حل "نزاع الصحراء" يتطلب انخراطا حذرا مع الجزائر

قرار استراتيجي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مروحية ميل مي-8 تابعة لبعثة الأمم المتحدة بعد هبوطها في الصحراء الغربية على الجانب المغربي من معبر الكركرات الحدودي بين المغرب وموريتانيا، الواقع في الصحراء الغربية، في 25 نوفمبر 2020

حل "نزاع الصحراء" يتطلب انخراطا حذرا مع الجزائر

كشفت الولايات المتحدة أنها يسرت مباحثات في مدريد، جمعت الأطراف المعنية بنزاع الصحراء الغربية: المغرب و"جبهة البوليساريو" والجزائر وموريتانيا، في خطوة عكست تحولا لافتا عن المسار الطويل، الذي قادته الأمم المتحدة، سعيا إلى تسوية سياسية لنزاع الصحراء الغربية. انعقدت هذه المحادثات برعاية مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأميركي ترمب إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، وبمشاركة الممثل الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز. وعلى الرغم من أن لقاءات مدريد لم تفض إلى اتفاقات ملموسة تذكر، فإنها حملت رسالة واضحة، مفادها أن إدارة ترمب عازمة على الحفاظ على الزخم الدبلوماسي في الأسابيع المقبلة.

ويجسد هذا التحرك عمليا الالتزام الوارد في قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي اعتمد في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إذ أثنى المجلس على استعداد الولايات المتحدة لاستضافة مفاوضات، دعما لجهود المبعوث الشخصي من أجل التوصل إلى حل لقضية الصحراء الغربية وسياقها الإقليمي الأوسع. ومن خلال اضطلاعها بهذا الدور، تقدمت واشنطن إلى صدارة المساعي الرامية إلى معالجة نزاع، ظل عالقا في فراغ دبلوماسي طويل، بعدما انهار وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

وقد حققت الإدارة الأميركية بالفعل إنجازا دبلوماسيا بارزا، فقد تطلب حضور الجزائر إلى طاولة المفاوضات جهدا متواصلا وحسابات دقيقة. فعندما عرض القرار 2797 على التصويت، اختارت الجزائر- وكانت آنذاك عضوا غير دائم في مجلس الأمن- عدم المشاركة. وأسهم الضغط الصادر عن الكونغرس الأميركي، بما في ذلك التهديد بفرض عقوبات على خلفية علاقات الجزائر الدفاعية مع روسيا، فضلا عن مقترحات تصنيف "جبهة البوليساريو" التي تدعمها الجزائر تنظيما إرهابيا، في دفعها إلى المشاركة في نهاية المطاف. وقد ظل مسؤولون جزائريون حتى وقت قريب يؤكدون تمسكهم بصفة المراقب الإقليمي، ويرفضون توصيف الجزائر طرفا مباشرا في النزاع. ومع ذلك، فإن اختزال انخراط الجزائر في كونه نتيجة لضغوط خارجية فحسب، يحجب الصورة الدبلوماسية الأوسع. لقد أتاح إدراك إدارة ترمب للشواغل الاستراتيجية والحساسيات السياسية الجزائرية تهيئة ظروف مواتية لمشاركتها. ويظل الحفاظ على هذا النهج المتوازن شرطا أساسيا إذا أريد للجزائر أن تواصل إسهامها بصورة جوهرية وبناءة.

ويعكس إصرار واشنطن على ضمان إدماج الجزائر في محادثات مدريد، عمق اعتماد "جبهة البوليساريو" المتزايد على الدعم الجزائري. فعلى مدى العقود الماضية، تآكل الاعتراف الدبلوماسي بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، التي تعلن تمثيل الشعب الصحراوي. وعندما برزت "جبهة البوليساريو" في سبعينات القرن الماضي، سارعت أكثر من ثمانين دولة إلى الاعتراف بالكيان الذي أعلنته. غير أن ما يزيد على خمسين دولة سحبت اعترافها لاحقا. ومع انحسار هذا التأييد الدولي، تعاظم دور الجزائر، فاكتسب ثقلا ماديا ودلالة رمزية في إسناد القضية السياسية لـ"البوليساريو".

أ.ف.ب
مخيم الداخلة للاجئين الصحراويين، على بُعد 170 كيلومترًا جنوب شرق مدينة تندوف الجزائرية، في إقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه، في 8 يوليو 2016

ويعكس استعداد الجزائر لاستضافة اللاجئين الصحراويين على أراضيها عمق التزامها بقضية "البوليساريو". وتتباين تقديرات أعداد اللاجئين تباينا حادا. فقد قدّر أحدث مخطط للاستجابة للاجئين الصحراويين، الذي يجمع احتياجات جميع وكالات الأمم المتحدة العاملة في المخيمات، العدد بنحو 174 ألفا، فيما تشير مصادر أخرى موثوقة، من بينها مراقبون يزورون مخيمات تندوف بانتظام، إلى رقم أقرب إلى40 ألفا.

النظر إلى "جبهة البوليساريو" بوصفها مجرد وكيل للجزائر، سيكون بدوره خطأ جسيما. لقد تأسست "الجبهة" عام 1973 في موريتانيا المجاورة، ولكن اضطلعت الجزائر بدور الداعم الرئيس لها. ويرتبط ملف الصحراء الغربية في وعي القيادة السياسية الجزائرية، ارتباطا وثيقا بتجربتها الخاصة في مناهضة الاستعمار وبالمرحلة التأسيسية للتحرر الوطني. ولا ينظر المسؤولون الجزائريون إلى دعمهم من زاوية أيديولوجية متصلة بالتطرف، أو باستقطابات الحرب الباردة، بل يعبر موقفهم عن تمسك راسخ بمبدأ تقرير المصير بوصفه ركنا من أركان النظام ما بعد الاستعمار. وقد حافظ هذا الاقتناع على ثبات الموقف الجزائري عبر عقود من التحولات الإقليمية والدولية.

تحظى مسألة وحدة الأراضي بالقدر نفسه من الأهمية في التفكير الاستراتيجي الجزائري. فقد ظلت حساسية القيادة تجاه قضايا الحدود حادة، متأثرة بتاريخ طويل ومعقد مع المغرب سبق نشوء نزاع الصحراء الغربية

وتحظى مسألة وحدة الأراضي بالقدر نفسه من الأهمية في التفكير الاستراتيجي الجزائري. فقد ظلت حساسية القيادة تجاه قضايا الحدود حادة، متأثرة بتاريخ طويل ومعقد مع المغرب سبق نشوء نزاع الصحراء الغربية. ويبرز توقيف الكاتب بوعلام صنصال على خلفية تصريحات تناولت ترسيم الحدود دليلا على الشحنة السياسية والرمزية التي ما زالت هذه المسائل تحملها. وفي هذا السياق التاريخي، يكتسب وجود حزام جغرافي فاصل بين الجزائر والمغرب أهمية استراتيجية ونفسية.

في ظل هذه المعطيات، قد يتوقف إحراز تقدم على ابتكار آليات موثوقة للتشاور مع السكان الصحراويين، بمن فيهم المقيمون في تندوف، حتى إن لم يرتق ذلك إلى استفتاء رسمي. ويمكن لحوار منظم وشامل أن يفتح مسارا عمليا، ولا سيما إذا تناول جوهر مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب أخيرا في وثيقة من أربعين صفحة. ومن شأن مسار كهذا أن يهيئ المجال السياسي اللازم لتطور تدريجي في موقف الجزائر.

وينسجم هذا الطرح مع الموقف الذي عبر عنه سفير الجزائر لدى واشنطن صبري بوقادوم، إذ شدد على أن أي تسوية ينبغي أن تعكس في نهاية المطاف إرادة الشعب الصحراوي نفسه. وتحمل تصريحاته دلالة واضحة مفادها أن الجزائر ستقبل بالنتيجة إذا اختار الصحراويون، بحرية، الاندماج ضمن المغرب.

أ.ف.ب
وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة وهو يستقبل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، ستيفان دي ميستورا، في العاصمة الرباط، بيان صادر عن وزارة الخارجية المغربية في 5 يوليو 2022

كما ستحتاج أي تسوية دائمة إلى معالجة القلق الجزائري المستمر حيال صون حدودها الموروثة عن مرحلة ما بعد الاستعمار. وينبغي لأي اتفاق، حتى وإن استند إلى إطار للحكم الذاتي، أن يتضمن ضمانات تؤكد أن الحدود الجزائرية الموروثة عن مرحلة ما بعد الاستعمار ليست عرضة للخطر. وقد يشكل إعلان "جبهة البوليساريو" استعدادها للعودة إلى وقف إطلاق النار، الذي كانت قد تخلت عنه قبل نحو ستة أعوام، نقطة تحول تمهد الطريق أمام مناقشات بنّاءة في المرحلة المقبلة.

وقد تبدأ الجولة المقبلة من المحادثات في أقرب وقت. وسيظل العمل الدؤوب على جمع كافة الأطراف حول طاولة التفاوض، بما في ذلك الجزائر، من خلال معالجة هواجسها الأساسية، عاملا حاسما في تحقيق تقدم ملموس. كما أن الحفاظ على قدر من السرية في هذه المحادثات يظل الوسيلة الأنجع لتعزيز الثقة بين الأطراف، وتهيئة الطريق أمام تحقيق اختراق محتمل.

font change