الدماغ في مواجهة أوهامه... كيف يقرأ سروري والعروسي عصر الذكاء الاصطناعي؟

حوار فلسفي في زمن الخوارزميات

الدماغ في مواجهة أوهامه... كيف يقرأ سروري والعروسي عصر الذكاء الاصطناعي؟

يأتي كتاب البروفسور اليمني حبيب سروري والمفكر المغربي موليم العروسي، "الذكاء الاصطناعي، الروح/الدماغ، ووهم العقل العربي" الصادر عن منشورات "المتوسط"، في لحظة فكرية راهنة تتقاطع فيها أسئلة فلسفة العقل، والعلوم العصبية، والذكاء الاصطناعي، والنقد الثقافي العربي، حيث يجد المنتمي للجغرافيا العربية نفسه ملزما الانخراط في فعل التفكير تجاه الحاصل العالمي والإنساني من تغيير يطال كل البنى البشرية من عقل وروح وتقنية وجسد وهوية، في زمن متسم بالتسارع الفائق المدفوع بقوة الذكاء الاصطناعي المتزايدة والمتصاعدة.

تكمن فرادة هذا العمل، في وقت تبرز مجموعة من المؤلفات والدراسات العربية التي تهتم بهذا المستجد التقني الذي يغزو كل الميادين، في كونه لا يتخذ شكل الدراسة الأكاديمية التقليدية، ولا شكل المقالة الفكرية المغلقة، وإنما يبني معماره المعرفي من خلال المراسلة والحوار والتعقيب المتبادل بين المؤلفَين. كل رسالة تفتح سؤالا جديدا، وكل جواب يعيد صوغ السؤال نفسه من زاوية أخرى، حتى تتحول المراسلات إلى حركة فكرية مستمرة تتقدم عبر التراكم والمراجعة والتوسيع. وقد نشأت هذه المحاورة إثر نقاش فكري حول الخلط بين العقل والمعتقد عربيا، ومن مراسلة دشنها الأستاذ العروسي، ثم امتدت إلى موضوعات الروح والدماغ والذاكرة والذكاء والذكاء الاصطناعي ومفهوم العقل العربي.

مجال متداخل

لا ينطلق الكتاب من افتراض وجود حدود فاصلة ونهائية بين الفلسفة والعلم، وإنما يعامل المعرفة بوصفها مجالا متداخلا. هنا تظهر أهمية الخلفيتين المختلفتين للمؤلفين، فالعروسي يحمل معه تقاليد التأمل الفلسفي والإستتيقي، بينما يحمل سروري خبرة علوم الحاسوب والنمذجة الخوارزمية. ومن هذا اللقاء يتولد خطاب يتجنب الانغلاق داخل اختصاص واحد. فعندما يثير العروسي سؤال الروح، لا يتعامل معه بوصفه مفهوما لاهوتيا فحسب، وإنما بوصفه عقدة معرفية رافقت تاريخ الإنسانية منذ الإغريق، خلاصتها أن "الإنسان جسد لا غير، روحه دماغه" (ص. 17)، ومن هذا المنطلق توسعت فروع المراسلات/الكتاب لتسائل "العقل الآلي" نفسه.

الدماغ هنا ليس عضوا بيولوجيا فحسب، وإنما تاريخ تطوري كامل، ومخزن للذاكرة، ومنصة لإنتاج اللغة

وعندما يجيب سروري، فإنه يستدعي معطيات علوم الدماغ والشبكات العصبية الاصطناعية وآليات التعلم الآلي، فتتحول الرسالة إلى مختبر تفكير تتجاور فيه الفلسفة مع البيولوجيا والمعلوماتية، وتنفتح على المتون الأدبية والبصرية التي تعمل على بناء نوع من المخيال الموازي للعلوم والفلسفة.

غلاف كتاب "الذكاء الاصطناعي، الروح/الدماغ، ووهم العقل العربي"

أكثر ما يلفت الانتباه في هذا العمل أن موضوع الروح لا يحضر بوصفه جوهرا مفارقا للعالم، كما لا يحضر باعتباره مجرد إفراز ميكانيكي للدماغ، فهما (الروح/دماغ) يحيلان على الكيان نفسه، إذ أن "الدماغ، موضوع هذا القرن الحادي والعشرين بامتياز: "قرن الدماغ"، كما يُطلق عليه" (ص. 8). فالمراسلات تتحرك داخل منطقة توتر معرفي بين التفسير العصبي للوعي وبين التجربة الذاتية للإنسان. هنا يقترب الكتاب من الإشكالية التي لا تزال تشغل فلسفة الوعي المعاصرة: كيف تنتج المادة العصبية الخبرة الشعورية؟ وكيف تنبثق الذات من شبكة هائلة من التفاعلات الكهروكيميائية؟ وما العلاقة بين الذاكرة والهوية والشعور بالأنا؟ وهل تتكامل الآلة البيولوجية مع الآلة التكنولوجية؟ وهل يمكن الذكاء الاصطناعي أن يفكر مثل البشر؟ وهي أسئلة لا تزال محل جدل واسع حتى داخل أكثر الأبحاث العلمية تقدما.

ومن خلال هذا المسار، يتحول الدماغ إلى اللبنة المركزية في الكتاب. فالدماغ هنا ليس عضوا بيولوجيا فحسب، وإنما تاريخ تطوري كامل، ومخزن للذاكرة، ومنصة لإنتاج اللغة والخيال والأحلام والرغبة والخوف والإبداع، من حيث إنه أيضا -كما يؤكد الأستاذ العروسي- "ماكينة الجسد وربان سفينتها" (ص. 31). ولذلك يبدو النقاش حول الذكاء الاصطناعي امتدادا طبيعيا للنقاش حول الدماغ. فإذا كان الإنسان قد استطاع بناء أنظمة تتعلم وتستنتج وتنتج نصوصا وصورا وتنفذ مهام معقدة، فأين يبدأ الفرق بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي؟ وأين تنتهي حدود المحاكاة؟ وهل يكفي التعقيد الحسابي لإنتاج الوعي؟ أم أن هناك بعدا وجوديا لا تختزله الخوارزميات؟

مساءلة المفاهيم

في هذا المستوى بالذات يكتسب الكتاب عمقه الفلسفي. فالمؤلفان لا ينجرفان وراء الحماسة التقنية التي ترى في الذكاء الاصطناعي وارثا للإنسان، كما لا يسقطان في خطاب الخوف الذي يصوره كقوة شيطانية تهدد الحضارة. إنهما يفضلان مساءلة المفاهيم ذاتها. ما الذكاء؟ ما التفكير؟ ما الإدراك؟ ما الذاكرة؟ وما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟ ولهذا فإن الكتاب لا يدرس الآلة بقدر ما يدرس الإنسان من خلال الآلة، لهذا لم يتوان المؤلفان في استعمال صفة "الببغاوية" على الكيفية التي يتعلم بها نظام (ChatGPT) نموذجا (ص. 36). غير أن هذا المعطى الوصفي الآن لا يمنع "الانتصار النوعي للذكاء الاصطناعي" في المستقبل القريب (ص. 41). فهذا الذكاء يصبح مرآة ضخمة يرى الإنسان فيها بنيته الذهنية وحدوده المعرفية وأوهامه القديمة.

Kirill KUDRYAVTSEV / AFP
زوار يمرون أمام لافتة للذكاء الاصطناعي خلال معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، 2024

ومن هنا نصل إلى أكثر مفاهيم الكتاب إثارة للجدل: مفهوم "وهم العقل العربي". فالعنوان نفسه يحمل موقفا نقديا حادا. لا يقصد المؤلفان إنكار وجود خصوصيات ثقافية أو تاريخية للمجتمعات العربية، وإنما يعارضان تحويل تلك الخصوصيات إلى بنية عقلية جوهرانية ثابتة. فالعقل، أو التفكير، وفق المنظور الذي تتبناه المراسلات، وظيفة دماغية إنسانية مشتركة، وكونية (ص. 126)، والاختلافات تنشأ من أنظمة التربية والمعرفة واللغة والمؤسسات والثقافة وشروط التاريخ، فـ"ليس للعرب دماغ مغاير مكوّن بيولوجيا من شيء آخر" (ص. 135)، يؤكد صاحب "الفضاء والجسد". لذلك فإن الحديث عن "عقل عربي" جوهري يختلف في بنيته البيولوجية أو المنطقية عن غيره، يتحول إلى نوع من الأسطورة الثقافية. وقد صرح الكاتبان بأن الدماغ وآلياته واحدة لدى البشر، وأن مفهوم العقل العربي يتحول إلى وهم عندما يعامَل باعتباره حقيقة أنثروبولوجية ثابتة.

الحديث عن "عقل عربي" جوهري يختلف في بنيته البيولوجية أو المنطقية عن غيره يتحول إلى نوع من الأسطورة الثقافية

تنبع أهمية هذا الموقف من كونه يعيد توجيه النقاش من الماهيات إلى الشروط. فالسؤال لا يعود: لماذا يفكر العربي بطريقة مختلفة؟ وإنما: ما الشروط التعليمية والسياسية والثقافية التي تنتج أنماطا معينة من التفكير؟ هنا يغادر الكتاب منطق الجوهر نحو منطق التاريخ. ويغادر التفسير العرقي أو الثقافوي نحو تحليل البنى المنتجة للمعرفة. ولذلك يلتقي مع اتجاهات واسعة في فلسفة العلوم الاجتماعية التي ترى أن أنماط التفكير تتشكل داخل سياقات مؤسساتية ومعرفية محددة أكثر مما تتشكل داخل جواهر ثقافية مغلقة.

نقد العقل النقدي

اللافت أن المراسلات لا تتوقف عند التشخيص، وإنما تمارس نقدا للعقل النقدي نفسه. فالعروسي كثيرا ما يدفع النقاش نحو أسئلة القيم والجمال والمعنى، بينما يرد سروري من داخل أفق العلم والتكنولوجيا. وهنا تتولد إحدى أهم لحظات الكتاب: لحظة تكامل التخصصات. المنشغل بالفلسفة يحتاج إلى العلم كي يتجنب التجريد، والدارس للعلوم يحتاج إلى الفلسفة كي يتجنب الاختزال. ومن هذا الاعتراف المتبادل تنشأ حيوية الحوار.

إن بنية الرسائل تمنح النص قدرة خاصة على التفكير. ففي الكتاب الأكاديمي التقليدي غالبا ما يظهر المؤلف باعتباره مالكا للحقيقة أو قريبا منها. أما في هذا العمل فإن الحقيقة تتحرك باستمرار. كل رسالة تعيد ترتيب المفاهيم. كل جواب يضيف زاوية جديدة. كل اعتراض يوسع أفق السؤال. ولذلك يشعر القارئ أنه يشارك في عملية تفكير جارية أكثر مما يقرأ نتائج جاهزة، أو كما يؤكد سروري "كنّا الاثنين، مثل هاملت، نحمل جمجمة واحدة، نحملق في دماغها، لكن عبر سكانير الدماغ هذه المرة وهو يموقع عصبوناتها على الشاشة !" (ص. 173).

 TOBIAS SCHWARZ / AFP
خلال افتتاح مركز للذكاء الاصطناعي تابع لشركة "غوغل" في برلين، 2026

تتجلى القيمة الفكرية الكبرى لهذا الكتاب في قدرته على الجمع بين ثلاثة رهانات كبرى تشغل الفكر العالمي المعاصر: رهان الوعي، ورهان الذكاء الاصطناعي، ورهان المستقبل الحضاري للعالم العربي. وهذه الرهانات لا تُطرح هنا بوصفها موضوعات منفصلة، وإنما بوصفها حلقات داخل سؤال واحد: كيف يفكر الإنسان في عصر الآلة الذكية؟ فحين نفهم الدماغ نفهم الذكاء الاصطناعي على نحو أفضل، وحين نفهم الذكاء الاصطناعي نفهم أنفسنا على نحو أعمق، وحين نفهم أنفسنا نستطيع إعادة النظر في الصور النمطية التي حكمت وعينا الثقافي لعقود طويلة.

مستقبل الثقافة العربية يمر عبر توسيع أفق العقل النقدي، وتعميق الحوار بين العلوم والإنسانيات، وإعادة بناء علاقتنا بالمعرفة

لا يقدم الكتاب، من هذه الزاوية، أجوبة نهائية. قيمته الحقيقية تكمن في إنتاج أسئلة من مستوى جديد. إنه يدعو القارئ إلى مغادرة اليقين المريح والدخول في منطقة التفكير الحر، لهذا كان لا بد من نقد مرحلي لفكرة "العقل العربي" عند الجابري (ص. 158)، إذ تتجاور -اليوم- الفلسفة مع علوم الأعصاب، ويتحاور التاريخ مع التكنولوجيا، وتلتقي أسئلة الروح بأسئلة الخوارزمية. وفي هذا اللقاء بالذات تتشكل فرادة المشروع الفكري المشترك بين سروري والعروسي: مشروع يرى أن مستقبل الثقافة العربية يمر عبر توسيع أفق العقل النقدي، وتعميق الحوار بين العلوم والإنسانيات، وإعادة بناء علاقتنا بالمعرفة في زمن يتغير بسرعة غير مسبوقة.

font change