارثة"، واحدة من أكثر صيغ تمثيل الدمار شيوعا: صورتان للمكان قبل الخراب وبعده. تكمن المشكلة، بحسب العمل، في أن هذه الثنائية تمحو ما حدث بين الصورتين، أي فعل الدمار نفسه وتاريخه وفاعليه. وهنا لا يمكن فهم إعادة الإعمار فعليا كمشروع سياسي من دون استعادة هذا الزمن المحذوف. إيال وايزمان، هو معماري وباحث إسرائيلي المولد، معروف بأبحاثه النقدية حول العمارة والجغرافيا بوصفهما أداتين للاحتلال والسيطرة، أسس Forensic Architecture، التي استخدمت الأدلة المكانية والبصرية للتحقيق في عنف الدول، بما في ذلك سلسلة من التحقيقات المتعلقة بغزة.

JUSTIN TALLIS / AFP
الباحث الرئيسي إيال وايزمان في مكتبه في غولدسميث، جامعة لندن، 26 أغسطس 2019

عند هذه النقطة، لا يعود السؤال مقتصرا على ما الذي يعرضه "ميتاكسي"، إذ يمتد إلى من يملك حق السرد والشهادة والتمثيل داخل فضاء العرض. فالأعمال لا تدخل المعرض من المواقع نفسها: بعضها يصدر عن خبرة مباشرة بالتهجير والفقد، وبعضها ينظر إلى العنف من مسافة جغرافية أو مؤسساتية مختلفة، وبعضها يمتلك حرية الحركة والوصول والتوثيق في مقابل آخرين تحاصرهم الحدود أو تتحول أجسادهم ومدنهم إلى موضوع للصورة.

هذه الفوارق لا تجعل العمل مشروعا أو غير مشروع بحكم هوية صاحبه، لكنها بالتأكيد تجعل موقع النظر جزءا من المعنى الذي ينتجه. فالمسألة بالطبع ليست اختزال المعرض في ثنائية الفلسطيني/الإسرائيلي، ولا قياس الأعمال وفق جنسية الفنان، وإنما تصبح حول مساءلة العلاقة بين الموقع السياسي والأخلاقي للعمل وبين ما يدعي تمثيله: من يتحدث؟ عمن؟ ومن أي مكان؟ وما الذي يبقى خارج الإطار؟

تزداد أهمية هذه الأسئلة عندما يتعلق الأمر بغزة أو بأحداث السابع من أكتوبر وتبعاتها، حيث لا يكون النظر إلى الدمار فعلا محايدا، خصوصا في ظل تفاوت حاد في القدرة على الحركة والمراقبة والتوثيق والوصول إلى المؤسسات الثقافية. وفي هذا السياق، يصبح التمثيل نفسه جزءا من علاقة القوة: قد يمتلك أحدهم إمكان أن يرى ويسجل ويعرض، بينما يبقى الآخر حاضرا كجرح أو موضوعا للصورة أكثر من كونه ذاتا سياسية تروي تجربتها بنفسها. ولذلك، لا يكفي أن يجمع المعرض أصواتا متعددة، الأهم هو كيف يكشف الفوارق بين المواقع التي تتكلم منها هذه الأصوات، من دون أن يتحول التعدد إلى تكافؤ زائف بينها.

لا يعود المبني للمجهول مجرد أسلوب لغوي للتعبير، وإنما أداة قد يعاد من خلالها ترتيب الطريقة التي تفهم بها المسؤولية

وتؤدي اللغة التي ترافق الأعمال دورا مماثلا للصورة في تحديد ما يظهر وما يبقى خارج المشهد. في بعض نصوص "ميتاكسي" تحضر مفردات مثل "العنف"، و"الصراع"، و"الدمار"، و"النزوح"، و"الاحتلال" باعتبارها أوصافا لحالات قائمة، فيما يصبح الفاعل الذي أنتج هذه الحالات أقل حضورا أو يختفي كليا خلف صياغات مبنية للمجهول. تبدو هذه اللغة، للوهلة الأولى، أكثر حيادا وموضوعية وقدرة على استيعاب مواقف متعددة، لكنها تطرح سؤالا أساسيا: هل يمكن وصف الدمار من دون تسمية علاقات القوة التي أنتجته؟

 © Marina Tabassum Architects / photo: Afsary Islam Toma
بناء منزل "خودي باري" (تعني بالبنغالية "البيت الصغير") في كوريغرام، بنغلادش

ولا تكمن المسألة في ضرورة تحويل كل نص قيمي إلى بيان سياسي، ولا فرض مفردات واحدة على جميع الأعمال. لكنها تصبح أكثر حساسية حين يؤدي التجريد اللغوي إلى فصل الأثر عن سببه: فيبدو الجرح بلا من أحدثه، والنزوح بلا من فرضه، والدمار يظهر كأنه نتيجة لحالة عامة تسمى الصراع. هنا لا يعود المبني للمجهول مجرد أسلوب لغوي للتعبير، وإنما أداة قد يعاد من خلالها ترتيب الطريقة التي تفهم بها المسؤولية. وتزداد أهمية ذلك في معرض يتناول الذاكرة والملكية والعودة في صلب أسئلته. وعليه، كيف ستتم مساءلة ما سيعاد بناؤه من دون مساءلة الكيفية التي دمر بها، والجهات والعلاقات السياسية التي جعلت هذا الدمار ممكنا؟

المواقعية والمسؤولية الأخلاقية

يضع فيلم "نار من بعيد" للفنان الإسرائيلي نير إفرون هذه الأسئلة أمام اختبار أكثر تحديدا. على مدى سبع سنوات، عاد إفرون إلى منصة مراقبة مقامة على بعد نحو خمسمئة متر شرق الحدود مع قطاع غزة، مصورا الطيور وهي تدور في السماء فوق حدود غزة. وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما أعقبها من هجوم عسكري إسرائيلي ودمار واسع في غزة، جمع هذه المادة في فيلم يربط -عبر التعليق الصوتي- تاريخ الشاش الطبي "gauze" بتاريخ الصورة والعنف والمادة، وتتسع الشبكة المفاهيمية للعمل لتصل بين الأصل اللغوي لتسمية غزة، والقطن، والضماد، والبارود، وشريط السينما، والنار.

تملك هذه السلسلة قوة شعرية ومادية واضحة، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالا أخلاقيا حول ما يحدث عندما تتحول غزة إلى أصل لغوي، ومادة، وجرح، ومشهد يرى من بعيد. أين يظهر الفلسطيني داخل هذه البنية كذات سياسية وصاحب ذاكرة وصوت، كجريح وكمستهدف بالقتل لا كموضوع للصورة أو أثر للعنف يتم تسطيحه وتجريده من تفاصيله؟

يزداد السؤال تعقيدا بفعل موقع النظر نفسه: فالفنان يشاهد غزة من الجانب الإسرائيلي للحدود، في فضاء يسمح له بالمراقبة والتصوير والحركة، بينما يتحرك الفلسطيني تحت سماء وحدود تخضعان لقيود عسكرية مختلفة جذريا. ليست المسألة هنا جنسية الفنان في ذاتها، وإنما إلى أي درجة يمكن اعتبار هذا التفاوت في شروط الرؤية والشهادة جزءا مرئيا من العمل وتأطيره. كما يثير الفيلم سؤال الزمن. فالمادة المصورة سبقت السابع من أكتوبر بسنوات، بينما يؤطر تركيبها النهائي انطلاقا من ذلك التاريخ. ليثير نيات غامضة لهذا الاستخدام، خاصة إنه يقدم عمله دون الحديث عن التوقيت الذي يجب أن يبدأ منه تاريخ الدمار عندما يروى. وهل يمكن قراءة غزة بعد 2023 دون إبقاء الحصار والاحتلال والعنف الذي سبق ذلك التاريخ داخل الإطار؟

© Estate of Lebbeus Woods
"مخطط تحويلي للمدينة"، من سلسلة "الحرب والعمارة"

تزداد حساسية هذه الأسئلة في السياق الألماني، حيث لا تدخل فلسطين وإسرائيل إلى الفضاء الثقافي كموضوعين منفصلين عن تاريخ الذاكرة والذنب والمسؤولية، بل ضمن حقل مثقل بإرث سياسي وأخلاقي يجعل فعل العرض والتجاور نفسه محملا دلالات ومليئا بالتحديات. وعليه قد تصبح مهمة القيمين والمنظمين أعقد: ففتح المجال لمواقع متعددة من منطلق الانفتاح لا يعني بالضرورة وضعها على المستوى نفسه، كما أن الحوار لا يقتضي محو الفوارق في القوة أو في العلاقة بالعنف والتهجير والقدرة على السرد.

الوقوف بين الدمار وإعادة الإعمار يظل فعلا سياسيا ما دام السؤال قائما بوضوح وبشفافية حول من دمر، ومن يعود، ومن يملك حق تصور ما سيأتي بعد ذلك

ربما تكمن أهمية "ميتاكسي" في أنه يضع هذه التناقضات داخل فضاء واحد بدل أن يتجنبها. لكن المسافة التي يشير إليها اسمه، أي الـ"بين"، لا تصبح منتجة لمجرد وجودها. فهي تحتاج إلى أن تكشف ما يفصل بين المواقع بقدر ما تجمعها، وأن تتيح للتعدد أن يظهر من دون أن يتحول إلى تكافؤ زائف. فالوقوف بين الدمار وإعادة الإعمار يظل فعلا سياسيا ما دام السؤال قائما بوضوح وبشفافية حول من دمر، ومن يعود، ومن يملك حق تصور ما سيأتي بعد ذلك.

font change