كيف نستعيد المكان الفلسطيني من خلال الرواية؟https://www.majalla.com/node/331911/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%86%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9%D8%9F
أثر غياب المدينة في تطور الرواية الفلسطينية في مرحلة حساسة من تشكلها وظهورها كجنس أدبي قادر على التعبير الحقيقي عن المجتمع بتناقضاته وتجلياته المختلفة. مع النكبة تفككت المدينة الفلسطينية ودمرت التجمعات الحضرية وتوقف تبلور الهوية المدينية للمكان الفلسطيني. ورغم أن الفن الروائي كان في بداياته ولم تكن الرواية شكلا أدبيا رائجا على نطاق واسع، إلا أنها كانت في بداية الانطلاق والانتشار كجنس أدبي مرغوب به.
وقد شكلت كتابات إسكندر الخولي البيتجالي واسحق موسى الحسيني وخليل بيدس وجمال الحسيني وهدية عبد الهادي (أول روائية فلسطينية) وغيرهم، التفاتة فلسطينية جادة نحو الرواية. بل إن الكتابة الروائية الفلسطينية تزامنت مع الرواية في مصر وفي بقية بلاد الشام، ولعل النقاش حول الريادة بين بعض الروايات الفلسطينية والمصرية يعكس الانفتاح الفلسطيني المبكر على الرواية.
ومع ذلك، ففيما تطور هذا الفن في البلدان المجاورة، شهد نكوصا وتوقفا بسبب النكبة. وفي حين وجد ضالته في قصص المدن الكبرى، وجد نفسه فلسطينيا ينشغل بالحنين الى المكان واستعادة حياة الريف والقرية. وعلى الرغم من أنه لا يمكن حصر الرواية عالميا بمشهدية المدينة، مع استحواذ القرية والريف أيضا على قسط كبير من الكتابات الروائية، خاصة حين تعالج الرواية موضوعات تتعلق بحياة النبلاء الأوروبيين، فإن طبيعة الحياة المدينية والصراعات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فيها، وفرت للرواية مساحات سردية واسعة ومتعددة.
عثرات
عموما، أثر استلاب المدينة الفلسطينية الكبيرة على فرص تطور ونمو الفن السردي الفلسطيني بشكل ملحوظ. حتى على صعيد الكتابة نفسها، فقد توقف إنتاج الرواية زمنا، أو تعثر بشكل أعاق كتابة الرواية، وبالتالي توقف التدفق الذي كان يمكن أن تشهده الكتابة الروائية مع انعطافة النصف الثاني من القرن الماضي. مع ذلك، ظهرت روايات فلسطينية قليلة في العقد الأول بعد النكبة، منها رواية هدى حنا، "صوت الملاجئ" (1951)، ورواية جبرا إبراهيم جبرا، "صراخ في ليل طويل" ((1955 ومريم مشعل، "فتاة النكبة" (1957)، وتوفيق معمر، "بتهون" (1959).
مع ضياع البلاد وحالة التشرد واللجوء، كان الشعر هو الشكل الأدبي الأكثر استجابة للحظة الفلسطينية الجديدة المشحونة بالعواطف والمليئة بالغضب
قبل النكبة، كانت المدن الفلسطينية الكبرى، خاصة يافا والقدس وحيفا، قد تحولت إلى أماكن جذب ثقافي ومعرفي مع انتعاش الصحافة والطباعة والسينما ودور العرض والإذاعة. كما لا بد من الالتفات إلى أن التوتر وحالة عدم الاستقرار التي نتجت من الصراع مع المستوطنين اليهود خلال العقود الثلاثة التي سبقت النكبة والاضرابات والثورات وما لازمها من سياسات بريطانية ومجازر واعتداءات صهيونية، جميعها تركت أثرا واضحا على استقرار الكتابة الروائية وتطور الفن الروائي في فلسطين خلال تلك الفترة.
منظر عام لمدينة القدس، ويرجح أن الصورة التقطت في ثلاثينات القرن الماضي
مع ضياع البلاد وحالة التشرد واللجوء، كان الشعر هو الشكل الأدبي الأكثر استجابة للحظة الفلسطينية الجديدة المشحونة بالعواطف والمليئة بالغضب. وهذا يصح على مرحلة ما قبل النكبة أيضا، مما ساهم في سطوع نجم إبراهيم طوقان وكوكبة أخرى من الشعراء مثل مطلق عبد الخالق وعبد الكريم الكرمي وعبد الرحيم محمود، وفي الشعر الشعبي نوح إبراهيم.
ترك توقف الحياة الثقافية الطبيعية من صحف ومطابع ودور سينما ومسارح، أثرا على استمرارية الفعل الثقافي نفسه. فالرواية كتاب والكتاب بحاجة الى مطبعة والمطابع الكبرى كانت في يافا التي سلبت بالكامل أو في القدس التي مزقت وشطرت نصفين. أما الشعر فيمكن نشره بأي وسيلة ممكنة عبر النشرات الشهرية أو حتى المدرسية. لقد فرضت الحالة النفسية التي نتجت من النكبة على الكاتب كما على القارئ ظروفا وضعت الكتابة السردية جانبا إلى حين امتصاص الصدمة.
الخمسينات والستينات
استعادت الكتابات الروائية الفلسطينية دفقها وحيويتها في نهاية الخمسينات ومطلع الستينات من القرن الماضي. مرت أكثر من عشر سنوات قبل أن تستجمع الرواية الفلسطينية شجاعتها وتعبر عن الواقع المرير الذي وجد الفلسطيني نفسه فيه. هذه الفجوة الزمنية عملت على إعادة تشكيل الموضوع الفلسطيني وتأطير حدود السرد والكتابة. بات هناك موضوع فلسطيني صارم صار هو مركز الكتابة الفلسطينية ليس في الشعر وحده، بل أيضا في الرواية والقصة القصيرة.
وساهم في ذلك ظهور المطابع في مراكز الفعل الاجتماعي والسياسي في واقع ما بعد النكبة. حافظت القدس على مكانتها كمركز سياسي وديني، رغم انتقال الحراك الحقيقي الى عمان كعاصمة للملكة التي باتت تضم الضفة الغربية بعد مؤتمر أريحا، وظهرت غزة كمركز ثقل كبير في الحياة السياسية والثقافية الفلسطينية بعد النكبة.
من اليسار: إميلي نصر الله، جميل جبر، حليم بركات، غسان كنفاني، ويوسف حبشي الأشقر في "دار الفن" ببيروت
تدريجيا، وخاصة مع صعود عبد الناصر في حكم مصر، تحولت غزة الى مركز الحياة الفلسطينية الأساس. ففيها عقد المؤتمر التأسيسي لاتحاد الكتاب والأدباء وحضره غسان كنفاني. ورغم أن المجلس الوطني عقد جلسته الأولى في القدس، إلا أن فعالية وحراك ونشاطات أحمد الشقيري ورفاقه من القيادة الأولى لمنظمة التحرير كانت في غزة. رافق هذا ظهور الصحف والمطابع وانتعاش العلاقات الثقافية مع القاهرة، مركز الثقافة العربية في ذلك الوقت. وكان هناك حضور لافت لفلسطينيي الشتات، خاصة في لبنان وسوريا، حيث لم يكونوا مجرد لاجئين، إذ ساهموا رغم مأساتهم في الاقتصاد والفنون والصحافة. ولم يكن الوضع مختلفا في منطقة الخليج، حيث واصل الفلسطينيون دورهم الريادي في قطاع التعليم خاصة، وكذلك في الصحافة والاقتصاد وعملية التحديث. أما في الداخل الفلسطيني فإن فرض القوانين العسكرية والتهجير الداخلي وسياسات التضييق على الصحافة والنشر، ساهم أيضا في التوجه الفني نحو الشعر، ولكن أيضا في هذه السياق الجديد الذي اتسم بالتوتر والضغوط، بدأت الكتابة السردية الفلسطينية تشق طريقها بحذر.
صورة غير مؤرخة للصحافي الفلسطيني نجيب نصار، مؤسس ورئيس تحرير صحيفة "الكرمل" في حيفا
لم يكن غريبا أن تواصل حيفا النزاع والصراع حتى تحافظ على مكانتها كحاضرة ثقافية، وقد ساهم في هذا الكفاح المرير بقاء عدد معقول من المواطنين فيها مقارنة مع المدن الأخرى خاصة يافا واللد والرملة، واستمرار عمل المطابع وإصدار الصحف، خاصة "الاتحاد". والمؤكد أن بقاء الناصرة كأكبر مدينة عربية في الداخل وعدم تعرضها للتهويد بالكثافة والبشاعة اللتين تعرضت لهما المدن الكبرى، ساهم في تحولها الى مركز ثقل ثقافي وهوياتي. في المقابل ظلت يافا تحتضر وكادت تختفي معالم الثقافة الفلسطينية فيها، ذلك أن تل أبيب التهمتها بشكل شبه كامل رغم بقاء بعض سكانها العرب. كانت عملية إعادة التكوين والانبعاث صعبة ومعقدة لأن عليها ان تقاتل من أجل الصمود والبقاء قبل كل شيء.
أدب اللجوء
ولكن ما الذي حدث وقتذاك؟ كان المكان الفلسطيني هو مكان اللجوء، أي المخيم، كما في بعض روايات غسان كنفاني، وبعد ذلك أدب الأرض المحتلة، خاصة روايات السبعينات والثمانينات في غزة. كان يمكن لو لم تحدث النكبة، أن تشهد الرواية الفلسطينية تطورا مختلفا ليس فقط على صعيد الموضوع بل أيضا على الصعيد الفني. لكن المدينة الفلسطينية باتت رغم ذلك أكثر حضورا في المتن السردي الفلسطيني.
ظلت يافا تحتضر وكادت تختفي معالم الثقافة الفلسطينية فيها، ذلك أن تل أبيب التهمتها بشكل شبه كامل رغم بقاء بعض سكانها العرب
مرة أخرى، ساهمت النكبة في دفع الشعر الفلسطيني إلى واجهة الشعر العربي، خاصة بعد اكتمال نضوج ظاهرة شعر المقاومة، الذي تجلى بصورة أكبر في الداخل. ففيما اتسم ما كتبه الشعراء الذين حملتهم النكبة خارج البلاد، بالحنين وبوصف المكان، اتسم شعر الداخل بالتحدي والإرادة، من "سجل أنا عربي" لمحمود درويش إلى "هنا باقون" لتوفيق زياد و"منتصب القامة أمشي" لسميح القاسم. في الرواية، لم يكن الأمر هكذا تماما، لحاجتها الى التأمل وليس للعواطف والمشاعر ولغياب المكان. اتسمت الرواية الفلسطينية بعد إعادة ظهورها بغياب المكان، فهي إما كانت تدور في حالة التشرد، أو أنها مثل كتابها تبحث عن مكان مفقود أو تحاول استعادته.
في ذلك كله، كان ثمة تركيز على القرية الفلسطينية بوصفها المكان الفلسطيني الحقيقي، في مجاراة للصراع القديم على المكان في متن السرديات القديمة. وفيما بدأت الكتابات السردية الفلسطينية، خاصة في حقل الرواية والقصة القصيرة، تفرض نفسها تدريجيا، فإن غياب المدنية كحاضرة للتفاعل الاجتماعي والصراع المادي والفكري، بتر عملية التطور تلك. حدثت عملية توقف وانشغال أكثر بالعواطف والحزن وانغماس في الهموم الشخصية. صحيح أن الرواية المعاصرة شهدت ظواهر سردية ركزت في بنيتها وموضوعها على الفردي والذاتي وبات من الممكن أن تقرأ رواية تدور أحداثها في غرفة واحدة أو في العقل الباطن للشخصية، لكن، لما كانت الرواية الفلسطينية تتلمس طريقها وكانت في مراحلها التكوينية الأولى، فإنها، مثل الرواية الغربية في بداياتها، كانت رواية مجتمع. ولما انهار المجتمع وتفككت بنيته وتهدمت المدينة، نكصت الرواية وتوقف تطورها.
وبقدر ما توقف نمو المدنية الفلسطينية، توقف نمو الرواية الفلسطينية، والأهم أن هذه المدينة غابت في الرواية وتحولت إلى منبع للحنين والتذكر، وبذلك تشابهت مع القرية والريف وغابت معالمهما ولم تعد مسرحا للأحداث ولا لتفاعل الشخصيات ونموها بل اضحت مكانا يبدو بعيدا يتم تذكره لتجاوز وجع الواقع وقسوته.
غلاف "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني
جدير بالذكر أن كتاب الرواية الفلسطينية بعد النكبة كانوا مجرد فتيان أو في بدايات شبابهم وقت وقوع النكبة، لذا فإن تذكرهم للبلاد لم يكن قويا. مثلا، إذا ما تتبعنا وصف غسان كنفاني للحظة الخروج من حيفا في "عائد إلى حيفا"، نجد أن تفاصيل المدينة كمكان تغيب عن السرد، ولا يهم إلا فعل الخروج القهري. كذلك في قراءة مشاهد النكبة في يافا التي يرويها أحمد عمر شاهين في روايته "بيت للرجم بيت للصلاة"، فإن الأمر يتم عبر ذاكرة الكاتب الذي خرج من المدينة طفلا في الثامنة، وهو الفتى الذي نقابله في الرواية باسم أحمد إسماعيل الشواهدي.
خارج المكان
مع ذلك، فإن المهيمن على الرواية الفلسطينية كان وصف الخروج من المدينة، كما تم تماما وصف الخروج من القرية من خلال سرد أحداث النكبة. لقد وفرت النكبة خطا دراميا عاميا للرواية الفلسطينية يتمثل في ثلاث مراحل، إذ يتم في القسط الأول منه إبراز الحياة الفلسطينية الهادئة في القرية الفلسطينية قبل النكبة واستشعار الخطر المحدق، كما فعل يحيى يخلف في "بحيرة وراء الريح" في قرية سمخ قرب طبريا، وكذلك فيصل حوراني في "بير الشوم" ورشاد أبو شاور في "وداعا ذكرين". ثم يسرد الجزء الثاني تفاصيل النكبة وقصص الخروج القهري مثلما يفعل الكثيرون، ويمكن أن نستذكر هنا رواية زيد أبو العلا في "الخروج من وادي السلامة"، ويحيى يخلف في الجزء الثاني من رباعيته المعنون "ماء السماء"، وعبد الله تايه في "قمر فوق بيت دراس". فيما يركز الجزء الثالث من هذه السردية على الحياة بعد اللجوء في المخيمات، وشواهد هذه كثيرة في الرواية الفلسطينية مثل "أم سعد" و"ما تبقى لكم" لغسان كنفاني، و"جفاف الحلق" لغريب عسقلاني. هذه نماذج ليست حصرية، إذ أن مدونة الرواية الفلسطينية مليئة بالشواهد الأخرى. وعليه، ثمة تقاطعات كثيرة في هذه المدونة بسبب طبيعة الخط الدرامي الواحد الناظم لها، وقد يجوز القول إنه لا سبق لرواية على أخرى حين تتقاطع الأحداث ضمن هذا الخط الدرامي، فهذه مدونة روائية عامة مصدرها النكبة والوجعان الشخصي والعام وتداخلهما.
كان الانشغال بالجرح الذي تركته النكبة أكبر من أن يجاوره أي انشغال آخر. وفي غمرة الحنين والتذكر ضاعت تفاصيل المكان المفقود
بعد النكبة، توارت المدينة، خاصة مدينة غزة، التي صارت مركزا سياسيا وثقافيا بالنسبة للفلسطينيين بعد خفوت نجم يافا (وكلتاهما مدينتان ساحليتان) ومدينة القدس وما تبقى منها، وحيفا والناصرة كمدن كبرى في الداخل بعد النكبة، ولم تعد مسرحا للسرد الفلسطيني في شقيه القصصي أو الروائي. كان الانشغال بالجرح الذي تركته النكبة أكبر من أن يجاوره أي انشغال آخر. وفي غمرة الحنين والتذكر ضاعت تفاصيل المكان المفقود، وحين يستحضر في النصوص فكأننا ننظر إليه من خلف غشاوة دمع كثيف. حتى حين زار غسان كنفاني غزة، لم يكتب عن المدينة بل كتب عن مخيم الشاطئ. وهذا يبدو منطقيا خاصة بالنسبة إلى كنفاني الذي نذر حياته للحديث عن "أرض البرتقال الحزين" ومعاناة أهلها بعد نكبتهم.
وتعد مجموعة فوزي العمري القصصية، "غزة من الخلف"، من بواكير المجموعات القصصية التي كتبت في غزة في الفترة بين النكبة والنكسة، ورغم أنها تعالج قضايا مرتبطة باللجوء، وكاتبها لاجئ من يافا، إلا أن قصتها المركزية تستعرض رحلة بطلها وهو يعبر المدينة من شرقها الى غربها، بحيث تحضر المدينة في بعض تفاصيلها.
مشهد من أحد شوارع البلدة القديمة في القدس، ويرجح أن الصورة التقطت في ثلاثينات القرن الماضي
اجتثاث ثقافي
شكل العام 1948 الحدث الأكثر مفصلية في التاريخ الوطني الفلسطيني الحديث، وشمل تأثيره مناحي الحياة كافة، وسيظل الى عقود حاضرا بقوة في كل تحولات المجتمع الفلسطيني. لم تهدف النبكة وحرب الاجتثاث الأولى إلى اقتلاع الفلسطيني من أرضه فحسب، بل إلى محو الوجود الفلسطيني عن هذه الأرض. تطورت فكرة طرد السكان من الجغرافيا إلى مشروع طردهم من متن السرديات والمرويات التاريخية عن المكان. وكانت جهود طرد الفلسطينيين خارج متن السرد التاريخي، بدأت قبل النكبة بعقود. كان الوجود الفلسطيني هو المستهدف الأساس، لذا فإن فكرة ارتباط الفلسطيني بالمكان ستظل سمة بارزة في مرحلة نشوء الوطنية الفلسطينية مع تبلور قوى المقاومة في نهايات خمسينات القرن العشرين. وعليه، فإن واحدة من الحروب المبكرة التي شنتها الحركة الصهيونية على الفلسطينيين، هي الحرب على سرديتهم من خلال استبدالها أو محوها.
لو قدر لروائي فلسطيني أن يكتب رواية اجتماعية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تدور أحداثها في إحدى المدن الكبرى، لكان وجد صعوبة في وصف المكان والشوارع وربما في ذكر أسمائها، وستكون الصعوبة أكبر إذا احتاج إلى بعض التفاصيل الاجتماعية مثل أسماء المطاعم ومحلات القرطاسية والبقالة وحتى المقاهي. ما يتوفر من معلومات، يبدو شحيحا وربما غير متوافر، للنقص في المراجع والأبحاث والتوثيق في هذا المضمار. لقد اعتمد الكاتب الفلسطيني منذ ضياع البلاد على التاريخ الشفوي والحكايات التي سمعها شخصيا من العائلة أو بعض القصص المنقولة في بعض الكتب، وجل هذه تكون عادة حكايات عن العقود الثلاثة التي سبقت النكبة.
غلاف "قبل الشتات التاريخ المصور للشعب الفلسطيني" لوليد الخالدي
بذلت مؤسسات وأفراد جهودا لإحياء الذاكرة والسردية الوطنية، من خلال توثيق التاريخ والأحداث من وجهة نظر فلسطينية. مرد هذا الانشغال، شعور الفلسطيني أن المستهدف هو ملكيته للمكان. جاء جمع الصور الفوتوغرافية على سبيل المثل ليكشف عن طبيعة المكان وجماله والحياة الرغيدة التي كان يعيشها أهله، مثلما فعل الراحل رشيد الخالدي في "قبل الشتات: التاريخ المصور للشعب الفلسطيني 1876-1948". مع ذلك، هناك جوانب مفقودة تتعلق بالحياة العادية للفلسطينيين، يمكن أن تشكل مادة ثرية في الأعمال الروائية الفلسطينية.
الحرب الضروس التي تشنها الصهيونية على المكان الفلسطيني تتقصد سلخه عن ماضيه
فالروايات الفلسطينية التي ظهرت في العقود الثلاثة الأخيرة التي عالجت فترات تاريخية سابقة، ارتكزت على أحداث تاريخية كبرى، خاصة بعد حملة نابليون بونابرت، ولم يحضر فيها المكان بصورة واضحة، بل إننا بالكاد نراه، وربما جل ما قد نعرفه منها هو أن الأحداث تدور فيه. فالمهم في تلك الروايات هو الأحداث نفسها وليس سردية المكان. والرواية ابنة المكان بامتياز وهي صنيعة بيئته. وعليه، فإن بعض الروايات التي حاولت الإبحار في الزمن، فعلت ذلك على مركب شراعي يحمل أبطالها، وظلت المدن، وحتى الريف، بمثابة مشاهد خلفية غير واضحة المعالم. حاول الراحل عبد الكريم السبعاوي في رباعيته عن غزة، "أرض كنعان"، التي يبدأ أول أجزائها في القرن التاسع عشر، تقديم مدينة غزة خلال قرنين من الزمن، عبر شخوص مركبة ومتعددة، وقد نجح فيها في جعل التاريخ مادة للرواية، دون أن تظهر المدينة مادة للرواية.
هذا في طبيعة الحال لا يقلل أهمية تلك الروايات، بقدر ما يشكل دعوة إلى استئناف الاهتمام بالمكان على اعتبار أن الكتابة هي استعادة للذاكرة واعادة ميلاد للمكان، لأن الحرب الضروس التي تشنها الصهيونية على المكان الفلسطيني تتقصد سلخه عن ماضيه وتغييبه بالكامل من المتن اليومي.