الصحراء الغربية... واشنطن تنكفئ وسيناريوهات مفتوحة أمام "المينورسو"https://www.majalla.com/node/333523/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%86%D8%B7%D9%86-%D8%AA%D9%86%D9%83%D9%81%D8%A6-%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%81%D8%AA%D9%88%D8%AD%D8%A9-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86%D9%88%D8%B1%D8%B3%D9%88
الصحراء الغربية... واشنطن تنكفئ وسيناريوهات مفتوحة أمام "المينورسو"
حسم مؤجل
(أ.ف.ب)
أفراد بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) لدى وصولهم إلى الجانب المغربي من المعبر الحدودي بين المغرب وموريتانيا في منطقة الكركرات بالصحراء الغربية، في 25 نوفمبر 2020
الصحراء الغربية... واشنطن تنكفئ وسيناريوهات مفتوحة أمام "المينورسو"
خلف الستار الدبلوماسي، تخضع النزاعات الإقليمية المزمنة لمنطق الواقعية السياسية، حيث تصاغ المواقف بناء على موازين القوى والمصالح الاستراتيجية المباشرة، بعيدا عن الاندفاع نحو حلول قد تُفجر الأوضاع الميدانية.
وتتجسد هذه المقاربة البرغماتية الصارمة في الرسائل الأخيرة التي بعث بها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي في حوار مع قناة "فرانس 24" على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026، إذ حملت تصريحاته إقرارا واعترافا علنيا بعدم وجود حل سياسي وشيك أو فوري في الأفق المنظور، وهو ما يمثل اعترافا بقوة الأمر الواقع واستعصاء النزاع على الحسم السريع.
وبالنسبة لمخرجات التوازنات الأخيرة، أقر بولس بأنه "لا يوجد في الوقت الراهن حل نهائي وشيك للنزاع، قائلا إن "الجولات الثلاث من المحادثات كانت بناءة ومثمرة"، غير أنها لم تفض إلى اتفاق نهائي. وفي تقييمه للمدى الزمني والتوقعات الاستشرافية للحل، كان جواب المسؤول الأميركي واضحا بأن "واشنطن لا ترى حاليا حلا "يُمكن الشعور بقربه".
وفي سياق متصل، شدد مسعد بولس على أن "قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 لا يمثل نهاية المطاف بحد ذاته، بل يضع الإطار التفاوضي الأساسي الذي يجب البناء عليه للوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة".
حديث المبعوث الأميركي بغياب حل يمكن تلمسه للصحراء الغربية يمثل كبحا للمقاربات الاستباقية ويؤكد أن استراتيجية إدارة الصراع لا تزال تتقدم على خيارات الحسم السريع
وفيما يخص التوازنات الإقليمية، وصف بولس الجزائر بأنها "شريك جيد جدا ومهم للغاية للولايات المتحدة في المنطقة"، مؤكدا أن "واشنطن تقر بالدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه الجزائر في تشجيع المسار السياسي ودفع أطراف النزاع نحو طاولة المفاوضات".
تراجع المقاربة الزمنية
إن هذه المقاربة الدبلوماسية الراهنة لواشنطن في التعاطي مع الواقع الميداني للنزاع، تعكس تراجعا واضحا عن الحماس الأميركي السابق المقيد بأسقف زمنية، حيث بدت تصريحات بولس بعيدة عن مقاربة الحسم التي تبناها المبعوث ستيف ويتكوف ضمن مهمة "الستين يوما"، لتستبدلها برؤية واقعية تقر باستعصاء الحل وهو ما يفتح الباب أمام التساؤلات التالية: ما هي العوامل التي تحول دون ترجمة الجولات التفاوضية البناءة والمثمرة إلى اتفاق سياسي نهائي وملموس على أرض الواقع؟
آليات عسكرية مغربية تعبر بجوار حطام سيارات في منطقة الكركرات بالصحراء الغربية، في 24 نوفمبر 2020
وما هي حدود الفجوة القائمة بين المقاربات السياسية للأطراف المعنية والتي تجعل من صياغة تسوية توافقية أمرا متعذرا في الأفق المنظور؟ وفي ظل التراجع عن سقف "الستين يوما" والتحول نحو رؤية أميركية أكثر واقعية تقر بصعوبة الحل، كيف سينعكس منعطف 31 أكتوبر/تشرين الأول ومستقبل بعثة "المينورسو" (بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية) على موازين القوى في المنطقة؟
وهل سيقتصر دور البعثة مستقبلا على إدارة الأمر الواقع بدلا من فرض تسوية سياسية؟
تأسيسا على هذه التساؤلات وبداية لتفكيك أبعاد هذا التحول، تكتسب تصريحات مسعد بولس أهمية استثنائية بالنظر إلى توقيتها ومضمونها، فبينما كانت القراءات الإقليمية تميل نحو حسم مسار القضية، جاء إقرار المبعوث الأميركي بوجود "مأزق" ليعيد ترتيب الأولويات الدبلوماسية.
ويقول في هذا السياق عمار بلاني، وهو سياسي ودبلوماسي جزائري، شغل سابقا المبعوث الخاص المكلف بقضية الصحراء الغربية ودول المغرب العربي إن قول مسعد بولس بأنه "لا يوجد حاليا حل يمكن تلمسه أو الإمساك به يمثل كبحا للمقاربات الاستباقية، ويؤكد أن استراتيجية إدارة الصراع لا تزال تتقدم على خيارات الحسم السريع".
وعلى هذا الأساس، سقطت الرهانات التي اعتبرت القرار 2797 محطة أخيرة للمسار أمام واقعية المشهد، فالتصريحات الأخيرة تؤكد أن الملف يراوح مكانه دبلوماسيا.
القرار الأممي 2797 يظل آلية لإدارة التفاوض لا صكا للحسم، ويظل التوصل إلى تسوية سياسية مرهونا بمفاوضات وموافقة صريحة وطوعية من البوليساريو للتوصل لحل للطرفين
ورغم الإشادة بجولات المحادثات الثلاث الماضية بوصفها "بناءة" فإن عدم ترجمتها إلى اتفاق ملموس يكشف عن معوقات تحول دون الانتقال من مرحلة جس النبض التفاوضي إلى التسوية الدائمة ليظل القرار الأممي مجرد آلية لإدارة التفاوض لا صكا للحسم.
رفع علم "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية" قبيل انعقاد مؤتمر للجبهة في مخيم الداخلة للاجئين الواقع على بُعد نحو 170 كيلومترا جنوب شرقي تندوف الجزائرية، 13 يناير 2023
وفي قراءة تحليلية لهذا الجمود، يرى الدبلوماسي الجزائري عمار بلاني أن "القرار الأممي لا يعدو كونه إطارا للتفاوض، والحال أن الإطار وحده لا يفضي إلى نتائج، إذ لا بُد من التوصل إلى اتفاق والأهم من ذلك الحصول على موافقة صريحة وطوعية من جبهة البوليساريو، باعتبار ذلك الشرط الوحيد الكفيل بالوصول إلى حل مقبول للطرفين".
وفي محاولة لتفكيك مسببات هذا الانسداد، يرجع الدكتور عبد الرفيق كشوط وهو أكاديمي ومحلل سياسي ومتخصص في الدراسات الأمنية والاستراتيجية والعلوم السياسية والعلاقات الدولية العجز عن ترجمة الجولات التفاوضية إلى اتفاق نهائي إلى جملة من العراقيل، ويقول في حديثه لـ"المجلة" إن "اللقاءات الحالية تفتقر إلى الجدية الإجرائية والنقاش الحقيقي حول الملفات الجوهرية، وسط غياب تام للتوافق الأولي على جدول أعمال موحد يحدد ماهية المواضيع الواجب التفاوض بشأنها".
ويتعمق هذا المأزق بفعل التوجه الأحادي للطرف المسيطر ميدانيا ومحاولته حصر النقاشات في مسائل تخدم مصالحه الخاصة فقط، بالتوازي مع دخول قوى دولية وإقليمية ثالثة على الخط سعيا لتوجيه دفة المفاوضات واستغلال الملف كورقة ضغط ومساومة استراتيجية.
ويخلص المتحدث إلى أن أزمة الثقة تظل العقبة الأبرز في ظل قناعة الطرف المطالب بتقرير المصير بأن هذا المسار الدبلوماسي لا يعدو كونه مناورة تماطلية لكسب الوقت وإحداث تغييرات ديموغرافية على الأرض تهدف لفرض أمر واقع يجهض أي أفق لعملية استفتاء مستقبلي.
الجزائر ليست طرفا
وفي مقابل هذا الانسداد الميداني، تصطدم محاولات تدويل المسؤولية الإقليمية بالقراءة الواقعية للقوى الدولية، إذ جاءت تصريحات المستشار الأميركي مسعد بولس لتعيد الأمور إلى نصابها الدبلوماسي برفضه تصوير الجزائر كعائق مباشر في الصراع، واصفا إياها بـ"الشريك الحيوي".
ويشير بلاني إلى أن "بعض السرديات تحاول تصوير الجزائر كطرف رئيس في النزاع، غير أن هذا الطرح يصطدم بالحقائق القانونية لمنظمة الأمم المتحدة التي تصنف المغرب وجبهة البوليساريو كطرفي النزاع الأساسيين المعنيين بالعملية السياسية بينما يقتصر توصيف الجزائر وموريتانيا على كونهما دولتين جارتين يطلب منهما مرافقة هذا المسار الأممي لدعم فرص الاستقرار الإقليمي".
وفي هذا الإطار الدبلوماسي، تتطابق مقاربة المسؤول الأميركي مسعد بولس مع الطرح الرسمي الحاسم الذي أعاد رسم معالمه الرئيس عبد المجيد تبون، في حوار بثه التلفزيون الجزائري منذ أيام، أكد من خلاله أن "الجزائر ليست طرفا مباشرا في النزاع، وقرارات مجلس الأمن الدولي واضحة تماما وأن طرفي النزاع هما جبهة البوليساريو والمملكة المغربية، في حين تقتصر صفة الجزائر وموريتانيا على كونهما ملاحظين فقط في هذه القضية".
جملٌ أمام الشمس الغاربة في الصحراء قرب الداخلة في الجزء من الصحراء الغربية الخاضع للإدارة المغربية، 13 أكتوبر 2019
وضمن هذا التموضع الدبلوماسي، كرر الرئيس تبون جملته الشهيرة للتأكيد على ثبات الموقف بالقول: "قلتها وأكررها... لسنا صحراويين أكثر من الصحراويين أنفسهم، ونحن مع أي قرار يقبلون به".
قراءة في المآلات المرتقبة لـ31 أكتوبر
ومع استمرار الانسداد الدبلوماسي والميداني، تتجه الأنظار نحو 31 أكتوبر الجاري، إذ يمثل هذا المنعطف اختبارا جديدا لمدى قدرة مجلس الأمن الدولي على كسر حلقة الجمود، وتحديد ملامح ومستقبل بعثة "المينورسو" في المنطقة، حيث يرأس مجلس الأمن جدول أعمال مكثف يتضمن مشاورات مغلقة للاستماع لإحاطة رئيس البعثة ألكسندر إيفانكو، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، والتقرير السياسي المرتقب للمبعوث الشخصي للأمين العام ستيفان دي ميستورا حول حصيلة مساعيه الأخيرة.
وهو ما يضع المنتظم الدولي أمام اختبار حقيقي لمعرفة ما إذا كان القرار سيمدد الوضع القائم ويحافظ على استقرار الإقليم، أم إنه سيحمل ديناميكية سياسية مغايرة لكسر حلقة الجمود.
في ظل سيناريوهات تشمل تقليص مهام "المينورسو" المدنية وحصر دورها في مراقبة وقف إطلاق النار، هل ستستمر أداة عسكرية لإدارة الأمر الواقع أم تعبر نحو مرحلة انتقالية ترتبط بتسوية سياسية؟
وفي قراءته لكواليس التوازنات الدولية، يقدر الدبلوماسي عمار بلاني أن "مجلس الأمن الدولي يبدو اليوم، بصورة عامة، منحازا إلى الموقف المغربي، إذ يؤيد ما بين أحد عشر واثنى عشر عضوا من أعضائه، بدرجات متفاوتة، خطة الحكم الذاتي، لكن هذا الاصطفاف العددي يصطدم بتحفظات قوى عظمى وازنة كالصين وروسيا اللتين قادتا إلى جانب باكستان جبهة الامتناع عن التصويت على القرار 2797 في أكتوبر/تشرين الأول 2025".
ويرى أن "الموقف الباكستاني ينطلق من ارتباط مبدئي بقضية كشمير ومسألة تقرير المصير، بينما ترتكز بكين وموسكو على حسابات جيوسياسية أوسع تتعلق بمناطق نفوذهما متوجستين من أي سابقة دولية تفرض خارج إطار تسوية حقيقية وتوافقية بين الأطراف".
وفي ضوء هذا التعقيد الاستراتيجي، يرى الدبلوماسي عمار بلاني أن "المشهد الميداني والسياسي بات مفتوحا على سيناريوهات متعددة ترسم ملامح المرحلة المقبلة، حيث يبرز في مقدمتها سيناريو تجديد ولاية بعثة "المينورسو" لمدة عام مع تقليص وظائفها المدنية، والإبقاء عليها في صيغة محدودة تركز على المراقبة العسكرية لوقف إطلاق النار، مع نقل الثقل السياسي للدبلوماسية الأميركية المباشرة بين الأطراف.
وثاني هذه الاحتمالات هو التمديد التقني القصير لستة أشهر فقط ليتسنى لواشنطن انتزاع اتفاق سياسي، بينما يكمن الخيار الثالث في تجديد يتماشى تماما مع المقاربة الميدانية الحالية، وهو مسار قد يجابه بردود فعل أشد صرامة من موسكو وبكين".
ويمتد الاستشراف السياسي الذي قدمه عمار بلاني ليشمل فرضية حدوث تحول عميق في الولاية العسكرية للبعثة الأممية لتحويلها إلى مهمة ذات طابع أمني أساسي، مستكملة منطق تقليص الوسائل الذي بدأ بالفعل.
وفي المقابل، يظل سيناريو إنهاء البعثة كليا مستبعدا على المدى القريب بالنظر إلى الفراغ الأمني الذي قد يخلفه في ظل استمرار الأعمال العدائية منخفضة الوتيرة منذ عام 2020. غير أن الطرح يميل نحو سيناريو انتقالي، تواكب فيه البعثة المفاوضات لفترة محددة، على أن يعدّل تفويضها أو يُنهى كـ"نتيجة تلقائية" لتسوية سياسية تتوج باتفاق شامل ومقبول، لا كقرار منفصل عنه.
ووفقا لهذه الرؤية التحليلية، فإن جوهر الرهان في محطة الحادي والثلاثين من أكتوبر/تشرين الأول لا يكمن في السؤال حول بقاء البعثة من عدمه، بل في تحديد طبيعة الصيغة التي يعتزم مجلس الأمن الحفاظ عليها، وما إذا كانت "المينورسو" ستستمر أداة عسكرية وإجرائية لإدارة الأمر الواقع، أم إنها ستعبر نحو مرحلة انتقالية ترتبط ارتباطا وثيقا بجهود تسوية سياسية يتم التفاوض بشأنها بحسن نية بعيدا عن منطق المقايضات والشروط المسبقة.