في رواية "مسيرة الفيل" للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو يتعقب السارد أطوار رحلة الفيل الهندي سولومون الذي أهداه الملك جون الثالث إلى ولي عهد النمسا الأرشيدوق مكسيميلياني الثاني. أما في رواية "غامبا بلا حرب" للكاتب المغربي محمد الهرادي (منشورات المتوسط، 2026)، فالفيل هو ما يتعقب خطى الشخصية المركزية المدعو غامبا، وهو الفيل الذي امتطاه الملك البرتغالي سيباستيان في معركة "وادي المخازن"، وكان قدم له هدية من الهند، وها قد آل إلى ملكية الباشا، في مدينة القصر الكبير على أعتاب جوكا، المدينة التي شهدت ضاحيتها المعركة التاريخية الموسومة بالملوك الثلاثة، في "وادي المخازن" عام 1580، وأسفرت عن هزيمة نكراء للملك البرتغالي سيباستيان الأول، من طرف الجيش السعدي بقيادة السلطان عبد الملك السعدي وأخيه أحمد المنصور، وسميت بمعركة الملوك الثلاثة لأنها وشمت بمقتل ثلاثة ملوك هم: الملك سيباستيان والسلطان المخلوع محمد المتوكل والسلطان عبد الملك السعدي، فيما تولى الحكم بعده السلطان أحمد المنصور.
غامبا وفيل الملك سيباستيان
ولكن من يكون غامبا؟ هل اسمه يطابق الآلة الموسيقية المعروفة بـ"الفيول دا غامبا"؟ احتمال يشهره الاسم المبهم في عنوان الرواية، وهو نفسه عنوان الفصل الأول، الذي يبدأ تاريخه من أكتوبر/ تشرين الأول 1963، الذي يحيل على فيضان مدينة القصر الكبير، وكذا حرب الرمال ما بين المغرب والجزائر، وهي بضع سنوات أعقبت الاستقلال، إذ يضعنا السارد في المشهد الأولي راصدا غامبا المنعزل، المتربع على كرسي الحلاق صامويل على حافة الشارع، يحدق في الفراغ وهو شارد الذهن، رأسه في الظل، وقدمه تحت الشمس، وهي جلسة شيطانية وفق توصيف صامويل، صاحب دكان الحلاقة ذي الشعر الأحمر الذي ورثه عن يهودي، والشيطان بحسب ظنه يتسرب من الظل إلى الضوء وقت القيلولة.
رأس خيط الرواية إذن ينقشع من دكان الحلاقة، المقابل لفندق الملوك الثلاثة الذي يحرسه غامبا ويسجل بيانات زبائنه. نزل وضيع يستفحل فيه البق وهلم بقع من مني الجنود وروث البقر والماعز الذي ينفطر عن جلابيب الرعاة، ولذا سمي بفندق "البقة الملكية"، الذي يذكرنا ببقة إدغار آلن بو الذهبية، والحال الشائع أنه معد ضالع في وباء السفلس، ومع ذلك ينزل فيه أيضا الإسباني الدون لوبيس المشارف للسبعين.




