في عام 2018، نشرت الرواية الأولى من سلسلة "تحقيقات نوح الألفي"، بعنوان "قضية ست الحسن" عن "دار الكرمة" المصرية، وهي أولى روايات الكاتبة ميرنا المهدي، أحد الأسماء الشابة التي اختارت الإخلاص لنوع أدبي بعينه، هو أدب الجريمة. منذ ذلك الوقت، واصلت المهدي مشروعها، مستعينة في أعمالها بمزيج من الرعب والكوميديا والعلاقات الإنسانية، حتى أصبحت سلسلة رواياتها واحدة من السلاسل التي استطاعت جذب شريحة واسعة من القراء، خصوصا الأصغر سنا.
تدور السلسلة حول محقق يدعى نوح الألفي، يمتلك قدرة استثنائية على رؤية أرواح ضحايا الجرائم، ويتتبع من خلالها قضايا مختلفة بحثا عن القاتل. ومع توالي أجزاء السلسلة، التي وصلت طبعات بعضها إلى أكثر من أربعين طبعة، يطرح السؤال حول سر نجاح هذه السلسلة، خصوصا بين المراهقين والقراء الأصغر سنا، بل وحتى لدى بعض القراء الأكبر سنا.
أسباب الرواج
تتعدد أسباب هذه الشعبية، ومنها كما أسلفنا قدرة الكاتبة على المزج بين عناصر عدة جذابة. وقد أتاحت لي تجربة العمل في إحدى المكتبات، حيث تعد سلسلة "تحقيقات نوح الألفي" بين الأكثر طلبا، الاقتراب أكثر من فهم هذه الظاهرة. فالقراء الأصغر سنا الذين تعاملت معهم أثناء ترشيح الكتب، يقدمون زاوية مختلفة عن السلسلة، إذ لا يتعاملون معها باعتبارها أدب جريمة فحسب، وإنما باعتبارها عالما يرغبون في العودة إليه مرارا. فهناك من يبحث عن الجزء الثاني والثالث من السلسلة لأنه بدأ بقراءتها وأعجبته، كما أخبرتنا إحدى القارئات أن صديقتها هي التي رشحت لها السلسلة، وهذا ما يكشف عن دور التوصية بين القراء في جذب آخرين إلى تجربة العمل.
الأكثر لفتا للنظر كان حديث أحد الآباء عن رواية "دليل جدتي لقتل الأوغاد"، انطلاقا من أهمية القضايا التي تثيرها الرواية، وفي مقدمها قضية التحرش بالأطفال، إذ ذكر أنه مقصر في هذا الجانب ولم يحذر ابنه كفاية منه. هنا لا تعود الرواية مجرد وسيلة للترفيه أو لعبة للبحث عن القاتل، وإنما تصبح مدخلا إلى نقاش يمكن أن يمتد خارج صفحات الكتاب.
يضاف إلى ذلك عنصر آخر لا يقل أهمية، وهو أن السلسلة تتوفر مسموعة، مما يسهل "قراءتها" في أي وقت. وهذه كانت طريقتي على الأقل في اكتشاف عوالم السلسلة. أذكر أنني كنت أستمع إلى أحد أجزاء السلسلة خلال تنقلي بالمترو، وفجأة، في خضم التفكير في أمور عدة، وجدت الفصل الثامن يبدأ بأغنية حكيم الشهيرة: "آه يا واد يا حتة مني، إيه آخرة البعاد؟".
ضحكت بشدة، ولم أكترث بنظرات الغرباء في المترو. لتلحق الكاتبة هذه العبارة من الأغنية بهذه العبارات: "أتساءل كيف نجح حكيم في صرف انتباهي عن وجود روح فتون في غرفتي، في حين أنه فشل كليا في تشتيتي عن منظر دليلة وهي تطلب مني ألا أتواصل معها مجددا".





