يأتي كتاب المفكر وأستاذ السيميائيات المغربي سعيد بنكراد "السرديات في الأدب والتاريخ والفينومينولوجيا"، الصادر عن "المركز الثقافي للكتاب" 2026، ضمن مسار فكري راكم فيه صاحبه، عبر سنوات من البحث في السيميائيات والتأويل والصورة والسرد، ليطرح سؤالا مركزيا يتعلق بكيفية إنتاج الإنسان للمعنى داخل أنساق ثقافية ورمزية تتجاوز الفرد وتعيد تشكيل علاقته بذاته وبالعالم. تكتسب هذه المسألة في الكتاب الجديد كثافة خاصة، لأن السرد ينتقل من كونه موضوعا للدراسة إلى كونه شرطا لفهم التجربة ذاتها. الكتاب ينتظم في خمسة فصول: "السرديات وما بعدها"، "السرد التخييلي والحدث التاريخي"، "المحكي وتشخيص التجربة الزمنية"، "الشرط السردي للإنسان"، و"المحكيات الجديدة أو سرديات التضليل". وتكشف هذه البنية منذ البداية عن حركة فكرية تتدرج من سؤال السرد بوصفه ممارسة خطابية إلى سؤال المحكي بوصفه وسيطا بين الإنسان والزمن والتاريخ والواقع، ثم تنتهي إلى المجال المعاصر الذي أصبحت فيه السرديات جزءا من آليات الإقناع والتوجيه وصناعة التصورات العامة.
وظيفة السرد
يسعى بنكراد منذ مقدمة مؤلفه إلى تحديد وظيفة السرد، الذي عنده يتجاوز نقل الوقائع وترتيب الأحداث، لأنه يمنح الإنسان قدرة على مغادرة انغلاق التجربة الفردية والدخول في هويات وممكنات وتجارب أخرى. من هنا تأتي العلاقة العميقة بين الحكي والذاكرة والتخييل: الإنسان يستعيد الماضي بواسطة الحكاية، ويستشرف المستقبل بواسطة بناء صور ممكنة له، ويعيد ترتيب الحاضر من خلال وضعه داخل سياق يمنحه قابلية للفهم.
هذه الوظيفة تجعل السرد وسيطا معرفيا بين التجربة ومعناها، وتضعه في منطقة تتقاطع فيها الأدبية مع الفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم النفس والتاريخ. ويصرح بنكراد في مقدمة الكتاب بأن السرد يمنح الإنسان إمكان العيش خارج مدار ذاته ويتيح إعادة بناء ما وقع أو ما يفترض وقوعه ضمن إمكانات التخييل.
من هذه الزاوية، يبدو الكتاب كأنه يشتغل على تفكيك الاعتقاد البسيط الذي يفصل بين الواقع والتخييل وفق ثنائية جاهزة: واقع يقوم على الوقائع، وتخييل يقوم على الاختراع أو الانزياح. يقترح بنكراد مسافة أكثر تعقيدا. فالتخييل يستطيع أن يكشف ما تعجز التجربة المباشرة عن إظهاره (ص.12)، والواقع نفسه لا يصل إلى الوعي في صورة خام، وإنما يمر عبر اللغة والذاكرة والتصنيف والتمثيل (ص.85). تمنح هذه النقطة المحكي وظيفة معرفية تتجاوز التمثيل، لأن الحكاية تضع التجربة في علاقة مع بنيتها الداخلية، وتكشف ما يختفي خلف انتظام الأحداث الظاهري. وهنا تصبح الرواية والقصة والأسطورة والتاريخ صيغا مختلفة لمعالجة سؤال واحد، كيف تتحول الوقائع المتناثرة إلى تجربة ذات معنى؟




