أنطونيو لوبو أنتونش... ضمير البرتغال القلق

رحيل الكاتب الذي جدد الرواية البرتغالية وسبر ذاكرة الحرب والاستعمار

أنطونيو لوبو أنتونش... ضمير البرتغال القلق

رحل الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونِش في 5 مارس/ آذار 2026، في لشبونة، عن عمر ناهز 83 عاما. برحيله، يفقد الأدب الأوروبي المعاصر أحد أبرز أصواته، كما يفقد البرتغاليون كاتبا كرس عمله الروائي الكثيف واللامع، على مدى أكثر من أربعة عقود، لاستكشاف جراح تاريخهم وتصدعات ذاكرتهم، ومن خلال ذلك، تناقضات التجربة الإنسانية في أوسع معانيها.

لسنوات طويلة ظل اسم أنتونش يتردد بوصفه مرشحا لجائزة نوبل الآداب. ومع أن هذه الجائزة آلت في نهاية المطاف إلى مواطنه جوزيه ساراماغو عام 1998، فإن ذلك لا يقلل مكانته بوصفه أحد أكثر الكتّاب تأثيرا في الأدب البرتغالي المعاصر، بل وفي الأدب الأوروبي عموما. فأعماله التي ترجمت إلى لغات عديدة، جددت الرواية البرتغالية بعمق، وأسهمت في إدراجها ضمن التيارات الكبرى للحداثة الأدبية في أوروبا.

ولد أنتونش عام 1942 في لشبونة، ونشأ داخل أسرة بورجوازية مثقفة. وبإيعاز من والده، الذي كان طبيب أعصاب مشهورا، درس الطب، قبل أن يتخصص في الطب النفسي. وقد مارس هذه المهنة لأكثر من عقد من الزمن في مستشفى ميغيل بومباردا، في لشبونة، حيث اكتسب خبرة إنسانية عميقة ستنعكس لاحقا في أعماله الأدبية.

لكن حدثا مفصليا طبع مساره الشخصي والإبداعي بعمق، هو الحرب الاستعمارية البرتغالية. فبين عامي 1971 و1973 استُدعي الى الخدمة العسكرية بوصفه طبيبا في أنغولا، حيث كانت البرتغال تحاول الحفاظ على إمبراطوريتها الاستعمارية في مواجهة حركات الاستقلال الأفريقية. شكّلت تلك التجربة صدمة نفسية عميقة، وأصبحت لاحقا إحدى الركائز الأساس التي قام عليها عالمه الروائي.

لحظة مزدوجة

مثل كثر من كتّاب جيله، وجد أنتونش نفسه شاهدا على لحظة مزدوجة التحول في تاريخ البرتغال خلال سبعينات القرن الماضي: سقوط ديكتاتورية سالازار، التي أطاحتها "ثورة القرنفل" عام 1974، وانهيار الإمبراطورية الاستعمارية البرتغالية في أفريقيا. وهي مرحلة تاريخية تتناولها رواياته باستمرار، كاشفة عن الانكسارات النفسية والأخلاقية التي خلّفها ما يقرب من نصف قرن من الحكم السلطوي، إلى جانب حرب استعمارية، طويلة بقدر ما كانت مدمرة.

رفض أنتونش السرد الخطي التقليدي، مفضلا بنية سردية مفككة، بل متشظية، تقوم على تداخل الأزمنة والأصوات

روايتاه الأوليان تعكسان هذا الهاجس بوضوح. ففي الأولى، "ذاكرة فيل" (1979)، يتتبع أنتونش مسيرة طبيب نفسي في لشبونة يعيش أزمة وجودية حادة تدفعه إلى استكشاف الحدود الهشة بين العقل والجنون.

أما الرواية الثانية، التي صدرت في العام نفسه وكشفت عن موهبته على نحو لافت، فهي "مؤخرة يهوذا"، وهي نص ناري مستوحى من تجربته في أنغولا، يتخذ شكل مونولوغ طويل لجندي سابق يروي ذكرياته عن الحرب لامرأة غريبة في إحدى حانات لشبونة. ومن خلال هذا السرد المؤلم، يفضح الكاتب عبثية الحرب الاستعمارية والصمت الذي أحاط بها داخل المجتمع البرتغالي.

ومع صدور روايته الثالثة، "معرفة الجحيم" (1980)، تكتمل ما يمكن اعتباره ثلاثية تأسيسية صوّر فيها خيبة جيل واجه عنف التاريخ ونتائجه المدمرة.

على هذه القاعدة الأولى، شيد أنتونش لاحقا، على مدى عقود، صرحا روائيا شاهقا يزيد على ثلاثين رواية، ويتميّز بطموح شكلي لافت. فقد رفض السرد الخطي التقليدي، مفضلا بنية سردية مفككة، بل متشظية، تقوم على تداخل الأزمنة والأصوات.

Hector Guerrero / REUTERS
الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونش، الفائز بجائزة FIL للأدب باللغات الرومانسية لعام 2008، يشارك في مؤتمر صحافي خلال معرض غوادالاخارا الدولي للكتاب في المكسيك، 29 نوفمبر 2008

تعددية الأصوات، أو ما يعرف بالبوليفونية، هي إحدى السمات الأساس في كتابته. فشخصياته تتناوب على الكلام باستمرار، أحيانا داخل الجملة الواحدة، بحيث تختلط الذكريات بالأفكار والحوارات ضمن فيض وعي مستمر. هكذا يجد القارئ نفسه أمام ما يشبه جوقة روائية تتقاطع فيها الأصوات وتتعارض أو تتراكب.

تتجسد هذه التقنية بوضوح في رواية "فادو ألكسندرينو" (1983)، المصممة على شكل حوار طويل يدور خلال ليلة واحدة بين أربعة جنود سابقين شاركوا في الحرب الاستعمارية البرتغالية في أفريقيا، ويستعرض كل منهم أمام قبطان غامض أوهامه الضائعة وخيباته وشعوره بالذنب، فضلا عن عجزه عن الاندماج مجددا في المجتمع البرتغالي بعد الحرب. ومن خلال هذا النسيج من الشهادات المتداخلة، ينبثق بورتريه جماعي لجيل مثقل بالصدمة والخيبة.

تفكيك السلطة

في أعمال لاحقة مثل "دليل المفتشين" (1996) و"بهاء البرتغال" (1997)، واصل أنتونش تفكيك آليات السلطة واستكشاف الصدمات التاريخية. فالرواية الأولى تصور وزيرا مستبدا من نظام سالازار الديكتاتوري، يمتد تسلطه حتى داخل أسرته، بينما تعيد الثانية قراءة التجربة الاستعمارية البرتغالية من خلال ذكريات عائلة كانت تعيش في أنغولا، كاشفة التناقضات والعنف الكامن في النظام الاستعماري.

غالبا ما قورنت هذه الأعمال بروايات ويليام فوكنر من حيث كثافتها وتعقيدها السردي. وهي تغوص بقارئها داخل عالم روائي تبدو الحبكة فيه أقل أهمية من حركة الأصوات والذكريات داخل النص.

تتجلى فرادة أنتونش أيضا في عمله المدهش على اللغة نفسها. فأسلوبه النثري، الذي غالبا ما يوصف بالباروكي أو الجارف، يتميز بجمل طويلة متعرجة غنية بالصور والاستعارات. يتميز أيضا بخرق مبتكر لقواعد النحو أو الترقيم، غايته التقاط حركة الفكر والذاكرة.

بقي أنتونش كاتبا يصعب تصنيفه، فمشروعه الأدبي يمزج بين الرواية والسيرة الذاتية والشعر والمقالة، مفجرا الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية

من خلال هذا الأسلوب، الذي كان يصفه بـ"الهذيان المنضبط"، سعى الكاتب إلى محاكاة التداعي الحر للأفكار في اللاوعي. فالذكريات تظهر في نصوصه على شكل شذرات، وتتداخل الأزمنة، وتتجاوب الصور كما يحدث في الأحلام. هكذا يتقدم السرد عبر سلسلة من الاستطرادات المتعاقبة، لا عبر مسار حكائي تقليدي.

لقد أربك هذا الأسلوب بعض النقاد، الذين رأوا أن نصوصه شديدة الصعوبة أو مفرطة الطول. فعلى سبيل المثل، أقر الناقد الأميركي دوايت غارنر بقوة كتابته، لكنه أشار أيضا إلى شعور بالإرهاق لدى قراءة بعض رواياته بسبب كثافتها الأسلوبية.

Ivan Garcia / AFP
الكاتب البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونش يتسلّم جائزة من إميليو غونزاليس، حاكم ولاية خاليسكو المكسيكية، خلال افتتاح معرض غوادالاخارا الدولي للكتاب، المكسيك، 29 نوفمبر 2008

غير أن معجبيه رأوا في هذه الصعوبة تحديدا سر سطوة أعماله. فقد اعتبر مفكرون كبار مثل هارولد بلوم وجورج ستاينر أنتونش واحدا من أعظم المبدعين في الأدب المعاصر على صعيد الأسلوب، وقارنوه بجوزيف كونراد وويليام فوكنر، مؤكدين قدرة رواياته على سبر أكثر مناطق التجربة الإنسانية ظلمة وتعقيدا.

إلى جانب ابتكاراته الشكلية، تتميز أعمال أنتونش ببعد نقدي عميق، إذ تقدم تشريحا دقيقا قاسيا للمجتمع البرتغالي، كاشفة نفاق البورجوازية، وأوهام الثورة الديمقراطية، وآثار الاستعمار التي لم تندمل.

وعلى الرغم من انتمائه هو نفسه إلى الطبقة البورجوازية في لشبونة، فإنه لم يتردد في فضح تناقضات هذا الوسط الاجتماعي. ففي كثير من رواياته، تظهر العائلات الأريستقراطية أو البورجوازية بوصفها عوالم مغلقة تسودها الصراعات الداخلية والعنف والإحباط.

يمتد هذا النقد إلى المجال السياسي، من دون أن يقتصر على الإدانة الواضحة لنظام سالازار الديكتاتوري. إذ تناول أنتونش أيضا خيبات الأمل التي أعقبت الثورة الديمقراطية عام 1974. ففي عالمه الروائي، تبدو البرتغال الحديثة عاجزة في كثير من الأحيان عن تحقيق الوعود التي حملتها تلك الثورة.

في عالم المهمشين

أولى أنتونش أيضا اهتماما خاصا بالمهمشين، كالجنود المصابين بصدمة الحرب، ومدمني المخدرات، والعاملات في الدعارة، والمهاجرين، والفلاحين الذين فقدوا أراضيهم. ومن خلال الشخصيات التي تمثلهم في رواياته، كشف أشكال التهميش والهيمنة التي تتخلل المجتمع المعاصر.

مع ذلك، تبقى الذاكرة القوة المحركة الأساس في أعماله. فقد دأب على استكشاف الطريقة التي تشكل بها الذكريات هوية الفرد والجماعة. لكنها ذاكرة متشظية دائما، غير يقينية، ومثقلة بالذنب والنسيان. لذلك تحاول شخصياته باستمرار إعادة بناء ماضيها من خلال صور مبعثرة وأحاسيس قديمة وعبارات عالقة في الذاكرة، بينما يواصل الموتى حضورهم في حياة الأحياء، كما لو أن التاريخ يرفض أن يصمت.

روايات لأنطونيو لوبو أنتونش

في رواياته الأخيرة، تصبح هذه المسألة أكثر مركزية. ففي "حتى تصبح الحجارة أخف من الماء" (2017) و"الضفة الأخرى من البحر" (2019)، يعود الكاتب إلى العنف الذي رافق الاستعمار البرتغالي، مظهرا كيف تظل تلك الأحداث حية في الوعي الجماعي بعد عقود من انتهائها.

أما أنغولا، فتحضر في أعماله بوصفها فضاء داخليا بقدر ما هو جغرافي: مسرحا تتقاطع فيه مشاعر الذنب والحنين والعنف، ويتجسد فيه التناقض العميق في التاريخ البرتغالي.

على الرغم من شهرته العالمية، بقي أنتونش كاتبا يصعب تصنيفه، فمشروعه الأدبي يمزج بين الرواية والسيرة الذاتية والشعر والمقالة، مفجرا الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية.

يحتل اليوم موقعا متقدما راسخا في تاريخ الأدب الأوروبي، بفضل اتساع مشروعه الروائي وجرأته الشكلية وعمق نظرته إلى القضايا التاريخية والإنسانية

تقترن هذه الحرية الشكلية لديه بتصور صارم للأدب. فقد كان يؤكد أن مهمة الكاتب ليست مجرد سرد قصص، بل "حفر الكلمات في اللغة"، بحيث يتمكن القارئ من أن يشعر، على حد تعبيره، "بالنار والدم في الجمل".

: Jose Manuel Ribeiro / AFP
الكاتب البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونش يلقي محاضرة خلال مهرجان الثقافة الدولي في كاشكايش، البرتغال، 30 سبتمبر 2017

لا شك أن هذا الطموح الأسلوبي يفسر فرادة آثاره الأدبية. آثار وصفها مترجمه الفرنسي دومينيك نيديليك بـ"محيط أدبي واسع وعميق يجب على القارئ أن يجرؤ على الغوص فيه من دون نقاط استدلال مسبقة".

يفسر هذا الطموح أيضا نيل أنتونش عددا من الجوائز الأدبية المهمة، أبرزها جائزة "كامويس" عام 2007، وهي أرفع جائزة أدبية في العالم الناطق بالبرتغالية.

ومع أنه لم يحصد جائزة نوبل الأدب، على الرغم من أن اسمه كان يتكرر باستمرار بين المرشحين المحتملين، فإنه يحتل اليوم موقعا متقدما راسخا في تاريخ الأدب الأوروبي، بفضل اتساع مشروعه الروائي وجرأته الشكلية وعمق نظرته إلى القضايا التاريخية والإنسانية التي عالجها في أعماله.

font change

مقالات ذات صلة