في واقع غزة الجديد، يتجدد السؤال حول كون المدينة معمارا يمكن الركون إلى ثباته، أم أنه كناية خلاصة ملامح إنسانية تتشكل مع الزمن. فالحرب، وما رافقها من تحولات عنيفة، أعادت تشكيل علاقة الإنسان الفلسطيني بالمكان على نحو جذري، حتى بات الإحساس بالانتماء مرتبطا بالذاكرة أكثر من ارتباطه بالحضور الفعلي داخل المدينة.
من هذه الفكرة ينطلق المشروع الفني، "وجه المدينة"، للفنانة والمعمارية الفلسطينية شيرين عبد الكريم، التي تتعامل مع المكان بوصفه كيانا يتجاوز مادته العمرانية، ويتحول إلى طبقات متراكمة من الذاكرة والتجربة الإنسانية. فالمكان، في هذا التصور، لم يعد هو المباني والشوارع فحسب، بقدر ما هو شبكة من القصص والعلاقات واللحظات التي تشكلت عبر الزمن.
يحاول المشروع، الممول من مؤسسة عبد المحسن القطان، تجميع صور قديمة لمدينة غزة من أرشيف صورها، وترتيبها وتجميعها في إطار فني، يمثل بديلا من صورة الهدم الحالية ويستعيد ذاكرة الغزيين ومواقفهم اليومية مع بنيان المدينة والشعارات المكتوبة على جدرانها ولافتات المحلات ودهان الجدران والمحلات التجارية والمؤسسات داخل غزة، فيما تحاول عبد الكريم دمج الأثر الإنساني في ذلك كله.
سؤال المكان
تظهر في العمل لافتات لمحلات تجارية في غزة قبل الهدم، وشعارات مكتوبة على الجدران، وأرقام هواتف نقال كتبت على الجدران بهدف إعلاني، وضعتها الفنانة بهدف ترسيخ الوجود الإنساني كذاكرة لمدينة تحولت إلى ركام.
تطرح فكرة "وجه المدينة" تغير علاقة الإنسان بالمكان، ليس بشكلها المعتاد، ولكن في حالة الانتكاسة، كما يحدث في الحروب، فتصبح العلاقة بالمكان مثار سؤال مربوط بقنبلة.
تقول عبد الكريم: "غيرت الحرب علاقتي بالمدينة بصورة جذرية. لم تعد المدينة ذلك المرجع الثابت الذي أعود إليه دائما. أصبحت شيئا يتغير باستمرار. ربما صار إحساسي بالانتماء مرتبطا بذاكرة المكان أكثر من المكان نفسه".
في هذا التحول، أصبحت المدينة أشبه بالمتاهة، كل شيء فيها يدعو للحيرة والتأمل البائس. إذ تزايد الشعور المرير بانهيار الذاكرة، وبات الإنسان في محاولة دائمة للإمساك بما يفلت منه وما يفقده، وكأن هشاشة المكان، تزيد الحاجة إلى تثبيته على جدران الذاكرة.


