"اتفاقية مكة"… من عصر الساحات إلى زمن التوازنات

هل ينتهز لبنان الفرصة التاريخية؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وهم يوقعون اتفاقية دفاعية مشتركة في مكة المكرمة، في 7 أغسطس 2026

"اتفاقية مكة"… من عصر الساحات إلى زمن التوازنات

فتح "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان باباً واسعاً لإعادة قراءة التحولات التي تجري في الشرق الأوسط، انطلاقاً من حقيقة أن البيئة الأمنية التي حكمت المنطقة خلال العقدين الماضيين دخلت مرحلة إعادة تشكيل عميقة. فإيران دخلت في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حاولت على مدى عقود تجنبها من خلال مفهوم "الدفاع المتقدم"، فإذا بالحرب تنتقل إلى أراضيها، وتجعل صمود النظام نفسه أولوية استراتيجية على حساب نفوذه في المنطقة. جاء ذلك بعد أن فقدت طهران الجزء الأكبر من نفوذها في المشرق عقب سقوط نظام بشار الأسد وإضعاف شبكة وكلائها. أما إسرائيل فتحاول ملء هذا الفراغ واستثماره، من خلال تثبيت هيمنتها الأمنية في سوريا ولبنان، ناهيك بالأراضي الفلسطينية، لكن كذلك أبعد من جغرافيا الشرق الأوسط، تحديدا في البحر الأحمر، في المجال الاستراتيجي للسعودية.

في المقابل، كشفت الحرب أن إضعاف إيران لم يكن من دون ارتدادات على دول الخليج، إذ تركزت الاستراتيجية الإيرانية على محاولة رفع كلفة الحرب على هذه الدول، التي لا تشكل طرفا مباشرا في الصراع، من خلال استهدافها عسكريا وتعطيل مضيق هرمز، الذي تمر عبره الحصة الأكبر من إنتاجها النفطي، فضلا عن تهديد بناها التحتية ومصادرها للطاقة. والحال أصبحت دول الخليج، تحديدا السعودية، معنية أكثر بكيفية ردع طهران عن استخدام مجالها الحيوي كأدوات ضغط في صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يكثف حاجتها إلى معادلة أمنية إقليمية أوسع تمنحها قدرة أكبر على الردع، وتربط أمنها بمصالح قوى إقليمية أخرى.

بهذا المعنى تأتي "اتفاقية مكة" باعتبارها إحدى النتائج المباشرة للحرب الأخيرة في الخليج، ومحاولة لإعادة بناء البيئة الأمنية الخليجية على قاعدة أن أمن المنطقة أصبح يحتاج إلى تضافر قدرات إقليمية تتولى بنفسها جانباً أكبر من مسؤولية الردع والدفاع. وليس قليل الدلالة في هذا السياق أن تعبّر هذه الاتفاقية عن أوسع تحالف إقليمي بين دول ترتبط جميعها بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة. لذلك يمكن قراءة هذه الاتفاقية باعتبارها تطوراً داخل النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة في المنطقة أكثر مما هي خروج عليه.

السعودية وتركيا وباكستان لا تبني ترتيبا هدفه الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران، وإنما تعيد تشكيل البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها طهران

لكن هذا التطور يعكس في الوقت نفسه تغيراً في طبيعة هذا النظام، فالولايات المتحدة حتى مع استمرار التزامها بأمن الخليج وعلاقاتها الاستراتيجية مع السعودية، تتعامل مع نظام دولي تتعدد فيه ساحات الصراع، من أوروبا إلى شرق آسيا، وتدفع حلفاءها وشركاءها إلى تحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن أمنهم. من هذه الزاوية يمكن النظر إلى "اتفاقية مكة" أيضاً باعتبارها استجابة إقليمية للمتغيرات في النظام الدولي، لاحتمال تراجع مستوى الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية، أو على الأقل لتحول هذه المظلة من حضور مباشر ومستمر إلى شبكة ردع وشراكات تتولى فيها الدول الإقليمية جزءاً أكبر من مسؤولية الدفاع عن أمنها ومصالحها.

ويكتسب هذا الاتجاه زخما أكبر في ظل المؤشرات الأميركية المتكررة إلى إمكان انتقال أولويات واشنطن إلى ساحات أخرى، كما يزداد أهمية إذا انتهى الصراع الأميركي-الإيراني إلى تسوية محدودة، تقتصر على إعادة فتح مضيق هرمز من دون اتفاق شامل يعالج جذور الأزمة في الخليج، وعندها تصبح الترتيبات الإقليمية وسيلة للتحوط من مرحلة قد تتراجع فيها درجة الاعتماد على الحضور الأميركي المباشر.

أ.ف.ب
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اجتماعهم في مكة المكرمة، في 7 أغسطس 2026

ومن جانب آخر تحمل هذه الاتفاقية معنى يتجاوز بناء شبكة دفاعية إقليمية، إذ تعكس أيضا نشوء قطب إقليمي يمتلك قراءة للملف الإيراني تختلف عن القراءة الإسرائيلية. فالسعودية وتركيا وباكستان تريد احتواء قدرة إيران على زعزعة أمن الخليج ومنع عودة هيمنتها في المشرق، لكنها تتعامل مع إيران كقوة إقليمية ينبغي التعامل معها على المدى البعيد كجزء رئيس من توازنات المنطقة. أما إسرائيل فتتعامل معها أساساً باعتبارها تهديداً أمنياً وعسكرياً دائما لا يمكن احتواؤه بالسياسة أو الدبلوماسية، وتربط إضعافها بتوسيع مجالها الأمني في سوريا ولبنان. ولهذه الناحية يحمل الاتفاق هدفين مزدوجين، أي احتواء إيران، ومنع انتقال الهيمنة الإقليمية من طهران إلى إسرائيل. وهذا كله في حال استطاع النظام الإيراني النجاة من حرب الاستنزاف التي يتعرض لها، مع العلم أن نجاته قد لا تستبعد تغيير طبيعته، وهذا كله له تأثير على التعامل الإقليمي مع الملف الإيراني.

ضمن هذه البيئة الإقليمية المتغيرة، تتبدى "اتفاقية مكة" كإحدى أولى المحاولات لإنتاج مظلة أمنية إقليمية تستند إلى قوى المنطقة نفسها، وتملك في الوقت ذاته امتدادات عربية وإسلامية وجغرافية تتجاوز حدود المشرق والخليج. فالسعودية بثقلها الاقتصادي وموقعها المركزي في الخليج والعالم العربي، وتركيا بقوتها العسكرية والصناعية وموقعها الجيوسياسي الذي يصل المشرق بالبحر الأسود وأوروبا، وباكستان ببرنامجها النووي وثقلها العسكري والاستراتيجي بحكم موقعها في جنوب آسيا وعلاقتها التاريخية بدول الخليج وصلتها الخاصة بالصين، كل ذلك يؤدي إلى نشوء بيئة أمنية إقليمية أكثر ترابطاً تمتد من الخليج إلى المشرق وجنوب آسيا، وتربط مصالح دول كبرى في مساحة جغرافية كانت طوال السنوات الماضية مسرحاً لمشاريع نفوذ متنافسة.

فإيران بَنَتْ شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء امتدت من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين، وإسرائيل بَنَتْ منظومة أمنية تقوم على التفوق العسكري والاستخباراتي والقدرة على العمل داخل الدول المحيطة بها. لكن لا يمكن اختزال "اتفاقية مكة" كما لو كانت تحالفا موجها ضد إيران بالمعنى العسكري المباشر. فمن نافلة القول إن السعودية وتركيا وباكستان لا تبني ترتيبا هدفه الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران، وإنما تعيد تشكيل البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها طهران، على اعتبار أن وجود هذه الدول داخل منظومة أمنية واحدة يجعل الهيمنة الإيرانية على المنطقة أكثر صعوبة، ويحد من قدرة طهران على تحويل دول المنطقة إلى ساحات لصراعاتها، ويربط أمن الخليج والمشرق بمصالح قوى إقليمية كبرى لا تجد مصلحة لها في استراتيجيات الفوضى وزعزعة الاستقرار، التي أدارتها إيران طيلة العقود الأربعة الماضية، والتي ارتدت عليها في نهاية المطاف.

التراجع الإيراني فتح أمام إسرائيل مساحة حركة واسعة في سوريا ولبنان، لكنّ ظهور إطار إقليمي يجمع السعودية وتركيا وباكستان سيدفعها إلى محاولة تثبيت الوقائع الأمنية الجديدة التي فرضتها

بهذا المعنى، تكتسب عبارة "تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم" الواردة في البيان المشترك معنى سياسيا خاصا، فالاستقرار الذي تطرحه الدول الثلاث، كهدف للاتفاق، يرتبط بتوسيع دائرة الدول المعنية بالأمن الإقليمي، وبناء شبكة من المصالح تجعل زعزعة الاستقرار أكثر كلفة على أي طرف يقوم بها؛ فالرسالة الموجهة إلى إيران أن استراتيجيات النفوذ التي تقوم على استثمار الانقسامات والفراغات الأمنية ستواجه بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، والرسالة الموجهة إلى إسرائيل أن إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المشرق على قاعدة التفوق الأمني والعسكري الإسرائيلي سيجعل اندماج إسرائيل في المنطقة مهمة مستحيلة على أي حكومة إسرائيلية.

بيد أن الدافع الرئيس لـ"اتفاقية مكة" يبقى متصلا بأمن الخليج، إذ تطرح معادلة ردع جديدة في ضوء الحرب الأخيرة مفادها أن أمن السعودية أصبح مرتبطاً بأمن تركيا وباكستان، أي إن أمن الخليج أصبح جزءا من معادلة إقليمية أوسع، وهو عامل ردع ويرفع كلفة تحويل إيران الخليج إلى ساحة لصراعها مع الولايات المتحدة.

المعادلة الثانية التي تنتجها هذه الاتفاقية مرتبطة بالمشرق، فإسرائيل تتحرك في لبنان وفق حسابات أمنية مرتبطة بتصفية "حزب الله" وتتحرك في سوريا بذريعة أنها لا تثق بـ"البنية الجهادية" التي أنتجت السلطة الجديدة، لكنها في الوقت نفسه تخلق وقائع احتلالية في كلا البلدين تتجاوز "هواجسها الأمنية"، ومع استمرار سياساتها للهيمنة الأمنية في غزة والضفة الغربية، يتقدم السؤال حول طبيعة الدور الإسرائيلي في المشرق بعد انحسار دور إيران فيه، أو بصيغة أخرى من يملأ الفراغ الذي تركه تراجع إيران، وبأي قواعد، ولأي أهداف؟

عند هذه النقطة بالذات تتقاطع السعودية وتركيا وباكستان كل وفق حساباتها، على اعتبار أن تحول المشرق إلى مساحة مفتوحة للهيمنة الإسرائيلية يحمل تداعيات مباشرة على مصالحها، إذ يعيد إنتاج عوامل عدم الاستقرار في المنطقة من خلال إخضاعها للمقاربة الأمنية والأيديولوجية الإسرائيلية. ولذلك تحمل هذه الشراكة الثلاثية معنى يتجاوز مواجهة إيران، فهي تضع في وجه التوسع الإسرائيلي في المشرق شراكة إقليمية جديدة تستطيع، في تقاطع مصالحها مع الولايات المتحدة، أن تنتج توازناً سياسياً وأمنياً إقليميا في مقابل نزعات الهيمنة الإسرائيلية.  

أ.ف.ب
امرأة تمر أمام جدارية تُصوّر المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي في ساحة ولي عصر بوسط طهران، في 8 أغسطس 2026

في سياق متصل تفتح الشراكة بين هذه الدول الثلاث أفقا واسعا لبلورة مقاربة مشتركة للقضية الفلسطينية، إذ إن اجتماع الثقل العربي والإسلامي للسعودية وتركيا وباكستان حول صيغة سياسية واحدة لفلسطين يمكن أن يرفع سقف الشروط الإقليمية أمام إسرائيل في أي مسار لإدماجها في المنطقة. فتل أبيب تحتاج إلى علاقات طبيعية وأمنية واقتصادية أوسع مع الدول العربية والإسلامية، فيما تملك الدول الثلاث مجتمعة أوراقاً سياسية واستراتيجية واقتصادية تجعل عملية الإدماج الإقليمي لإسرائيل مرتبطة بصورة أكبر بمستقبل القضية الفلسطينية وشروط تسويتها. وتكمن أهمية هذا التحول في أنه يخرج القضية الفلسطينية من دائرة التوظيف الإيراني، فيما تصبح أدوات التعامل معها جزءا من مصالح دول إقليمية وازنة تملك قدرة فعلية، في ظل المتغيرات الراهنة، على التأثير في سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

المعادلة نفسها يمكن أن تمتد إلى لبنان، بعدما ارتبط أمنه خلال العقدين الماضيين بالمعادلة الإيرانية-الإسرائيلية، بعدما كان رهن المعادلة السورية- الإسرائيلية، وأصبح جزءاً من منظومة الردع التي بنتها إيران في المشرق. أما إذا أصبح استقرار لبنان جزءاً من مقاربة سعودية-تركية-باكستانية للأمن الإقليمي، فإن بيروت تستطيع أن تدخل في إطار إقليمي ينظر إلى أمنها باعتباره مصلحة عربية وإسلامية مشتركة. وهذا يضع لبنان أمام فرصة استراتيجية تاريخية، إذا أحسنت الدبلوماسية اللبنانية استغلالها، فأهمية هذه المقاربة أنها تمنح بيروت هامشاً أوسع في علاقتها بالولايات المتحدة أيضاً، لأن واشنطن ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الدول الثلاث، وبالتالي كلما أصبحت هذه الدول معنية باستقرار لبنان، أصبح الملف اللبناني جزءاً من شبكة مصالح أوسع داخل السياسة الأميركية في المنطقة. وهذا كله يمنح لبنان فرصة لتحسين شروطه في التفاوض مع إسرائيل عبر مظلة إقليمية تستطيع موازنة الضغوط الأميركية والإسرائيلية.

سوريا بدورها هي في قلب هذه التحولات، فالتقاطع السعودي-التركي فيها يوفر دعما إقليميا وازنا لها، ويمكن لباكستان، التي تسعى لأدوار إقليمية أكبر ولا سيما في ظل تنافسها مع الهند التي عززت تحالفها مع إسرائيل، أن تضيف إليه بعدا إسلاميا، ولذلك تكتسب الاتفاقية أهمية إضافية لأنها تربط أمن الخليج بالمشرق من خلال دول تملك مصالح مباشرة في كلتا المنطقتين.

واقع الحال أن إسرائيل، التي كانت قد أبدت مبكرا توجسها من "التحالف السني"، ستقرأ هذه التحولات بعناية شديدة، فالتراجع الإيراني فتح أمامها مساحة حركة واسعة في سوريا ولبنان، لكنّ ظهور إطار إقليمي يجمع السعودية وتركيا وباكستان سيدفعها إلى محاولة تثبيت الوقائع الأمنية الجديدة التي فرضتها، وهو ما يمكن معاينته في جنوب لبنان خلال الأيام الأخيرة، قبل أن يكتسب التحالف قدرة أكبر على التأثير في المشهد الإقليمي، كما قد يدفعها إلى البحث عن تسوية إقليمية مع تركيا والسعودية لا تبدو شروطها متوفرة حتى الآن.

السعودية وتركيا وباكستان لا تعلن من خلال الاتفاقية حرباً على إيران، وإنما تعيد توزيع المصالح والقدرات داخل البيئة الإقليمية نفسها، وتفتح في الوقت ذاته إمكانية حقيقية لصياغة مقاربة مشتركة لفلسطين

وفي الحالتين تدخل المنطقة في ديناميكية جديدة حول الفراغ الذي خلفته إيران، فهل يتحول إلى مجال نفوذ إسرائيلي، أم يصبح مساحة لتوازن إقليمي متعدد الأطراف؟ وسيكون موقف الولايات المتحدة عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه هذه الديناميكية. فواشنطن حليفة لإسرائيل، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى السعودية وتركيا وباكستان لأسباب استراتيجية متعددة، فالرياض شريك أساسي في أمن الخليج والطاقة، وأنقرة لاعب مركزي في الأمن الأوروبي والمشرقي، وإسلام آباد دولة ذات أهمية في جنوب آسيا والعالم الإسلامي.

أ.ف.ب
دبابات إسرائيلية في قرية ظوتر الشرقية في جنوب لبنان في 2 أغسطس 2026

وبالتالي فإن قيام شراكة دفاعية بين هذه الدول يعني أن واشنطن ستتعامل مع مصالح مترابطة لثلاث دول كبيرة، وهذا يمكن أن يغير قواعد التفاوض حول الترتيبات الأمنية والسياسية في المنطقة، لأن هذه الدول تستطيع استخدام علاقاتها بواشنطن للدفع نحو مقاربة أكثر توازناً في ملفات سوريا ولبنان وفلسطين والخليج. وستصبح المعضلة الأميركية أكثر وضوحاً كلما ازداد التنسيق بينها، إذ كيف ستحافظ واشنطن على التزامها بأمن إسرائيل، وتحافظ في الوقت نفسه على شراكاتها الاستراتيجية مع السعودية وتركيا وباكستان؟

وهذا هو التحول الأعمق الذي تفرضه "اتفاقية مكة"، على اعتبار أنّ الشرق الأوسط عاش طويلاً على استقطاب المحاور ومناطق النفوذ، أما المرحلة الجديدة فتطرح احتمال الانتقال إلى تعدد مراكز القوة ومحاولة بناء توازن بينها، تخلق ديناميكيات جديدة أكثر قابلية للاستقرار وتقاطع المصالح، ولا سيما في ظل عالم يتغير جذريا وبسرعة قياسية بدفع من الثورة الصناعية الرابعة. ولهذا يمكن النظر إلى "اتفاقية مكة" باعتبارها بداية انتقال إقليمي من عصر الساحات إلى عصر التوازنات. فالسعودية وتركيا وباكستان لا تعلن من خلالها حرباً على إيران، وإنما تعيد توزيع المصالح والقدرات داخل البيئة الإقليمية نفسها، وتفتح في الوقت ذاته إمكانية حقيقية لصياغة مقاربة مشتركة لفلسطين، ورفع سقف الشروط الإقليمية أمام إسرائيل، ومنعها من الهيمنة الإقليمية، وإعادة إدماج لبنان وسوريا في نظام مصلحة عربي وإسلامي أكثر اتساعا، ولا سيما إذا توسعت هذه الاتفاقية لتضم دولا مثل مصر والأردن وربما العراق!

font change

مقالات ذات صلة