عن رواية ساراماغو الأولى التي اعترف بها متأخرا

ماذا يوجد قبل الأعمال الأدبية الكبرى؟

 PATRICIA DE MELO MOREIRA / AFP
PATRICIA DE MELO MOREIRA / AFP
صورة للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو في مؤسسة ساراماغو بلشبونة

عن رواية ساراماغو الأولى التي اعترف بها متأخرا

"حتى إن لم تكن هذه الرواية مكتوبة بشكل سيئ، ولأنها كانت عملا مبكرا جدا، يمكننا أن نقول إنها رواية رسوبية"، بهذه العبارة يلخص جوزيه ساراماغو نظرته إلى النص الذي كتبه وهو في الرابعة والعشرين من عمره، قبل أكثر من نصف قرن من حصوله على جائزة نوبل للآداب عام 1998.

من النادر أن يتحدث كاتب كبير بهذا الوضوح وبهذه الشفافية عن عمله الأول. ساراماغو، الذي ظل يتجاهل هذه الرواية لسنوات طويلة، وإن لم يتنكر لها تماما، احتفظ دوما إزاءها بموقف متحفظ، رافضا أن يراها إنجازا مبكرا أو مؤشرا واضحا الى الكاتب الذي سيصبحه لاحقا.

صدرت الرواية للمرة الأولى في البرتغال عام 1947 تحت عنوان "أرض الخطيئة" Terra do Pecado وهو عنوان مختلف عن ذاك الذي اختاره ساراماغو بنفسه، لكن الناشر فرض عليه تغيير العنوان، في وقت لم يكن لديه الجرأة على الاعتراض، وكانت رؤية كتابه مطبوعا أقصى ما يصبو إليه. واليوم، تصدر الرواية للمرة الأولى بالفرنسية عن دار Editions du Seuil بعنوانها الأصلي "الأرملة" La Veuve، في ما يبدو أشبه برد اعتبار متأخر لكتاب ظل صاحبه يشعر بأن اسمه الأول انتزع منه منذ لحظة ولادته.

من هنا تبدو هذه الترجمة الفرنسية -بالإضافة إلى أنها تتيح نصا مجهولا نسبيا من أعمال ساراماغو بلغة أخرى غير لغته الأصلية- مناسبة للعودة إلى فصل مبكر من سيرة أحد أبرز كتاب القرن العشرين، وإلى كتاب قد تبدو قصته أهم منه. وهي أيضا مناسبة للتأمل في الطريقة التي ينظر بها الأدباء إلى بداياتهم بعد سنوات من التجربة والتحقق، وفي الدور الذي تؤديه الكتب الأولى، حتى تلك التي تبقى في الظل، في تشكيل العوالم الأدبية التي سيعرف أصحابها لاحقا من خلالها.

تحذير

عام 1997، صدرت عن ناشر ساراماغو طبعة ثانية من Terra do Pecado. مع أنه لم يكن يرغب في إعادة نشر هذا النص، الذي كان يعتبره مجرد عمل من أعمال شبابه لا يستحق الضوء، لكن "مؤامرة" -كما يسميها مازحا- بين ناشره وزوجته بيلار دل ريو، انتهت بإقناعه بأن القراء لهم الحق باكتشاف أعماله الأولى، فوافق مشترطا كتابة مقدمة خاصة بهذه الطبعة.

يقف ساراماغو على مسافة واضحة من هذه الرواية الأولى، وينظر إلى كاتبها، ذاك الفتى المغمور، كأنه شخصية من شخصياته

هذا النص الذي يسميه "تحذير"، هو أكثر من مجرد مقدمة. إنه بالأحرى سيرة قصيرة للكتاب نفسه، وللكاتب أيضا، الذي يتحدث عن نفسه بضمير الغائب، كأنه شخص آخر بالفعل: "الكاتب شاب في الرابعة والعشرين من عمره، صامت، منطو على نفسه…". يقف ساراماغو على مسافة واضحة من هذه الرواية الأولى، وينظر إلى كاتبها، ذاك الفتى المغمور، كأنه شخصية من شخصياته، برقة، وبما لا يخلو من السخرية أيضا.

كان ذلك الشاب عاملا في مهن يدوية في بيئة متواضعة، ثم أصبح موظفا في الكتابة الإدارية في مستشفيات لشبونة. لا شيء في وجوده الضيق كان يمهد لعلاقته بالأدب: لم يكن ينتمي إلى الأوساط الثقافية، ولم يكن الأدب جزءا من إرثه العائلي أو الاجتماعي. مع ذلك، شيء ما أخذ بالتشكل. يشرح ساراماغو كيف كان يقرأ الكتب في المكتبة العامة، ثم كيف كان يقترض ثمن بعضها، ويكدسها على رف في المطبخ العائلي، سيصبح مكتبته الأولى. 

AFP
جوزيه ساراماغو وزوجته بيلار ديل ريو في بوينس آيريس

يكتب ساراماغو في "تحذيره": "يمكن أن نفترض أنه كتب هذه الرواية لأنه في أحد النقاشات مع أصدقائه، تلك التي نخوضها في أيام المراهقة حين نتحدث عما نريد أن نفعل لاحقا في المستقبل، أكد أنه يريد أن يصبح كاتبا".

لكن الكاتب الشاب فوجئ بموافقة إحدى الدور، وبدون توصية، على نشر روايته، مع أنه لم يراسلها في الأساس. وبرغم اشتراط الناشر عنوانا جديدا وغياب أي عقد أو حقوق، قبل بالشروط جميعها ممتنا، ومتيقنا بأن أبواب الأدب ستفتح له. لكن الصمت الذي سيأتي بعد ذلك، حين لم تلق الرواية نجاحا يذكر، وحين ظل مخطوط روايته الثانية بلا رد، سيتلقاه كحكم قاطع، هجر بعده الرواية لما يقارب عشرين عاما، وعمل عوضا عن ذلك في الصحافة والترجمة والنقد. ولم يعد إلى السرد إلا بعد سنوات، بصوت واضح سيكون قد تشكل تماما، جاهزا لأن يدخل التاريخ الأدبي من بابه الأوسع.

مفتاح

من هنا، يمكن اعتبار وصف ساراماغو للرواية بأنها "رسوبية" مفتاحا لقراءة هذا النص الأول. استعارة لا تحيل إلى قيمة العمل نفسه، بقدر ما تحيل إلى موقعه داخل المسار الإبداعي للكاتب. كأنه يعتبرها الطبقة الأولى في بناء أدبي كان لا يزال بعيدا عن الاكتمال. مثلما تترسب الطبقات -في معناها الجيولوجي- ببطء عبر السنوات قبل أن تتحول إلى تكوين أكثر صلابة، يخبرنا ساراماغو أن نصه المبكر احتوى على الموضوعات التي سترافقه في معظم أعماله اللاحقة، وربما أسس لها: سؤال الموت والإله، ثقل الدين والتقاليد في حياة الأفراد، الشعور بالذنب، الوحدة، هشاشة الرغبة الإنسانية، والصراع الدائم بين حرية الفرد وما يفرضه المجتمع عليه.

يمكن قراءة الرواية كنص عن الحداد وعن توق الانسان إلى الحياة في وجه الموت، غير أن توترها الأساس يكمن في الصراع بين ما تريده الشخصية لنفسها وما يفرضه عليها المجتمع

فأحداث "الأرملة" التي تدور في الريف البرتغالي خلال العقود الأولى من القرن العشرين، تتمحور حول ماريا ليونور، المرأة الشابة التي تجد نفسها بعد موت زوجها، أمام مسؤوليات جديدة لم تكن مستعدة لها، في إدارة المنزل والأرض وتربية الأطفال، وفي مواجهة رغبات وأسئلة يمنع عليها طرحها في المجتمع الذي تنتمي إليه.

غلاف "الأرملة"

يمكن قراءة الرواية كنص عن الحداد وعن توق الانسان إلى الحياة في وجه الموت، غير أن توترها الأساس يكمن في الصراع بين ما تريده الشخصية لنفسها وما يفرضه عليها المجتمع. فماريا ليونور لا تواجه الآخرين بقدر ما تواجه ذاتها، فيما يتحول الشعور بالذنب إلى محرك السرد الأساس: كلما اقتربت البطلة من العودة إلى الحياة، يعيدها الذنب إلى التردد والخوف.

ومن خلال هذه الآلية النفسية يبني ساراماغو رواية تهتم بالعوالم الداخلية للإنسان أكثر من اهتمامها بالحدث الخارجي، حيث تحدث التحولات الحاسمة في وعي الشخصيات، لا في أمكنة الأحداث. وفي هذا السياق، تتحول شخصية مساعدة مثل الخادمة بينيديتا، إلى شخصية محورية، تكاد أن تصبح تجسيدا للنظام الأخلاقي الذي يراقب البطلة ويحاكمها بلا توقف. إنها الصوت الذي يذكرها باستمرار بما ينبغي لها أن تكونه، حتى في غياب القول المباشر. 

 MAURICIO LIMA / AFP
الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو خلال إطلاق رواية "رحلة الفيل"

تراجيديا

وقد رأى نقاد فرنسيون في ماريا ليونور صدى بعيدا لشخصية إيما بوفاري، من حيث التوتر بين الرغبة الفردية والسلطة الأخلاقية. غير أن انشغال ساراماغو بثقل الذنب وأثر الآليات الاجتماعية يبعد نصه عن الأوهام الرومانسية التي طبعت عالم فلوبير، ويجعل القارئ في نهايته أمام ما يشبه التراجيديا النفسية.

فخلف حكاية عادية لأرملة تعيش في ريف البرتغال في بدايات القرن العشرن، تتبلور تأملات حول آليات الهيمنة الأخلاقية وكيفية تحول القيم الاجتماعية إلى جزء من الضمير الفردي، في طرح دائم للسؤال نفسه: هل يمكن الإنسان حقا أن يكون حرا؟

وفي حين يظل أسلوب الرواية تقليديا، وبناؤها أقرب إلى ما كان سائدا في بناء الرواية الواقعية في ذلك الوقت، ومع أنها لا تخلو من المباشرة في الحوارات الطويلة عن الدين والله والحياة التي تجمع ماريا ليونور بالطبيب المثقف مثلا، إنما يمكن القارئ أن يتذوق "الطبقة الترسبية" الأولى لتلك السخرية الفلسفية التي ستطبع أعمال الكاتب وتصنع شهرته لاحقا. 

في الرواية نواة أسلوبه الساخر والفلسفي الذي يترسب طبقة طبقة قبل أن يصبح صوته المتفرد الذي أوصله إلى القراء والجوائز

قد لا يجد قارئ النص الأول لساراماغو عبقرية الكاتب المكتملة التي عرفها حين قرأ "العمى" أو "الإنجيل يرويه المسيح"، لكنه سيجد الطبقات العميقة لخياله الروائي، وسيستطيع أن يتخيل أفكاره المبكرة وهي تتجمع، وأسئلته الأولى وهي تكبر في رأسه بهدوء، وما يشبه نواة أسلوبه الساخر والفلسفي يترسب طبقة طبقة قبل أن يصبح صوته المتفرد الذي أوصله إلى القراء والجوائز. قراءة "الأرملة" هي إذن تجربة العودة إلى ما قبل هذا كله، وهي فرصة للقارئ لكي يشهد على هذه اللحظة الهشة حيث لا شيء مؤكد بعد، إنما كل شيء لا يزال ممكنا، وهذا بعض من سحر الأدب الذي لا يكف عن إدهاشنا.

font change

مقالات ذات صلة