ويبرز العمل الدور الحيوي الذي أداه الجنود الناطقون بالعربية في مكافحة التجسس، لكنه يصور أيضا حيرتهم وتساؤلاتهم المتكررة: لماذا نقاتل دفاعا عن دولة تنظر إلينا باعتبارنا عربا أو مواطنين من الدرجة الثانية؟
وفي تلك الحقبة نفسها، شهدت إسرائيل ظهور حركة "الفهود السود"، التي يتناول تاريخَها كتاب "الفهود السود في إسرائيل". ويروي الكتاب، شأنه شأن المسلسل، كيف كان الإسرائيليون المنحدرون من أصول أوروبية وروسية ينظرون إلى اليهود القادمين من البلدان العربية نظرة لا تختلف كثيرا عن نظرتهم إلى الفلسطينيين. فقد اعتبروهم متخلفين ثقافيا، وشديدي القرب من العدو. وطُلب منهم التخلي عن التحدث بالعربية، لغتهم الأم، رغم أن جذورهم الثقافية والجغرافية كانت أوثق صلة بفلسطين، ولا سيما اليهود القادمين من سوريا ولبنان ومصر، بحكم الجوار والتاريخ المشترك.

وفي عام 1984، تأسس حزب "شاس" لتمثيل اليهود السفارديين والشرقيين، ومنحهم صوتا سياسيا جماعيا في قلب الحياة الحزبية الإسرائيلية. وسعى الحزب إلى مكافحة التمييز العنصري ضد اليهود الشرقيين، وانتزاع حقهم في المشاركة الفعلية في صنع القرار.
فقبل ذلك، كانت المؤسسة الإسرائيلية تنظر إليهم في المقام الأول باعتبارهم رصيدا يمكن الاستفادة منه في المجالات الأمنية والاستخباراتية، نظرا إلى إتقانهم لغات المنطقة ومعرفتهم بجغرافيتها ومجتمعاتها.
ومع ذلك، شهد التاريخ الإسرائيلي استثناءات بارزة، تمثلت في صعود شخصيات مثل شاؤول موفاز وبنيامين بن إليعازر وعمير بيرتس. وكان الأولان من كبار القادة العسكريين، بما ينسجم مع المسار التقليدي لصعود اليهود الشرقيين عبر المؤسسة العسكرية والدفاعية. كما وصل اثنان من اليهود المنحدرين من أصول شرقية إلى منصب رئيس الدولة، من بينهما موشيه كتساف، الذي سجن بعد إدانته بالاغتصاب وجرائم جنسية أخرى.
غير أن هذه النجاحات الفردية لم تمكن اليهود السفارديين والشرقيين، كجماعة، من اكتساب نفوذ سياسي يضاهي نفوذ المؤسسة الإسرائيلية ذات الجذور الأوروبية.
واليوم، يتعرض آيزنكوت لحملة من السخرية والإساءات العنصرية في أوساط مؤيدة لنتنياهو، بلغت حد وصفه بالقرد و"العربي". وتتجاوز التحديات التي تواجهه الاتهامات بالتساهل مع الفلسطينيين. فهو، شأنه شأن غيره من الشخصيات السياسية المنحدرة من أصول شرقية، يصطدم بإرث طويل من هيمنة الأشكناز على مراكز السلطة والنفوذ، حتى ليبدو وصول أحد أبناء هذه الجماعات إلى رئاسة الحكومة، في نظر بعض أوساط المؤسسة الحاكمة، تهديدا للترتيبات التي حكمت توزيع السلطة في إسرائيل طوال عقود.
ماذا يستطيع غادي آيزنكوت أن يفعل؟
إلى جانب العنصرية التي يواجهها من نتنياهو وحلفائه، يجد آيزنكوت نفسه عرضة لاتهامات بالتعاطف مع الإسلاميين، والمقصود بهم هنا الفلسطينيون. وتعيد هذه الاتهامات إلى الأذهان نظرة ترسخت منذ قيام إسرائيل عام 1948، ترى في اليهودي الشرقي فردا يمكن استيعابه، لكنها تتوجس من اليهود السفارديين والشرقيين كجماعة تختلف عن الأشكناز.
وقد دخل رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الحالي، إيال زامير، المنحدر من أصول سورية ومغربية، في خلافات مع نتنياهو منذ توليه منصبه، بشأن نطاق الحرب في غزة وإيران. ووصف بعض المحسوبين على معسكر "بيبي" شخصيات مثل آيزنكوت وزامير بالتساهل، ملمحين إلى خلفيتهما الثقافية وأصولهما الشرق أوسطية. وليست هذه الإيحاءات العنصرية غريبة عن أوساط حزب "الليكود" وجماعات المستوطنين، حيث يحضر بقوة التيار المنحدر من أصول أوروبية وروسية.