الصحراء الغربية... المغرب يدخل عهد ما بعد "المينورسو"

رهان على تثبيت وقف إطلاق النار وسط مخاوف من فراغ أمني وانقسام أميركي-روسي يعيد شبح الحرب الباردة

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
أفراد من بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية "المينورسو" على متن مروحية من طراز "ميل مي-8" في الجانب المغربي من المعبر الحدودي بين المغرب وموريتانيا في منطقة الكركرات بالصحراء الغربية، 25 نوفمبر2020

الصحراء الغربية... المغرب يدخل عهد ما بعد "المينورسو"

شرع المغرب رسميا في تهيئة ترتيبات جلاء طاقم بعثة "المينورسو" عن الصحراء الغربية، بعد إغلاق مكاتبها وفروعها، وفق تنسيق لوجيستي بين الرباط والأمانة العامة للأمم المتحدة. وغادر المغربَ عسكريون ومدنيون عائدون إلى بلادهم، خلال الأيام التي تلت إنهاء مهام البعثة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، بعد فشل التجديد لنشاطها، عقب استخدام فيتو متبادل بين روسيا والولايات المتحدة داخل مجلس الأمن في 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حول مستقبل البعثة وتسميتها والغايات منها. وأعلنت الأمم المتحدة في نيويورك عن انتهاء مهام فريقها رسميا، وبداية تفكيك قواعدها ونقل معداتها الميدانية، وإخلاء 13 موقعا، وسحب 160 مراقبا عسكريا و180 موظفا مدنيا.

التشبث بالسيادة ووقف إطلاق النار

رأس الملك محمد السادس جلسة عمل خصصت لبحث الترتيبات الإدارية واللوجستية لتسهيل مغادرة أفراد طاقم الأمم المتحدة، وأوكلت مهام التنسيق إلى وزارة الداخلية المغربية. وأفاد بلاغ للديوان الملكي أن "المغرب متشبث بوقف إطلاق النار، ولن يتغير الموقف بانتهاء عمل بعثة الأمم المتحدة". ويحتفظ المغرب "بحق الدفاع عن أمن حدوده وسيادته"، وفق نفس البيان. وقال وزير الخارجية ناصر بوريطة إن "الفيتو الروسي في مجلس الأمن ضد القرار الأميركي الخاص ببعثة الأمم المتحدة في الصحراء، شكّل فرصة من أجل تغيير قواعد اللعبة، والمطالبة بإجلاء بعثة الأمم المتحدة، بعد فقدانها الغطاء القانوني الدولي". وأضاف: "الوضع الحالي لن يعود إلى الوراء بعد 35 سنة من فشل التسوية السياسية". ولم يخفِ الوزير علم الرباط المسبق بقرار الفيتو الروسي، لكن المملكة فضلت ترك اللعبة تسير إلى النهاية، بدلاً من مطالبة أحد الأطراف بتعديل بعض فقرات القرار. في إشارة إلى رغبة الرباط في التخلص من "جمود الواقع" الذي كان يمثله وجود البعثة الأممية دون نتائج سياسية، وكان يشجع على الابتزاز.

يجمع المسؤولون في تصريحاتهم الإعلامية على أن المغرب "انتقل من مرحلة التدبير إلى تغيير المسار والحسم في النزاع". وقال برلمانيون تحدثوا إلى "المجلة" إن "المغرب بصدد طي صفحة دامت ثلاثة عقود ونصف، كانت مثار إحراج لسيادته الوطنية، وإنه عاد اليوم إلى (الوضع الطبيعي)، في احترام تام للمواثيق والشرعية الدولية، وقرارات مجلس الأمن الدولي خاصة 2797، الذي ينص على الحكم الذاتي (للإقليم) تحت السيادة المغربية".

يرى مسؤولون أن المغرب بانتهاء بعثة "المينورسو" انتقل لمرحلة الحسم في النزاع الصحراوي، لكن تبرز مخاوف من احتمال وجود فراغ أمني في المنطقة العازلة

نهاية "المينورسو"

يعتقد المغرب أنه كسب جولة سياسية ودبلوماسية على درجة كبيرة من الأهمية، "بالتخلص من عبء المينورسو"، بتعذر الاتفاق على تمديد صلاحياتها. ما منحه فرصة نادرة للمطالبة بإنهاء نشاطها، وإغلاق مقراتها، وتجميع معداتها، وتسهيل خروجها نهائيا من الإقليم. وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك: "إن فريقا أمميا تابعا لإدارة الدعم العملياتي، يتولى الإشراف حاليا على عملية نقل الممتلكات والأصول، والتصرف في المعدات التابعة للأمم المتحدة وفق الإجراءات المعتمدة".

ويتم حاليا إغلاق مقرات البعثة وتصفية موقعها الميداني، ونقل القطع والعربات والمعدات، ومعالجة أوضاع الموظفين. وكتبت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن مشهد مغادرة موظفي الأمم المتحدة للمحافظات الصحراوية وتفكيك مقراتهم ومعداتهم "شهادة وفاة رسمية لواحدة من أقدم بعثات حفظ السلام في العالم".

وفي هذا السياق عقد ألكسندر إيفانكو، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة المينورسو، اجتماعا بمقر البعثة في مدينة العيون، ضم كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين، استعرض فيه الإجراءات التنظيمية والإدارية واللوجستية المرتبطة بالمغادرة، وتسريح الموظفين الملحقين بالبعثة، بما فيهم الأطر المحلية.

أ.ف.ب
مروحية من طراز "مي-8" تابعة لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية "المينورسو" في الجانب المغربي من المعبر الحدودي بين المغرب وموريتانيا في منطقة الكركرات بالصحراء الغربية، 25 نوفمبر 2020

"المينورسو" صنيعة أميركية في البداية

تفيد مصادر دبلوماسية بأن بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء تكلف نحو 6 ملايين دولار شهريا وبلغت 75 مليون دولار من النفقات عام 2025، أغلبها من مصادر تمويلات أميركية وغربية وأيضا مغربية. وانتقدت الدول المساهمة ضعف أداء البعثة الأممية، التي يكاد ينحصر عملها في تسجيل بعض حالات خرق إطلاق النار، يتم الإبلاغ عنها إلى الأمين العام للأمم المتحدة، الذي يضمها إلى تقريره السنوي، ويسميها "التوتر المنخفض". لكن مراقبين أبدوا مخاوف من احتمال وجود "حالة فراغ أمني" في المنطقة العازلة، ما يتطلب تلطيف الأجواء، والإبقاء على تواصل مع الأطراف الأربعة المعنية بنزاع شمال أفريقيا: هي المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو. وعقدت تلك الأطراف ثلاثة اجتماعات في مدريد وواشنطن تحت رعاية أميركية وأممية مطلع العام الجاري، وبحثت في تفاصيل مشروع الحكم الذاتي المغربي، لكنها لم تحقق خطوات ملموسة، وفق ما أفاد به مسعد بولس مستشار الرئيس ترمب في المنطقة العربية والأفريقية، الذي رأس الاجتماعات الثلاثة.

الاصطفاف الغربي وراء القرار الأميركي

كتبت "لوموند" الفرنسية أن "اصطفاف باريس ولندن وعواصم دولية أخرى خلف النص الأميركي، يتجاوز مجرد المقاربة المغربية، ليؤسس لواقع جديد، يُنهي وضعية الجمود الذي طال أمده عقودا من الزمن". ويتوافق هذا الاستنتاج مع رأي غالبية أعضاء مجلس الأمن الدولي، حيث صوتت11 دولة بينها فرنسا وبريطانيا، والدنمارك، واليونان، والبحرين، ولاتفيا، وبنما، وكولومبيا، وليبيريا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية على نص القرار الأميركي. الذي يشطب نهائيا خيار الاستفتاء، ويعتبر الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب عام 2007 وتبناه المجلس في القرار 2797 العام الماضي "أساس إنهاء النزاع".

في المقابل حصل نص القرار الروسي على 3 أصوات بينهم الصين، وعارضته بقية الدول الـ11 الأخرى المؤيدة لواشنطن. وهو انقسام حاد يشبه ما حدث عام 2022 بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

يرسم المغرب مسارات لمرحلة ما بعد "المينورسو"، تشمل إنهاء البعثة، وتأمين الحدود، وإلغاء المنطقة العازلة تدريجياً، وإخراج ملف الصحراء من اللجنة الرابعة للأمم المتحدة

وللتذكير التاريخي فإن الولايات المتحدة هي التي أنشأت بعثة "المينورسو" عام 1991، عقب وساطة قادها جيمس بيكر ممثلا للأمين العام للأمم المتحدة، بين الأطراف، في إطار مشروع قرار التسوية الإقليمية. يومها كانت العلاقات طيبة بين الجزائر والمغرب بعد إنشاء "اتحاد المغرب العربي" (UMA) في مراكش عام 1989. كان العالم يومها يخرج من الحروب الباردة، ويتجه تدريجيا نحو إسكات البنادق وإحلال السلام الاقتصادي (عولمة سلاسل الإمدادات)، عوضا عن المواجهة الأيديولوجية. لكن الأزمة بين البلدين الجارين الشقيقين ما فتئت أن تصاعدت منتصف تسعينات القرن الماضي، وأدت إلى إغلاق الحدود عام 1994، ما جعل تنظيم الاستفتاء في الصحراء أمرا مستحيلا بسبب الخلافات العميقة حول تحديد المنتسبين.

وقال الرئيس السابق لـ"المينورسو" المندوب البريطاني جوليان هارستون، إن "البعثة الأممية أصبحت متجاوزة وتنتمي إلى زمن سياسي مختلف، ولم تعد الأهداف التي تأسست عليها ذات صلة بالواقع الحالي". وكتب على منصة "لينكد إن": "منذ البداية لم يكن الاستفتاء خيارا قابلا للتحقيق".

رويترز
أطفال من الصحراويين يلعبون في مخيم السمارة للاجئين، في تندوف الجزائرية، في إقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه، في 21 مايو 2022

المسارات الجديدة

يتجه المغرب حاليا نحو 4 مسارات وفق أجندات زمنية غير متوازية بالضرورة: إنهاء بعثة "المينورسو" بشكل نهائي، مع الحفاظ على التواصل مع هيئة الأمم المتحدة والجمعية العامة. وتأمين حماية الحدود الوطنية وإلغاء تدريجي لما يسمى المنطقة العازلة، وفق مقاربة غير تصعيديه. والعمل على إخراج "ملف الصحراء الغربية" من اللجنة الرابعة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وللتاريخ فإن المغرب هو الذي عرض أول مرة ملف الصحراء على أنظار الأمم المتحدة عام 1963، في فترة الاحتلال الإسباني للصحراء، وكانت المناطق المحتلة تشكل طانطان وسي إيفني وهي مناطق صحراوية عادت إلى المغرب عام 1969. وبقي المغرب يطالب بالصحراء الغربية التي ظلت تحتلها مدريد من 1884 إلى 1975.

وانتهى الاستعمار الإسباني بتوقيع "اتفاقية مدريد" في 14 نوفمبر/تشرين الثاني من السنة نفسها، أياما بعد المسيرة الخضراء التي شارك فيها 350 ألف متطوع مغربي ومتضامن من دول عربية وأفريقية وحتى من الولايات المتحدة.

ويبقى كذلك خيار تعزيز التواصل الدبلوماسي في المحافل الدولية والقارية والعلاقات الثنائية، لحشد الدعم وتعميق التعاون خاصة في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية والتجارية.

وتشكل الورقة الاقتصادية أحد أهم مصادر قوة الدعم المغربي، بالنظر إلى ما حققته المحافظات الصحراوية من تقدم في البنى التحتية والنمو العمراني، والأنشطة التجارية والسياحية والزراعية. جعلها من بين أسرع مناطق النمو في مجموع شمال أفريقيا، بمعدل نمو سنوي يفوق 8 في المئة، وحجم استثمار يزيد على مليار دولار سنويا، لسكان يقدرون بنحو نصف مليون شخص.

ويتوفر الإقليم حاليا من طريق سيار (تزنيت-الداخلة ) بطول أكثر من ألف كيلومتر وبكلفة مليار دولار. ويجري بناء ميناء الداخلة الأطلسي بكلفة تقدر بملياري دولار، موجّه أيضا للدول الأفريقية الحبيسة في الساحل مثل مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو.

الفيتو الروسي-الأميركي المتبادل حول نزاع الصحراء لم يعكس تعثرا دبلوماسياً أو صعوبة قانونية، بل كشف خلافات جيوسياسية بين قوتين لهما حق النقض وتعيد شبح الحرب الباردة

من البرلمان المغربي إلى الأمم المتحدة

تزامن إنهاء مهام "المينورسو" في الصحراء مع احتفال المغرب بعيد الوحدة في 31 أكتوبر/تشرين الأول، منحه زخما معنويا جعل المغاربة بتعدد اتجاهاتهم متحدين حول قضية يعتبرونها مصيرية ووجودية، وليست مجرد خلافات حدودية بين أشقاء. وعقد البرلمان بغرفتيه اجتماعا طارئا مطلع الأسبوع لتأكيد هذا الإجماع، واستخدام الدبلوماسية البرلمانية لحشد الدعم الخارجي. وتعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعا موسعا يشمل الأعضاء والمراقبين الدائمين في 10 نوفمبر/تشرين الثاني في نيويورك، للتعرف على الدوافع التي جعلت عضوين دائمين من مجلس الأمن الدولي، يلجأن إلى استعمال حق النقض في جلسة واحدة.

وكان استخدام الفيتو المتبادل بين روسيا والولايات المتحدة حول قرار لحل نزاع الصحراء الغربية، حال دون تمديد عمل بعثة الأمم المتحدة (المينورسو)، الذي انتهى في31 أكتوبر، ما دفع المغرب، المعني المباشر بهذا الوجود العسكري والمدني، إلى طلب مغادرة الفريق الأممي، وإغلاق مقراته، ونقل معداته، وتصفية نشاطه.

أ.ف.ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيسة وزراء المغرب فاطمة الزهراء المنصوري، خلال مراسم استقبال المشاركين في قمة روسيا وأفريقيا، بقصر الكرملين الكبير وسط موسكو، روسيا، في 28 أكتوبر 2026

ويسمح قرار الجمعية العامة 76/262 بدعوة مجلس الأمن إلى تقديم تقرير منفصل حول مبررات استخدام حق النقض، لإضفاء الشفافية القانونية والمساءلة السياسية، بشأن الآليات التي تحول دون اعتماد بعض القرارات. لكن هذا الإجراء لا يمنح إمكانية إلغاء الفيتو، أو ما ترتب عنه من تدابير، أو إعادة التصويت من جديد، ولا يمكن نقل صلاحيات مجلس الأمن إلى الجمعية العمومية، أو الطعن في القرارات التي صادق أو لم يصادق عليها مجلس الأمن الدولي.

ويقول محللون إن الاجتماع يشكل مناسبة لتقييم مبررات استخدام حق النقض. وفرصة للمغرب وأصدقائه للترافع حول قضية الصحراء، التي تقول الرباط إن أطرافا دولية تستغلها لممارسة الابتزاز، وإطالة أمد النزاع وتجميد الحلول والمبادرات، أو عرقلة تطبيقها.

شبح الحرب الباردة

رأى محللون محايدون أن ما جرى في مجلس الأمن يوم الجمعة 30 أكتوبر، لم يعكس تعثرا دبلوماسيا أو صعوبة تقنية أو قانونية لإصدار قرارات أممية حاسمة، بقدر ما كشف عن خلافات جيوسياسية بين قوتين لهما حق النقض، يُعيد من حين لآخر شبح الحرب الباردة. وتحدثت صحيفة "نيويورك تايمز" عن "الاستقطاب العالمي الخانق"، واعتبرت أن "الفيتو الروسي-الأميركي المتبادل لم يكن، في جوهره، سوى تصفية حسابات جيوسياسية فوق رمال الصحراء، حيث تسعى موسكو إلى إرباك النفوذ الغربي المتنامي في المنطقة، وفرض نفسها كلاعب معرقل للمبادرات".

من جهتها تتهم روسيا الولايات المتحدة بفرض حل قبل استكمال المشاورات لأغراض شخصية. لكن موسكو في الواقع لا ترغب في أن يُحسب الحل لصالح واشنطن والرئيس ترمب ما لم يساهم في حل مشكل أوكرانيا وفق المقاربة الروسية. وكشف مسؤول روسي لوسائل إعلام مغربية أن "القرار داخل مجلس الأمن أملته ضرورة الحفاظ على التوازنات الجيوسياسية، ضمن تصور أوسع، يتعلق بالمصالح الاستراتيجية لموسكو في شمال أفريقيا ودول الساحل، التي طورت علاقاتها مع روسيا بعد تراجع النفوذ الأوروبي". لافتا إلى أن الموقف الروسي "لا يمكن اختزاله في العلاقات مع الجزائر وحدها، أو اعتباره موقفا معاديا للمغرب وحقوقه في الصحراء".

font change