في ظاهر المشهد، يبدو الموقف الأميركي محيراً: دونالد ترمب هو الرئيس الذي أعاد الحوثيين إلى قائمة التنظيمات الإرهابية الأجنبية، وأطلق في2025 حملة جوية واسعة ضد مواقعهم، وتوعدهم بقوة "ساحقة". لكنه عندما تقدموا على ساحل البحر الأحمر، واقتربوا من باب المندب، وهاجموا أهدافاً سعودية، فاجأ الجميع بتراجعه عن المشاركة في الحرب إلى جانب السعودية والحكومة اليمنية.
الصدمة الأكبر كانت في اكتشاف أن خلف الأمر اجتماعا سريا، أذاعته وكالة "رويترز" البريطانية، عقده مسؤولون أميركيون مع وفد حوثي في السفارة الأميركية بمسقط، ضم محمد عبدالسلام، كبير مفاوضي الجماعة والخاضع للعقوبات الأميركية. وكان جوهر الصفقة خطيراً؛ أن لا يستهدف الحوثيون السفن الأميركية، ولا تدخل الولايات المتحدة الحرب الجارية بينهم وبين السعودية والشرعية اليمنية.
وفي الوقت نفسه، تسربت أنباء تفيد بأن الرئيس ترمب تلقى دعوة سعودية بتوجيه ضربات أميركية مباشرة إلى الحوثيين، لكن هذا الخبر لا يبدو دقيقا وفق مصادر لمجلة "المجلة". كان الاتصال له علاقة بمجريات الأزمة ومحاولة ترتيب نوع المشاركة الأميركية التي ليست مباشرة. لدى السعودية قوة جوية قتالية ضاربة هي الثانية في المنطقة، ولدى الشرعية قواتها الهجومية على الأرض، وإن كانت قد مُنيت بخسارة كبيرة على جبهة المخا، تظل الخيار الوحيد لليمن والعالم في تولي محاربة الجماعة المتطرفة على الأرض وليست قوات برية سعودية أو أميركية.
تحدث ترمب مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، وأوضح له طبيعة الدور الأميركي ولم يقدم تعهداً بالتدخل العسكري.
فهل تخلت واشنطن عن حلفائها؟ أم إن ترمب يطبق تعريفاً مختلفاً تماماً للتحالف والحرب؟
اتفاق مسقط ومذكرة إسلام آباد
قد يكون اجتماع مسقط أهم من مجرد اتصال خلفي مع جماعة تصنفها واشنطن إرهابية. فقد فصل عملياً بين صراعين كانا حتى ذلك الوقت متداخلين:
الأول، صراع أميركي مع الحوثيين يتعلق بأمن السفن الأميركية وحرية الملاحة.
والثاني، صراع سعودي-يمني مع الحوثيين يتعلق بالأرض والحدود والنفوذ ومستقبل الدولة اليمنية.
وقد اعترف مسؤول حوثي لوكالة "أسوشييتد برس" بأن الجماعة أبلغت إدارة ترمب بأنها لن تستهدف الولايات المتحدة أو سفنها، ولن تستهدف إسرائيل كذلك، وأن مواجهتها في المضيق ستقتصر على "العدو السعودي".
أما نائب الرئيس جيه دي فانس، الحريص على إنهاء كامل النزاع الأميركي مع إيران حتى لا يؤثر على الانتخابات ومستقبله الرئاسي، فقد أكد أن واشنطن ظلت على اتصال مستمر بالسعوديين، وأنها أجرت أيضاً "محادثات مباشرة مع الحوثيين". وأوضح مسؤول أميركي أن القيادة المركزية الأميركية أقامت فريق عمل لتعزيز تبادل المعلومات والتخطيط مع القوات السعودية. الرياض كذلك قالت إنها لا تتوقع مشاركة مباشرة من واشنطن منذ توقيع مذكرة إسلام آباد، لكنها تتوقع التعاون المعلوماتي واللوجستي، خاصة أن هذه الحرب من تداعيات الحرب الأميركية على إيران.




