"اتفاقية مكة"... شرق أوسط جديد غير ذاك الذي طُرح في التسعينات

لا يوجد طرف إقليمي يمكن أن يعترض عليها عمليا ولا حتى إسرائيل

رويترز
رويترز
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتوسط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال توقيع اتفاقية دفاع مشتركة في مكة المكرمة، في 7 أغسطس 2026

"اتفاقية مكة"... شرق أوسط جديد غير ذاك الذي طُرح في التسعينات

تدشّن معاهدة الدفاع المشترك، السعودية-التركية-الباكستانية، وهي مفتوحة لأطراف أخرى (ربما مصر خاصة)، لنوع من نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، لا يقتصر على البعد الأمني العسكري، على الأرجح، إذ هو يشمل، في ظل المعطيات الدولية والإقليمية الراهنة، السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والبني التحتية، بخاصة الطرق البرية والبحرية، تبعا لصعود الصراع على الممرات والمضائق البحرية.

ثمة عدة جوانب تميّز مشروع النظام الشرق أوسطي الجديد، عن سابقه، الذي طرح في مطلع التسعينات، أهمها:

أولا، أن إسرائيل، التي كانت قد روّجت لذلك المشروع، في ظل عملية التسوية (مؤتمر مدريد-1991)، هي خارج هذا المشروع، بل إنها تنظر إليه كتهديد جديد، محتمل، سواء تأتّى من كل واحدة من الدول، السعودية أو تركيا أو باكستان، أو من تجمعهم معا.

ثانيا، هذا التكتل يتمتّع بثقل اقتصادي، وتكنولوجي، وعسكري، ومالي، وبمدى جغرافي وبشري هائل، ما يعطيه ثقلا سياسيا، في المعادلات الدولية والإقليمية.

ثالثا، يأتي طرح هذا المشروع في ظرف تحاول فيه الإدارة الأميركية تقييد المداخلات الإسرائيلية في المنطقة، في كثير من الملفات، لا سيما في سوريا ولبنان وفلسطين، بعد أن اقتنعت بأن إسرائيل تثقل عليها، سياسيا وأمنيا واقتصاديا وأخلاقيا.

رابعا، يتشكل هذا النظام في بيئة إقليمية باتت تشهد انحسار نفوذ إيران في الشرق الأوسط، وتحجيمها وإعادتها خلف حدودها.

خامسا، يأتي هذا المشروع على الضد من الاشتراطات الإسرائيلية، أو بمنأى عنها، في حين أن مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، كما طرحه شيمعون بيريز، بدعم أميركي، في مطلع التسعينات، أتى ضمن متطلبات تسوية، تتموضع فيها إسرائيل في مركز التفاعلات مع البلدان العربية، في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والبيئة والبني التحتية.

هكذا، ثمة كثير من المعطيات الداخلية والخارجية، التي يمكن أن ترجّح إمكان استمرار وتطور هذا المشروع، سيما أنه لا يوجد طرف إقليمي يمكن أن يعترض عليه عمليا، ولا حتى إسرائيل، التي ستجد نفسها في ورطة، إنْ إزاء تكتل من قوى إقليمية صاعدة، أو إزاء الولايات المتحدة الأميركية التي ستجد من مصلحتها، بعد انحسار نفوذ إيران، التخفف من عبء إسرائيل في المنطقة؛ طبعا من دون أن تتخلى عنها.

ميزان القوة

في مشروعه للنظام الشرق أوسطي كان بيريز تحدث عن محركات ثلاثة لذلك النظام تتمثل بالعبقرية الإسرائيلية، ورأس المال الخليجي، واليد العاملة المصرية، أي إنه يضع إسرائيل في موقع القيادة، بيد أن المشروع الثلاثي الحالي، في حال تم ترسيخه، يأتي أقوى بكثير، فثمة مخزون بشري كبير، ومساحة جغرافية واسعة، مع قدرات مالية، واقتصادية، وتكنولوجية، وعسكرية، بمعنى أن تلك الدول تمتلك التمويل (خاصة السعودية)، والتصنيع (خاصة تركيا) والردع النووي (باكستان).

وبشكل أكثر تفصيلا، فإن هذا التكتل يستحوذ على مساحة قدرها 3.8 مليون كيلومتر مربع، أكبرها السعودية (2,148 مليون كيلو متر مربع)، ويضم 379 مليون نسمة، حيث باكستان تمثل القوة البشرية الأكبر (255 مليون نسمة)، أما القوة الاقتصادية لهذا التكتل، فتتمثل في ناتج محلي إجمالي قدره 3,8 تريليون دولار، (مع تساو تقريبا في القوة الاقتصادية بين السعودية وتركيا، في حين تشكل باكستان الحلقة الأضعف اقتصاديا (410 مليارات دولار)، لكنها تمتلك ميزتين، القوة البشرية، والقوة النووية.

إسرائيل تعتبر الاتفاق تعزيزا لمكانة تركيا إزاءها، وهي التي ظنت أن انتهاء هيمنة إيران في المشرق العربي هو بمثابة مكسب خالص لها، وأنها في ذلك تستطيع إزاحة تركيا، فإذا بها في مواجهة تركيا والسعودية في آن واحد

وبينما تمتلك السعودية قوة مالية كبيرة، وتستند إلى مواردها من النفط والغاز، كأكبر مصدّر للنفط في العالم، مع قدرتها الواسعة على الاستثمار، وهو ما تركزه في المدن الذكية، والبنية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والصناعات المختلفة، فإن تركيا تمتلك اقتصادا متنوعا، وحيويا، مع قاعدة واسعة للتصنيع، والتجارة، والإلكترونيات، والصناعات الدفاعية، لاسيما الطائرات المسيرة، مع موقع جغرافي متميز بين آسيا وأوروبا، أما باكستان فتبدو كبلد ناهض في الصناعة والزراعة والخدمات والبرمجيات والشركات الرقمية.

على صعيد القوة العسكرية، تتمتع تركيا بموقع متميز، فهي تمتلك أكبر قوة عسكرية في حلف "الناتو"، بعد الولايات المتحدة، ولديها جيش قوي، في مختلف الأسلحة، البرية والجوية والبحرية، كما أنها دولة تصنع السلاح، وضمنها الطائرات المسيرة والأنظمة الدفاعية والصواريخ والسفن الحربية، أما باكستان فهي تمتلك أكبر جيش، من ناحية القوة العددية، إضافة إلى أنها تمتلك قوة نووية، أي تمتلك القدرة على الردع النووي، في حين تمتلك السعودية قدرات عسكرية تستند إلى قوة جوية، وتمتلك مقاتلات حديثة، ومنظومة دفاع جوي وصاروخي.

هكذا، وفقا لما تقدم، ثمة نوع من التكامل، بين تلك البلدان، في حال تم رسم سياسات استراتيجية تتأسس على ذلك، وفي حال دعمت المصالح المشتركة هذا المسار، مع توفر الإرادة السياسية.

التحفظات الإسرائيلية

من وجهة نظر إسرائيل فإن قيام هذا التكتل، أو الحلف، ورغم طابعه الدفاعي، يعد بمثابة تحد لها، ومحاولة لصد إمكانية تفردها في الهيمنة على الشرق الأوسط، وهو ما اعتقدت أنها بصدده بعد انحسار نفوذ إيران في دول المشرق العربي، إضافة إلى أنه يقلل من مكانتها في الاستراتيجية الأميركية إزاء الشرق الأوسط.

إضافة إلى كل ما تقدم فإن إسرائيل ترى هذا الحلف بمثابة خطوة تبدد مجمل الضغوط الموجهة ضد المملكة السعودية، للتطبيع معها، وتعزيزا لمكانتها إزاء فرض شروطها الخاصة في هذا المجال، لا سيما لجهة وجوب الضغط الأميركي على إسرائيل لوضع فكرة الدولة الفلسطينية موضع التطبيق، وكف التدخلات والهجمات العسكرية الإسرائيلية في سوريا ولبنان.

أ ف ب
جنود من الجيش الباكستاني يقفون على مركبة عسكرية تحمل صواريخ "نصر" خلال عرض "يوم باكستان" في إسلام أباد، في 23 مارس 2022

وفي تلخيص للموقف الإسرائيلي، كتبت عينات هوكبرغ–مروم: "تُعد اتفاقية التعاون النووي المدني... بين الولايات المتحدة والسعودية، حدثاً دراماتيكياً واختراقاً مهماً في الشرق الأوسط، وتثير قلقاً عميقاً في إسرائيل... الموافقة الأميركية على تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية... تخفّض مستوى الرقابة الدولية... بحسب هذا الطرح... تخصيب اليورانيوم يُعتبر أداة مدنية مشروعة، ما يمكن أن يدفع دولاً أُخرى في المنطقة، وعلى رأسها تركيا ومصر، إلى المطالبة بقدرات مستقلة مشابهة... من وجهة نظر إدارة ترمب فإن "اتفاقية 123"، التي تُقدّر قيمتها بعشرات مليارات الدولارات، تهدف إلى تطوير البنية التحتية للطاقة ومحركات النمو الاقتصادي في السعودية تحت مظلة أميركية، وتقليص نفوذ الصين وروسيا في منطقة الخليج، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض... من وجهة النظر الإسرائيلية فإن الاتفاق الذي يشمل أيضاً صفقات مرافِقة لبيع أنظمة أسلحة متقدمة، بدءاً من الطائرات المقاتلة الحديثة، مروراً بأنظمة الدفاع الجوي، وصولاً إلى قدرات السايبر والاستخبارات، يزعزع الافتراضات الأساسية في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي. إن الاتفاق النووي الأميركي-السعودي يمثل لحظة اختبار تاريخية... يفرض على إسرائيل تبنّي قيادة استباقية ومتزنة وذكية، تفهم قواعد اللعبة الجديدة، وقادرة على بلورة استراتيجية جديدة في مواجهة واقع إقليمي أكثر تعقيداً وخطورةً". ("معاريف"- 8/2026).

بالمثل، فإن إسرائيل تعتبر الاتفاق تعزيزا لمكانة تركيا إزاءها، وهي التي ظنت أن انتهاء هيمنة إيران في المشرق العربي هو بمثابة مكسب خالص لها، وأنها في ذلك تستطيع إزاحة تركيا، فإذا بها في مواجهة تركيا والسعودية في آن واحد، علما أن القلق الإسرائيلي بات يشمل علاقة البلدين المذكورين بالولايات المتحدة الأميركية، وعلاقتهما المتميزة مع كل من سوريا ولبنان والعراق (وبالطبع بينها الأردن).

إسرائيل تخشى من أن الاتفاق الذي يمكن أن يرسخ الاستقرار الأمني، ويسد الفراغ في المنطقة، قد يخفف من مسؤولية الولايات المتحدة الأميركية، ويجعلها أكثر تحررا في الضغط على إسرائيل

وكان المحلل الإسرائيلي، تسفي برئيل، كتب مقالا تحت عنوان معبر "تركيا تتطلّع لتكون قائدة النظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط"، قال فيه: "تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف (الناتو)، وتنتج صناعاتها الأمنية حوالي 20 مليار دولار سنويا... تركيا، وليس إسرائيل، هي محور الأحداث من جديد". ("هآرتس" 6/2026).

حتى إزاء الولايات المتحدة الأميركية، فإن إسرائيل تخشى من أن الاتفاق الذي يمكن أن يرسخ الاستقرار الأمني، ويسد الفراغ في المنطقة، قد يخفف من مسؤولية الولايات المتحدة الأميركية، ويجعلها أكثر تحررا في الضغط على إسرائيل، سيما بعد انحسار نفوذ إيران في دول المشرق العربي، لجهة ترشيد سياساتها، إزاء الفلسطينيين وإزاء سوريا ولبنان. ومشكلة إسرائيل، أيضا، أن ذلك يحصل دون اشتراط الانخراط في علاقات تطبيعية عربية-إسرائيلية، على الأقل في المدى المنظور، وهذا أكثر شيء يقلق حكومة المتطرفين (نتنياهو، سموتريتش، بن غفير)، بعد أن ظنوا أن الشرق الأوسط، ولا سيما منطقة المشرق العربي، باتت بمثابة مسرح خالص لهم.

أ ف ب
طائرة "بيرقدار" المُسيّرة، وهي طائرة قتالية تركية بدون طيار مخصصة للعمل من على متن السفن، خلال مناورة في شرق البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً في أنطاليا، بتاريخ 9 أبريل 2026

خلاصة الموقف الأميركي

لنلاحظ أن هذا الاتفاق أتى في مناخات تطورين مهمين، الأول، يتمثل باتفاق التعاون النووي السلمي بين السعودية والولايات المتحدة (22/7/2026)، الذي يعرف بـ"اتفاق 123" (الإطار القانوني الذي يحكم التعاون النووي السلمي بين الولايات المتحدة والدول الأخرى، بموجب قانون الطاقة الذرية الأميركي)، الذي يشتمل على بناء المفاعلات وتوليد الكهرباء، وتوطين صناعات عالية القيمة، وبناء قدرات بشرية متخصصة، وتعزيز التعاون في التقنيات المتقدمة.

والثاني، الاتفاق الأميركي مع تركيا على إنفاذ صفقة طائرات "إف-35"، ودعم الصناعات العسكرية الجوية التركية، وفي أجواء التعزيز في العلاقات التركية-الأميركية، وبين الرئيسين ترمب وأردوغان، مع انعقاد قمة "الناتو" في تركيا مؤخرا.

ويستنتج الأكاديمي دكتور كوبي باردا من كل ذلك أن "ما أراد ترمب على الأرجح إيصاله إلى نتنياهو، الآن تحديداً مع اقتراب الانتخابات في إسرائيل... أنه إذا كُلِّف نتنياهو بتشكيل الحكومة المقبلة فسيتعين عليه تقديم نموذج مختلف تماماً". ("يديعوت"- 30/7/2026).

على ذلك، فإن الفكرة هنا ليست في أن الولايات المتحدة تستغني عن إسرائيل، أو ستشتغل على تحجيمها، أو تقلل الدعم لها، وإنما هي، في ظل التحديات الدولية، في مجالات السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والبيئة والأمن، ومع صعود أقطاب آخرين، باتت بحاجة، أولا، إلى قوى إقليمية يمكن أن تشاركها تحمل العبء، والمسؤولية، وهذا على خلاف بعض وجهات النظر، التي اعتقدت أن هذا الحلف قام على أساس رؤية تحمل الولايات المتحدة بعضا من المسؤولية عما يحصل في المنطقة. ثانيا، وقف مسلسل الحروب، وضمن ذلك الحد من تغول إسرائيل في أكثر من اتجاه لاستعادة الاستقرار في المنطقة، وعلى الصعيد الدولي.

font change