لماذا تخلى ترمب عن حلفائه الذين يقاتلون الحوثيين؟

واشنطن تعيد تعريف دورها في حرب اليمن

إدوارد رامون- أ.ف.ب
إدوارد رامون- أ.ف.ب

لماذا تخلى ترمب عن حلفائه الذين يقاتلون الحوثيين؟

في ظاهر المشهد، يبدو الموقف الأميركي محيراً: دونالد ترمب هو الرئيس الذي أعاد الحوثيين إلى قائمة التنظيمات الإرهابية الأجنبية، وأطلق في2025 حملة جوية واسعة ضد مواقعهم، وتوعدهم بقوة "ساحقة". لكنه عندما تقدموا على ساحل البحر الأحمر، واقتربوا من باب المندب، وهاجموا أهدافاً سعودية، فاجأ الجميع بتراجعه عن المشاركة في الحرب إلى جانب السعودية والحكومة اليمنية.

الصدمة الأكبر كانت في اكتشاف أن خلف الأمر اجتماعا سريا، أذاعته وكالة "رويترز" البريطانية، عقده مسؤولون أميركيون مع وفد حوثي في السفارة الأميركية بمسقط، ضم محمد عبدالسلام، كبير مفاوضي الجماعة والخاضع للعقوبات الأميركية. وكان جوهر الصفقة خطيراً؛ أن لا يستهدف الحوثيون السفن الأميركية، ولا تدخل الولايات المتحدة الحرب الجارية بينهم وبين السعودية والشرعية اليمنية.

وفي الوقت نفسه، تسربت أنباء تفيد بأن الرئيس ترمب تلقى دعوة سعودية بتوجيه ضربات أميركية مباشرة إلى الحوثيين، لكن هذا الخبر لا يبدو دقيقا وفق مصادر لمجلة "المجلة". كان الاتصال له علاقة بمجريات الأزمة ومحاولة ترتيب نوع المشاركة الأميركية التي ليست مباشرة. لدى السعودية قوة جوية قتالية ضاربة هي الثانية في المنطقة، ولدى الشرعية قواتها الهجومية على الأرض، وإن كانت قد مُنيت بخسارة كبيرة على جبهة المخا، تظل الخيار الوحيد لليمن والعالم في تولي محاربة الجماعة المتطرفة على الأرض وليست قوات برية سعودية أو أميركية.

تحدث ترمب مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، وأوضح له طبيعة الدور الأميركي ولم يقدم تعهداً بالتدخل العسكري.

فهل تخلت واشنطن عن حلفائها؟ أم إن ترمب يطبق تعريفاً مختلفاً تماماً للتحالف والحرب؟

اتفاق مسقط ومذكرة إسلام آباد

قد يكون اجتماع مسقط أهم من مجرد اتصال خلفي مع جماعة تصنفها واشنطن إرهابية. فقد فصل عملياً بين صراعين كانا حتى ذلك الوقت متداخلين:

الأول، صراع أميركي مع الحوثيين يتعلق بأمن السفن الأميركية وحرية الملاحة.

والثاني، صراع سعودي-يمني مع الحوثيين يتعلق بالأرض والحدود والنفوذ ومستقبل الدولة اليمنية.

وقد اعترف مسؤول حوثي لوكالة "أسوشييتد برس" بأن الجماعة أبلغت إدارة ترمب بأنها لن تستهدف الولايات المتحدة أو سفنها، ولن تستهدف إسرائيل كذلك، وأن مواجهتها في المضيق ستقتصر على "العدو السعودي".

أما نائب الرئيس جيه دي فانس، الحريص على إنهاء كامل النزاع الأميركي مع إيران حتى لا يؤثر على الانتخابات ومستقبله الرئاسي، فقد أكد أن واشنطن ظلت على اتصال مستمر بالسعوديين، وأنها أجرت أيضاً "محادثات مباشرة مع الحوثيين". وأوضح مسؤول أميركي أن القيادة المركزية الأميركية أقامت فريق عمل لتعزيز تبادل المعلومات والتخطيط مع القوات السعودية. الرياض كذلك قالت إنها لا تتوقع مشاركة مباشرة من واشنطن منذ توقيع مذكرة إسلام آباد، لكنها تتوقع التعاون المعلوماتي واللوجستي، خاصة أن هذه الحرب من تداعيات الحرب الأميركية على إيران.

التعاون العسكري بين الرياض وواشنطن قائم ونشط، وقد أكدت مصادر أميركية أن إدارة ترمب عرضت مشاركة المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف، من دون تنفيذ ضربات مباشرة


لم تنسحب الولايات المتحدة من الملف، لكنها أعادت تعريف دورها داخله: تفاوض الحوثيين لحماية المصالح الأميركية، وتساعد السعودية في مواجهة الاعتداءات الحوثية والعراقية، لكنها لا تخوض حرب اليمنيين نيابة عنهم.

هذه ليست هدنة شاملة، بل صيغة دقيقة لما يصطلح عليه بـ"تجزئة الصراع"، وذلك بتفكيك القوة الكبرى المسار الذي يهددها مباشرة عن بقية ساحات الحرب، ثم تدير كل ساحة بأداة مختلفة. تستخدم القوة العسكرية لحماية قواتها، والتفاوض لحماية سفنها، والاستخبارات لمساندة حلفائها، لكنها تتجنب تحويل جميع المواجهات إلى حرب أميركية واحدة.

ترمب يحارب انتخابياً

ترمب يعاني للحصول على مجلس تشريعي واحد من الاثنين في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني في الأسابيع المقبلة. وخصومه الديمقراطيون يستخدمون الحرب كقضية لإفقاد الكونغرس، ومن ثم محاصرته، حيث يصبح بعدها "بطة عرجاء" وفق التعريف الأميركي للرئيس الذي دون أغلبية في أحد المجلسين.

بالنسبة إلى الناخب الأميركي، من السهل تبرير ضرب جماعة تهاجم سفناً أو جنوداً أميركيين. أما الدخول في حرب أهلية يمنية معقدة لمساعدة حليف على استعادة مدن ومواقع جبلية، فهو أصعب سياسياً، خصوصاً بعد عقدين من الحروب الأميركية المفتوحة في الشرق الأوسط.

أيضا، سبق لترمب منع بنيامين نتنياهو من التمدد في حرب لبنان، ومنعه من قصف إيران وفق تعهداته لطهران في مذكرة التفاهم التي رغم أنها لم تعد مفعلة، فإن هناك اتصالات مستمرة عبر الوسطاء. وترمب يأمل في الحصول على اتفاق مبدئي جديد مع طهران، قبيل الانتخابات، ليقدمه للناخب الأميركي كانتصار، ويقلب الطاولة على خصومه الديمقراطيين.

رويترز
يتابع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عملية شن ضربات عسكرية ضد الحوثي، رداً على هجمات الجماعة التي استهدفت حركة الملاحة في البحر الأحمر، وذلك في موقع غير محدد وفقاً لهذه الصورة الموزعة التي نُشرت في 15 مارس 2025

وفي الوقت نفسه طور البيت الأبيض مفهومه الخاص بتوقيت تدخّله في الحرب المباشرة. ولفهم هذا التطور، ينبغي العودة إلى حملة 2025. فعندما تعرضت السفن الأميركية والملاحة في البحر الأحمر لتهديد الحوثيين، أطلقت إدارة ترمب عملية عسكرية واسعة. وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث آنذاك إن الهدف هو وقف إطلاق النار على الأصول الموجودة في ذلك الممر وإعادة حرية الملاحة، واصفاً إياها بأنها "مصلحة قومية أساسية للولايات المتحدة".

وأوضح فانس لاحقاً أن الإدارة دخلت الحرب بهدف محدد، وهو: إجبار الحوثيين على وقف مهاجمة السفن الأميركية، لا التورط في صراع طويل مع جماعة مسلحة غير حكومية.

وعندما حصل ترمب على التعهد المطلوب، أوقف الحملة. وقال في مايو/أيار 2025 إن الحوثيين أبلغوا واشنطن بأنهم لن يهاجموا سفنها. وأكدت سلطنة عمان أن الاتفاق ينص على أن لا يستهدف الطرفان بعضهما، بما في ذلك السفن الأميركية في البحر الأحمر وباب المندب. لكنه لم يذكر إسرائيل بالاسم، وإن كانت المعلومات تؤكد أن الحوثي هو من تعهد بعدم التعرض للإسرائيليين، وقد برهن على امتناعه على الهجوم عليها، منسجما كوكيل لطهران، مع امتناعها عن استهداف إسرائيل في الجولات الأخيرة من القتال. وأكد الإسرائيليون أن سفنهم تعبر مضيق باب المندب أمام أعين ميليشيا الحوثي، دون أن تتعرض لإطلاق النار. حرب الحوثي ضد السعودية تنسجم مع طهران التي تركز في استهدافات للمملكة من خلال وكيلها العراقي واليمني.  

أما ترمب، فإن معنى نجاح الحرب من جهته وفي تصوره، لن يكون بالقضاء على الحوثيين أو إعادة بناء اليمن أو فرض توازن إقليمي جديد. لكن النجاح هو هزيمة إيران أو التوصل إلى اتفاق سياسي يحقق الهدف الأول، وهو التنازل عن مشروعهم النووي العسكري.

إن رفض ترمب التدخل لا يعني أن البيت الأبيض لا يرى خطورة ما حدث. فسيطرة الحوثيين على مواقع جديدة قرب باب المندب تضعهم بجوار واحد من أهم الممرات البحرية، في وقت تضغط فيه إيران على الملاحة عبر هرمز. كما تعرضت الأراضي السعودية لهجمات بالصواريخ والمسيّرات، واستُهدف خط أنابيب شرق-غرب الذي يمثل الطريق الرئيس لتصدير النفط السعودي بعيداً عن مضيق هرمز.

لكن ترمب يواجه حساباً مختلفاً: إما ضرب الحوثيين ومنعهم من التمدد، وإما فتح جبهة أميركية إضافية من دون نهاية واضحة.  

وفقًا للبيت الأبيض، دَرَسَ الرئيس بالفعل توجيه ضربات، ثم تراجع عنها. وبحسب مسؤولين أميركيين، خشي مستشاروه أن يؤدي القصف إلى توسيع الحرب ودفع الحوثيين إلى إغلاق باب المندب بشكل كامل كما تفعل إيران أو استئناف مهاجمة السفن الأميركية.

كما أن التجربة العسكرية السابقة لم تحسم المشكلة. فالحملة الأميركية في 2025 ألحقت أضراراً كبيرة بالحوثيين، لكنها لم تدمر قدراتهم. وأظهرت تقديرات لاحقة أن الحملة استهلكت ذخائر باهظة، وخسرت خلالها الولايات المتحدة طائرتين وعدداً من المسيّرات، بينما بقيت الجماعة قادرة على القتال.

منذ ذلك اليوم قامت الشرعية بإعادة ترتيب قدراتها وضمّت إلى قواتها قوى يمنية مسلحة متضررة من سيطرة الحوثي وفعّلت قدراتها الجوية، مسيرات وطائرات مقاتلة. ومع خسارتها لمعركتها الأخيرة في المخا، فإنها أفشلت هجمات وتقدم الحوثي في مناطق حيوية أخرى، مثل مأرب حيث مناطق النفط.

مساندة من الخلف

لا يوجد اتفاق دفاعي أميركي-سعودي، فهو محل نقاش طويل لكنه لم يوقع قط. واشنطن تدرك قدرات السعودية التي لم ترغب هي الأخرى في خوض الحرب ضد إيران رغم الاستفزازات الإيرانية.

التعاون العسكري بين الرياض وواشنطن قائم ونشط، وقد أكدت مصادر أميركية أن إدارة ترمب عرضت مشاركة المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف، من دون تنفيذ ضربات مباشرة. كما تحدثت تقارير عن دعم اليمنيين في التخطيط والقيادة والسيطرة، ومحاولة دمج التشكيلات اليمنية المناهضة للحوثيين.

نجاح الحوثيين في هجومهم يضع أمام ترمب سؤالاً عملياً: إذا لم تستطع القوة الجوية السعودية واليمنية وحدها إنهاء التهديد، فما الهدف السياسي الممكن تحقيقه من حملة جديدة؟

العلاقة الاستراتيجية لا تقاس فقط بمشاركة الطائرات الأميركية في القصف؛ فتبادل المعلومات، والإنذار المبكر، والدفاع الجوي، وتحديد الأهداف، والإمداد بالسلاح وقطع الغيار، كلها أشكال من القوة العسكرية.

هل هناك خلاف بين الرياض وترمب؟

في ذروة الأزمة، وافقت واشنطن للرياض على ما رفضته لتركيا والإمارات وهو بيعها أهم سلاح جوي في ترسانتها. سارع ترمب لتفعيل صفقة محتملة يبيع بموجبها للسعودية 48 طائرة مقاتلة ومعدات اتصالات ومحركات ودعماً فنياً، وإن كانت الصفقة لا تزال تتطلب موافقة الكونغرس، وهي شبه مؤكدة لأن ترمب يتمتع بأغلبية كافية في الكونغرس قبل الانتخابات.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في منتدى الاستثمار الأميركي السعودي في مركز جون إف كينيدي للفنون المسرحية في واشنطن العاصمة، في 19 نوفمبر 2025

إذن، ليست هناك قطيعة استراتيجية، بل إعادة توزيع للمخاطر: تتحمل السعودية وحلفاؤها مخاطر الحرب التي تعنيهم مباشرة، وتقدم الولايات المتحدة الأدوات التي تزيد فاعليتهم وتقلل خسائرهم.

وتنسجم هذه السياسة مع مفهوم "تقاسم الأعباء"، حيث يدافع الحليف عن أرضه ومصالحه.

اليمن ليس استثناء

الموقف نفسه ظهر في تعامل ترمب مع الحرب الإيرانية. فعندما هاجمت إيران أهدافاً ومصالح أميركية، كان مستعداً لاستخدام القوة مباشرة. لكنه لم يمنح حلفاءه حرية غير محدودة في مواصلة الحرب إذا رأى أن عملياتهم تهدد مساره التفاوضي.

ظهر ذلك بوضوح في الخلاف مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو حول لبنان. ضغط ترمب على إسرائيل لوقف هجماتها وتجنب توسيع الحرب مع "حزب الله"، بعدما رأت طهران أن استمرار ضرب حلفائها يقوض أي اتفاق معها. وحذرت إيران من أنها ستستأنف هجماتها إذا واصلت إسرائيل استهداف "حزب الله".

وذكرت "رويترز" أن ترمب وبّخ نتنياهو بلهجة حادة، ودفعه إلى التخلي عن خطة لضرب بيروت، رغبة في الحفاظ على فرصة الاتفاق مع إيران. وقد أثار ذلك انتقادات داخل إسرائيل، حيث رأى خصوم نتنياهو أن رئيس الوزراء سمح لواشنطن بتقييد حرية العمل العسكري الإسرائيلي.

كان اعتراض طهران أنه لا معنى للتفاوض على وقف الحرب فيما تستمر إسرائيل في ضرب وكيلها "حزب الله". ومن هنا تحولت جبهة لبنان إلى جزء من المساومة الكبرى. لم يتعامل ترمب مع "حزب الله" بوصفه ملفاً منفصلاً تماماً، بل بوصف استمرار الحرب ضده خطراً على الاتفاق الذي يريد الوصول إليه مع طهران.

وهذا يفسر جانباً من موقفه في اليمن. ففتح حملة أميركية جديدة ضد الحوثيين، وهم أقوى وكلاء إيران المتبقين وأكثرهم قدرة على تهديد الممرات البحرية، قد ينسف المسار الدبلوماسي من وجهة نظره ويعيد جمع الجبهات التي يحاول ترمب فصلها.

الاعتبار الأميركي الداخلي

الولايات المتحدة قد تخوض حرباً طويلة ومكلفة مع إيران، وتتعرض مخزونات الذخائر والقوات البحرية لضغط متزايد، بينما تقترب انتخابات التجديد النصفي ويواجه الرئيس تراجعاً في شعبيته وانتقادات بشأن غياب النهاية.

كما أن نجاح الحوثيين في هجومهم يضع أمام ترمب سؤالاً عملياً: إذا لم تستطع القوة الجوية السعودية واليمنية وحدها إنهاء التهديد، فما الهدف السياسي الممكن تحقيقه من حملة جديدة؟

أ.ف.ب
سفينة تجارية قبالة الساحل اليمني عند باب المندب، في المضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وذلك في 12 سبتمبر 2026

والإجابة التي اختارتها واشنطن حتى الآن هي الامتناع عن خوض حرب اليمن في انتظار ما تسفر عنه المعارك المقبلة، حيث لا تزال هناك اشتباكات على جبهات يمنية واسعة واستعدادات لمعركة كبيرة من قبل الشرعية والحوثي على باب المندب من جديد، وكذلك تعز ومأرب.

الغموض المتعمّد

غموض ترمب وتناقضه مثل أن يفهم الحوثيون امتناعه باعتباره ضمانة دائمة. رغم ما تسرب من أن الضربات الأميركية موضع دراسة، واستمرار الاتصالات العسكرية مع السعودية، وبقاء القوات الأميركية في وضع يسمح لها بالتحرك.  هذا الغموض يؤدي وظيفة ردعية. فهو يوضح للحوثيين أنه لن يواجههم بسبب كل هجوم على خصومهم، لكن الاتفاق يسقط إن تجاوزوا الخط الأحمر.

لا يريد ترمب محاربة كل حليف لإيران. فما يريده هو أن يفرض على كل واحد منهم حدوداً تحمي المصالح الأميركية، ثم يدفع الأطراف الإقليمية إلى إدارة بقية الصراع بأنفسهم

اتفاق مسقط أنشأ عملياً "خطا فاصلا" بين المصالح الأميركية والمصالح السعودية. وربما يكون قد نجح في حماية السفن الأميركية، لكنه منح الحوثيين حرية أكبر في تركيز قوتهم على السعودية وخصومهم اليمنيين.

والاستنتاج الآخر أن الدعم الاستخباراتي واللوجستي يثبت أن التحالف الأميركي-السعودي لم ينته. لكنه يكشف في الوقت نفسه أن الضمانة الأميركية أصبحت مقيدة ولا يعتمد عليها، حيث إن واشنطن تساعد على الدفاع، لكنها لا تضمن خوض الهجوم.

وربما هدف ترمب الأخير هو ربط ساحات الصراع في اليمن ولبنان وإيران بمشروع واحد، هدفه تقليص الحرب وفتح باب التسوية مع طهران. ولذلك منع نتنياهو من توسيع حرب لبنان، وامتنع عن فتح جبهة أميركية جديدة ضد الحوثيين، حتى لا ينهار المسار التفاوضي.

أ.ف.ب
فريق "الصقور السعودية" يؤدي استعراض جوي خلال عرض عسكري بمناسبة اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين في الرياض، في 22 سبتمبر 2026

وتحمل السياسة مخاطرة استراتيجية حقيقية. فإذا أدركت إيران وحلفاؤها أن تجنب استهداف الأميركيين يكفي لتحييد واشنطن، فقد يوجهون ضغطهم بصورة أكبر إلى حلفائها. عندها لا يؤدي فصل الجبهات إلى احتواء الحرب، بل إلى نقل كلفتها من الولايات المتحدة إلى شركائها. وهذا يصطدم مع الطرح الأول وهو أن واشنطن هي من جلبت الصراع ودول المنطقة لا تريد مساندتها في الحرب مباشرة، ولهذا امتنعت كل دول الخليج عن الانخراط المباشر... والآن واشنطن لا تريد الانخراط في حروبهم المباشرة.

وأخيراً، لا يريد ترمب محاربة كل حليف لإيران. فما يريده هو أن يفرض على كل واحد منهم حدوداً تحمي المصالح الأميركية، ثم يدفع الأطراف الإقليمية إلى إدارة بقية الصراع بأنفسهم. هذه ليست عزلة أميركية كاملة وليست قيادة تقليدية للتحالفات بل سياسة تقوم على القوة عند الضرورة.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه معركة اليمن: هل يستطيع ترمب فصل أمن السفن الأميركية عن أمن باب المندب نفسه؟ أم إن سيطرة الحوثيين المتزايدة على المضيق ستجعل التهديد الذي حاول إبعاده عن واشنطن يعود إليها لاحقاً بصورة أكبر؟ أم إن الرئيس الأميركي يراهن في حرب اليمن على القوة السعودية واليمنية على هزيمة الإيرانيين هناك، دون الحاجة إلى أن يبدو مقاتلا على جبهات عديدة.

font change

مقالات ذات صلة