اليمن ومعضلة الحوثيين... خداع الحرب ومخاتلات السياسة

بندقية مستأجرة

(رويترز/"المجلة")
(رويترز/"المجلة")

اليمن ومعضلة الحوثيين... خداع الحرب ومخاتلات السياسة

كثيرةٌ هي الدروس والتجارب والخبرات التي اكتسبها اليمنيون وجيرانهم العرب والمجتمع الدولي، خلال 26 عاماً من تمرد جماعة الحوثيين، المدعومة إيرانياً، على الدولة والمجتمع في اليمن، وذلك بما لا يتيح مجالا للنقاش، حيث برهنت هذه الجماعة لمرات لا تحصى على أن علاقتها بطهران مقدمة على كل ما له صلة باليمن ومصالحه السيادية العليا، وأثبتت الجماعة بأدلة قاطعة، كما يقول خصومها في الداخل والخارج، أنه لا يمكن الثقة باحترام هذه الجماعة أو بالتزامها تنفيذ بند واحد من أي اتفاق يتم التوصل إليه معها سواء مع الداخل أو الإقليم أو المجتمع الدولي.

فقد جرت العادة أن يعلن الحوثيون عن تلك الالتزامات في أوقات الضرورة، عندما يكونون تحت وطأة ضغوط شديدة، لكنهم سرعان ما ينكثون بها والخروج عليها قبل أن يجف الحبر الذي كُتبت به، أو عندما يعطيهم الآخرون فرصة لاختبار ما إذا كانوا قادرين على الإيفاء بما قاموا بالتوقيع عليه وتعهدوا بتنفيذه.

هناك الكثير من الأمثلة والشواهد على ذلك ابتداءً باتفاقات وقف إطلاق النار خلال حروبهم الست مع نظام حكم الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، وهي التفاهمات التي كانت تجري بناء على وساطاتٍ ينكر الحوثيون أنهم من كان يطلبها، وما إن كان يتم إطلاق سراح المعتقلين من قادة الجماعة حتى يعودوا مرة أخرى إلى العصيان والتمرد والحرابة، وفقاً لمخطط عملت إيران على تأهيلهم لتنفيذه منذ أول زيارة قام بها مؤسس الجماعة مع والده بدر الدين الحوثي إلى إيران.

(رويترز)
أنصار الحوثيين يجلسون حول علم إيراني خلال مظاهرة للتعبير عن تضامنهم مع لبنان، بعد دخول هدنة بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ، في صنعاء، اليمن، في 17 أبريل 2026

بدليل اعتراف "المرشد الأعلى" الراحل، على خامنئي في حديث متلفز موثق أمام بعض أتباعه بأن الحوثي، الأب ونجله المؤسس بقوله: "عندما أرادوا إقامة دولة علوية في اليمن جاءوا وأخذوا علماء وقوات من (مازندان) إلى اليمن". وأضاف أن "الأئمة في اليمن موجودون منذ ألف عام، وأصلهم من مازندان". وتابع: "أصولهم كلها من مازندان، ضحوا وناضلوا من أجل تثبيت المذهب الشيعي في اليمن".

عن نكث العهود

من "اتفاق السلم والشراكة" المبرم في 22 سبتمبر/أيلول 2014 برعاية الأمم المتحدة، بين الحوثيين والفرقاء السياسيين الآخرين وفي مقدمتهم "حزب المؤتمر الشعبي العام" بزعامة الرئيس الراحل صالح، وتم على أساس نتائج "الحوار الوطني" في حضور المبعوث الأممي الأسبق جمال بن عمر، حيث لقي هذا الاتفاق ترحيباً واسعاً من قبل الجامعة العربية ومجلس الأمن الدولي وغيرهما، أملاً في تشجيع الحوثيين على العودة إلى مسار الحوار، وسعياً نحو نزع فتيلٍ آخر للصراع وبهدف تسوية الأزمة عقب اجتياح ميليشياتهم للعاصمة صنعاء في اليوم السابق لهذا الاتفاق، الذي اعترف بهم كمكونٍ يمني وضمن لهم المشاركة في الحكم، لكنهم ما لبثوا أن انقلبوا عليه ووضعوا الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي الذي أشرف ورعى عملية التوقيع رهن الإقامة الجبرية قبل أن يتمكن من الفرار إلى عدن.

التحالف القاتل

لكن أخطر التفافات الحوثين تمثل بعد ذلك بالتنصل من اتفاق "تحالف الضرورة" المبرم بين صالح وألد أعدائه الحوثيين الذين قاموا تدريجياً بمحاصرته وتضييق الخناق عليه إلى أن وصل الأمر إلى حد تصفيته جسديا يوم 4 ديسمبر/كانون الأول ، وذلك بعد يومين من فض تحالفه معهم بسبب خلافات معهم في الرؤى والمصالح الوطنية ودعوته اليمنيين للانتفاض على سلطتهم ورفض ممارساتهم التجريفية لكل ما له جذور بتاريخ اليمن منذ ما قبل الإسلام وبعده وحتى اليوم.

من أخطر التفافات الحوثيين تنصّلهم من "تحالف الضرورة" مع علي عبدالله صالح، إذ حاصروه تدريجيا حتى تصفيته جسديا في 4 ديسمبر 2017، بعد يومين من فضّه تحالفه معهم ورفضه ممارساتهم "التجريفية" لتاريخ اليمن

مكيدة استكهولم

 كما يعد تنكرهم لـ"اتفاق استكهولم" الذي كفل لهم تجنب مواجهة ماحقة كانت وشيكة الحدوث في محافظة الحديدة أواخر عام 2018 وذلك بفعل تدخل دولي، جرى بسوء أو حسن نية، ظن العالم أن الحوثيين بعده سوف يكونون أقرب إلى اتفاق سلام شامل ممكن لكنهم أخلوا بالتزاماتهم بذلك الاتفاق منذ الساعة الأولى قبل ذلك الاتفاق أو التفاهم.

(أ.ف.ب)
مئات الآلاف من اليمنيين يحملون ملصقات وصور الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح خلال تجمع بمناسبة إحياء حزبه السياسي الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيسه، في ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء، في 24 أغسطس 2017

 مخاتلات ومحاولات خداع للعالم

  ما لبثت جماعة الحوثيين بعد وصول ميليشياتها إلى مضيق باب المندب أن سارعت إلى "التعهد" بعدم استخدام المضيق لمهاجمة السفن الأميركية وحتى الإسرائيلية، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز" عن مصادر متطابقة، وهو تعهد غير ذي مصداقية بالنسبة لواشنطن وحتى لتل أبيب يفرغ هذا "الإنجاز" الإيراني–الحوثي المزعوم في جنوب البحر الأحمر من مضمونه، وينتظره "تصعيد مفاجئ" محتمل بقوة، بحسب ما نقله الإعلام الأميركي عن الرئيس دونالد ترمب الذي قطع إجازته في منتجع "كامب ديفيد" وعاد إلى واشنطن حيث وضع الجيش الأميركي واستخباراته العسكرية على مكتبه "خيارات" عدة لتوجيه "ضربات" جوية تستهدف مواقع الحوثيين في المناطق التي وصلوا إليها في الساحل الغربي لليمن وحتى باب المندب.

لكن ترمب عاد وقال إنه ألغى ضربات كانت مقررة للحوثيين الذين قال "إنهم يتواصلون معنا"!

 

مكابرة وكلفة دون جدوى

تقر أوساط الجماعة بتعرضها لخسائر كبيرة في "غزوة باب المندب" ومحاولة غزو مأرب، حيث جرى خلال اليومين الماضيين تداول معلومات عن وقوع لواءين كاملين للميليشيات الحوثية في دائرة "الحصار والتنكيل" في جبهة جبل "البلق" الشرقي على أحد أطراف مأرب وفي جبهة جبال كهبوب المطلة على باب المندب بين محافظتي تعز ولحج ومن بين قتلى هذين اللواءين قادة في الميليشيات عرفوا بأدوارهم في عمليات التجنيد والحشد وقيادة بعض المعارك خلال حروب جماعة الحوثيين.

وتتساءل تلك الأوساط مع نفسها عما يمكن للجماعة أن تذهب إليه في نهاية هذا التصعيد والثمن الباهض الذي دُفع لأجله في سبيل إرضاء إيران ومنحها نوعاً من الشعور الزائف بالزهو بنصرٍ بعيد عن حدودها في حرب كبيرة لم تكتمل أو لم تبدأ أهم فصولها بعد.

 في الوقت نفسه، ينظر اليمنيون اليوم بألم شديد إلى مظاهر القتل والأسْر والإهانة التي يتبادلها المتقاتلون في جبهات الحرب ويسألون أنفسهم عما يدعو إلى كل هذا وما الحاجة أصلا إليه، لكن الأهم من هذا هو التساؤل عما أجبر الحوثيين كأسرةٍ أو جماعة أو مذهب إلى الذهاب بعيدا عن تكوينهم الاجتماعي وهويتهم الوطنية.

لكن أمورا مهمة عدة كشفت عنها مجريات الحرب خلال الأسبوعين الماضيين على الأقل، أولها أن تورط "الحرس الثوري" الإيراني بشكل مباشر لا لبس فيه في إدارة العمليات العسكرية في محافظة تعز وعلى صعيد الساحل الغربي وذلك بخبرائه وكل ما أوتي من قدرات صاروخية وطيرانٍ مسير وإمكانات تقنية ولوجستية لم يكن من دونها يمكن أن تصل الميليشيات الحوثية إلى ما وصلت إليه إذ لم يكن بوسعها أساسا أن تنخرط في هذا المعترك إلا بالمجازفة والتضحية بأرواح عشرات الآلاف من عناصر ميليشياتها في مهالك هذه الحرب التي بات من المؤكد للمرة الألف أنها لا تعني اليمن واليمنيين ولا جوارهم العربي وحتى الأفريقي بأي صورة أو معنى أو غاية على الإطلاق.

 ثاني تلك الأمور التي كشفت عنها الجولة الأخيرة من الحرب ليس أن اليمنيين على جانبي الصراع غير مقاتلين فهم كذلك منذ الأزل يحبون السلاح ويعشقون النزال، والعنف في تاريخهم من سمات الحياة السياسية وأساليب حل النزاعات، ولكن هذه الحرب، كما خلصت إليه قناعة السواد الأعظم منهم، ليست حربهم لا وقوفا مع إيران ولا تحالفا مع الجارة السعودية التي هي من سعت بكل الوسائل إلى دعم حق اليمنيين في استعادة دولتهم، التي أسقطها الحوثيون الموالون لولاية الفقية، والتخفيف من معاناتهم جراء هذا الصراع الذي أشعلته طهران عن تخطيط وعمد وسابق إصرار وكانت وراءه منذ يومه الأول حتى الآن.

(رويترز)
حوثي موالٍ لإيران يطلق النار من مركبة، في لقطة من مقطع مصوّر قيل إنه يُظهر مقاتلين حوثيين يهاجمون القوات الحكومية اليمنية في موقع ذكر المصدر أنه محافظة الجوف، اليمن، في 15 سبتمبر 2026

 ثالث تلك الأمور أن التراجع النسبي لميليشيات الحوثيين عن فرض أو تثبيت سلطتها على المناطق التي تسيطر عليها في شمال غربي البلاد والذهاب نحو مضيق باب المندب لا يؤكد فقط أنها تقاتل بالوكالة عن إيران لتخفيف الضغط عن "حرسها الثوري" في مضيق هرمز، بل إن هذه الميليشيات كما يقول البعض "مجرد بندقية مستأجرة تطلق رصاصاتها في صدور اليمنيين الذين تدعي أنها تمثلهم" وتقاتل من أجل رفع "الحصار" المزعوم عنهم واستعادة حقوقهم وغير ذلك من المطالب والشعارات التي تغطي بها الميليشيات عدوانها على اليمنيين في الداخل وعلى مصالحهم في الإقليم والعالم.

كشفت الحرب نحو باب المندب أن "الحرس الثوري" الإيراني تورط في العمليات مباشرة بخبرائه وصواريخه، وأن غالبية اليمنيين باتوا يرون أنها "ليست حربهم"، وأن اندفاع الحوثيين نحو المضيق قتالٌ بالوكالة

رابعا، أيقنت غالبية اليمنيين بعد التطورات الأخيرة أنها دون أن تمسك بزمام الأمور في هذا الصراع سياسيا وعسكريا بدعم وتعاونٍ مع السعودية فإنه لا يمكن الوثوق بأي طرف آخر، ولعل هذا بات أيضا يقين بعض "المتعاطفين" مع الحوثيين و"الولي الفقيه" الإيراني سواء لأسباب سلاليةٍ أو مذهبية أو غير ذلك، إذ يرون أن إيران كدولة كانت بلا رؤية تجاه نماء وازدهار حياة شعبها وباتت اليوم بلا مستقبل ولا تملك نظريةً يمكن البناء عليها غير العسكرة ونشر الفوضى.

كما ترى هذه الغالبية من اليمنيين أن الوقوف إلى جانب الجار السعودي الذي يستضيف نحو ثلاثة ملايين مغتربٍ يمني ينفقون على ضعفهم من عائلاتهم في اليمن، من بينها من تقطن في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية، واجبٌ ديني وأخلاقي واستراتيجي، وإن كانت قناعة هؤلاء في نهاية المطاف أنه لا خوف على الشقيقة السعودية فهي لا تزال بلداً قويا وقادرا على مواجهة ميليشيات الحوثيين ومن يقف خلفها ولديها خياراتها العسكرية والسياسية العديدة خصوصا مع قرب امتلاكها لعشرات من طائرات "إف-35"، وهو ما قد يحدث تغييراً حاسماً على موازين القوى في المنطقة.

متغيرات عسكرية

وفي المقابل، يرى بعض الباحثين في شؤون الجماعة أن الحوثيين الذين يقاتلون على جبهات عدة في الساحل الغربي لليمن على مسافات تمتد لمئات الكيلومترات من الأمتار، فضلا عن جبهات مأرب والجوف والبيضاء وتعز والضالع ولحج وغيرها، لم يعودوا تلك الميليشيات المذهبية والقبلية محدودة العدد من المسلحين والعتاد الخفيف والمتوسط التي عرفها الناس في جبال "مران" بمحافظة صعدة، بل أشبه اليوم بنسخةٍ أخرى من "الحرس الثوري" الإيراني تتساوى معه بإمكاناته ذاتها أو تقل بعض الشيء عنه في بعض المزايا والإمكانات ما يجعل من كبح جماحها وحسم  الصراع المرير معها ليس فقط ضرورة وطنية بل أخلاقية وإنسانية، خصوصاً بعد أن "ارتمت" إلى حدٍ كبير في أحضان إيران وراهنت بلا قيود على مشروعها المعادي الذي لا يلتقي في المنطق أو حتى المستساغ من الكلام مع كل ما يمت لإسلام العرب وثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم بأي صلة.

(رويترز)
سيارة أجرة تسير على طريق جبلي التفافي حول مدينة تعز، اليمن، في 21 مايو 2022

بلا جدال لم يعد هذا وقته أو مكانه ولا مواربة لبابٍ مخلوع بات كاشفاً عما أمامه ووراءه، يمكن القول إن خلاف اليمنيين مع الحوثيين، كما تقول الحكومة الشرعية والجيش والقوى السياسية المتحالفة معها، أصبح عميقاً بما يصعب جسره بسهولة ومعقداً بما يتعذر حله بالسلاح والعنف، ولم يعد سياسيا فحسب أو يقبل بالمساومات وكفى، فإما أن يقبل الحوثيون بشعبهم ويتعايشوا معه رغم كل جراح الحرب ليقبلهم أو أنهم قطعوا كل خطوط العودة إلى الوطن الذي ولدوا فيه وعاشوا على ترابه.

فالخلاف السياسي يمكن أن يكون مقبولاً في حدود التباين بشأن بعض القضايا والأولويات، لكن أن يكون اندفاعاً لخدمة مصالح أمة بعيدة أخرى على حساب مصالحهم الوطنية مع أهلهم الذين يتقاسمون معهم الأرض والتاريخ وهم الأقرب إليهم أهلاً ونسباً فذلك بالتأكيد أمرٌ مرفوض وغير عملي أو واقعي، ولا يمكن أن تستقيم معه أحوال الجميع، بل يعني ديمومة الحرب واستدامة الصراع.

font change

مقالات ذات صلة