من رحاب مكة المكرمة، مهد الحرف العربي وموطن الإرث الإسلامي العريق، بدأت رحلة الفنان والخطاط والمعماري عبد الرحمن الشاهد، حيث تلقى مبادئ الخط العربي ونهل من تقاليده الأصيلة، قبل أن ينال عام 2012 الإجازة في هذا الفن، المتصل سنده بسلسلة تاريخية ممتدة تربطه بكبار الخطاطين وكتاب الوحي عبر أكثر من أربعة عشر قرنا.
منذ بداياته المبكرة، لم يتعامل الشاهد مع الحرف بوصفه شكلا جماليا فحسب، بل باعتباره وعاء للمعنى ومجالا للتأمل المعرفي والروحي، مما أسهم في تشكيل مشروعه الإبداعي الذي يضعه في مصاف أبرز الوجوه السعودية الشابة في فن الخط العربي.
تتفرد تجربة الشاهد بقدرتها على الجمع بين عالمين يبدوان متباعدين للوهلة الأولى، عقلانية الأرقام ودقة البناء المعماري من جهة، وروحانية الخط العربي وجماليته التعبيرية من جهة أخرى. وعلى امتداد تجربته الفنية التي جمعت بين الدراسة الأكاديمية والبحث الإبداعي، استطاع الشاهد أن يطور لغة بصرية خاصة تستند إلى خلفيته في العمارة الإسلامية، حيث تتجاور هندسة المكان مع انسيابية الكلمة، لينجح في إخراج الخط العربي من قوالبه التقليدية نحو آفاق الفن المعاصر.
توج الشاهد مسيرته بحصد المركز الأول في مسابقة عكاظ الدولية للخط العربي، ونال جملة من التكريمات والجوائز، لينتقل من الإطار المحلي إلى حضور دولي لافت، تجلى في عرض واقتناء أعماله لدى مؤسسات ثقافية كبرى، من بينها منظمة "يونسكو". كما عزز حضوره الثقافي من خلال عمله خبيرا ومستشارا لمبادرة "عام الخط العربي" بوزارة الثقافة السعودية، إلى جانب تأسيسه مرسمي "الشاهد" و"مخطوط"، ليرسخ اسمه اليوم كأحد صناع الرؤية البصرية الجديدة، متحولا إلى علامة فارقة في قراءة الهوية والحرف بلغة معاصرة تستشرف المستقبل الثقافي للمملكة. هنا حوار "المجلة" معه.
كيف أثرت نشأتك الفنية التي بدأت في الحرم المكي الشريف داخل تقليد عريق يقوم على التلقي والسند والإجازة، في رؤيتك للخط العربي؟ وهل ما زلت ترى نفسك امتدادا لهذا التقليد، أم أنك تحاول إعادة تعريفه من الداخل؟
أثرت بيئة مكة المكرمة والمسجد الحرام بعمق في تفاعلي مع فن الخط العربي والعمارة. فقد لفتني منذ الصغر الكثير من المفاهيم والقيم التي عشتها في هذه البقعة المباركة وانعكس في أعمالي. كما أتشرف بحمل سند الإجازة في فن الخط العربي، وأرى في ذلك مسؤولية قبل أن يكون شرفا.



