"الراب"... رجة الجسد وخلخلة اللغة

فشل اللغة الرسمية وولادة لغة الشارع

Al Majalla
Al Majalla

"الراب"... رجة الجسد وخلخلة اللغة

قد يبدو "الراب" فنا "ساقطا" في نظر من يملك رأسمالا ثقافيا "كلاسيكيا"، ليس لأنه كذلك موضوعيا، بل لأنه لا ينسجم مع منظومته.

نقلت جريدة "الأخبار" المغربية قبل أيام خبرا بعنوان "الأحزاب السياسية تتودد إلى مغني الراب"، جاء فيه نصا: "مع اقتراب الانتخابات المقبلة، تسعى بعض الأحزاب المغربية إلى اعتماد استراتيجيات جديدة لجذب الناخبين الشباب. فشرعت تشكيلات مثل حزب "التقدم والاشتراكية"، وحزب "الأصالة والمعاصرة"، في إجراء اتصالات مع مغني راب مؤثرين، بهدف الاستفادة من شعبيتهم لدى جيل زد. وتدور المناقشات حول دعمهم خلال الحملات الانتخابية أو حتى إمكان ترشحهم. ويسعى هذا التوجه إلى تحديث الخطاب السياسي واستعادة التواصل مع قاعدة شبابية ابتعدت عن القنوات التقليدية".

الفن والتمثلات الاجتماعية

في كتابه "التمييز: نقد اجتماعي لملكة الحكم"، يبين عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو أن ما نسميه "الذوق" ليس مسألة فردية بريئة، بل هو بناء اجتماعي يتم تشكيله حسب موقع الفرد في البنية الطبقية. فما يعد من الفنون "راقيا" أو "ساقطا"، ليس نابعا من قيمة محض فنية، بل من تمثلات اجتماعية تغذيها التربية والتعليم، والرأسمال الثقافي، والوضع الاجتماعي.

من بين أنواع الرساميل التي "تمتلكها" الطبقات المهيمنة، هناك "الرأسمال الثقافي"، عن طريقه تفرض ذوقها وتجعله معيارا عاما. فحين تقصى بعض أشكال التعبير (مثل "الراب" أو الغرافيتي) بدعوى أنها أشكال "سوقية"، فإن ذلك يتم في الغالب باسم "الحكم الجمالي"، لكنه في العمق تعبير عن صراع رمزي بين من يملكون سلطة تعريف الفن، ومن يقصون من هذا الامتياز. فالفن "الراقي" غالبا ما يصنف كذلك لأنه يخاطب الذائقة التي تصوغها مؤسسات النفوذ الثقافي.

هذا التوازي يكشف أن الذوق ليس ذوقا إلا بقدر ما يكون علامة على انتماء طبقي، وأن الثقافة قد تتحول إلى زي يرتدى أكثر مما تعاش

وفي مقال شيق بعنوان: "أزياء راقية، ثقافة راقية"، يحاول بورديو أن يصف الكيفية التي يصنع بها "الرقي". وهو يرى أنه كما أن هناك "أزياء راقية" هي التي تمثل قمة الذوق في عالم الأزياء، هناك أيضا ما يصطلح عليه ضمنيا بـ"الثقافة الراقية"، وهي ثقافة مؤسساتية تتحدث بلغة "الأصول"، وتتزين برأسمال رمزي معتبر. لكن، كما أن "الأزياء الراقية" لا تصمم للجميع، فكذلك "الثقافة الراقية" ليست موجهة إلى كل الأذواق. فهي تقدم على مقاس نخبة تتذوق وتستبعد، تقوم وتقصي، تقرر ما هو "فن راق"، وما هو "فن ساقط".

PIERRE VERDY / AFP
عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو يخاطب الحضور في ندوة نظمتها "فناك" في باريس، 7 أكتوبر، بعد أسابيع من صدور كتابه "الهيمنة الذكورية".

الثقافة الراقية" تضع نفسها في مواجهة "الثقافة الحية"، تماما كما توضع "أزياء المنصات" في مواجهة "ألبسة الشارع". إذا كانت الأزياء الراقية لا تلبسها إلا قلة، فإن الثقافة الراقية لا تخاطب إلا قلة كذلك. هذا التوازي يكشف أن الذوق ليس ذوقا إلا بقدر ما يكون علامة على انتماء طبقي، وأن الثقافة قد تتحول إلى زي يرتدى أكثر مما تعاش.

فغناء "الراب"، مثل الغرافيتي، والملابس الحضرية أو "لباس الشارع"، هي كلها "خارج النظام" لأنها لم تصنع داخل قاعات العرض ولا صالات الفنون، لكنها تعبر، وتحتج، وتبتكر أشكالها الخاصة. قد يبدو "الراب" فنا "ساقطا" في نظر من يملك رأسمالا ثقافيا "كلاسيكيا"، ليس لأنه كذلك موضوعيا، بل لأنه لا ينسجم مع منظومته.

خارج الموضة داخل الحياة

 إذا كان "الراب"، مثل "ألبسة الشارع"، "خارج" الموضة، إلا أننا لا ينبغي أن ننسى أنه "داخل" الحياة. فهو لا يطلب تصفيق النخبة، بل يدون نبض الأزقة، وهذا، في حد ذاته، فعل ثقافي بامتياز.

"الراب" لم يولد في الأوساط الميسورة، بل نشأ في بيئات تعاني الإقصاء، كوسيلة كلامية واحتجاجية للتعبير عن التهميش، والعنصرية، والفقر، وتناقضات المدينة الحديثة. في هذا المعنى، هو ليس فنا ساقطا بل فن "الذين سقطوا عن عيون السلطة"، أو أولئك الذين لم يسمح لهم بالكلام. إذا كان "الراب" يقول ما لا تقوله اللغة المهذبة، فلأنه نتاج واقع غير مهذب أصلا.

نعم، هناك من يركب موجة "الراب" سعيا وراء المال أو الشهرة فقط، فيسيء استعماله، الأمر هنا مثلما في الأدب، حيث يوجد شعر ركيك، أو روايات سطحية. لكن الفن لا يختزل في تجلياته السطحية، ولا يلغى حق نوع فني في الوجود لأن بعض من يمارسونه لا يحسنونه.

من ينتظر من الفن أن يكون نظيفا ومهذبا دائما، يغفل عن أن الفن أحيانا يكون صفعة لا مرآة. حين يزعجك "الراب"، ربما لا يزعجك الصوت أو الإيقاع، بقدر ما يزعجك ما يفضحه من واقع.

Wikipedia
الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز

يربط جيل دولوز ثقافة "البوب" ليس فقط بالفنون والموسيقى، بل بـشدة الوجود في مختلف تجلياتها، وهي لا تعنيه بما تقول، بل كيف تقول، وبأي طاقة، وبأي صعقة. كأن الأمر يتم هنا على نحو ما تحدثه موسيقى "البوب". فكما أن هذه الموسيقى لا تهمها إلا شدة الانفعال أو الصدمة التي سيتلقاها المستمع من غير أن ينشغل بما تعبر عنه الإيقاعات، فإن الأمر، في ثقافة "البوب"، لا يتعلق بتوجيه رسالة إلى متلق سيتبين مغزاها ودلالتها، وإنما بإرسال إيقاع شديد يهز الجسم ويزعزع الدماغ. إن هذه الثقافة تدفعك إلى ممارسة الفكر بشدة، وليس مجرد إعمال الفكر.

ما يهم ليس الموضوع الذي ينصب عليه العمل الفني، وإنما شدته، تلك الشدة التي لا تتحدد بما يخزنه من معارف، وإنما بالخارج الذي "يوصل به"

فما يهم ليس الموضوع الذي ينصب عليه العمل الفني، وإنما شدته، تلك الشدة التي لا تتحدد بما يخزنه من معارف، وإنما بالخارج الذي "يوصل به"، وبقوة التيار الذي يمر، وبما يتولد عنه من مفعولات مغناطيسية وحرارية قد تحدث رجة عند المتلقي، فتقيم "تيارا ضد تيار، وآلة ضد أخرى، وتجريبا ضد آخر".

فلسفة "البوب"

حين يتحدث دولوز عن فلسفة "البوب" فلا يعني بها فلسفة مبسطة أقرب إلى ما هو "شعبي"، وإنما يقيسها على موسيقى "البوب"، أي ذلك النمط من التعبير الذي يتجاوز التسميات الفنية التقليدية، فيرى أن الفن لا يعرض معنى مستقرا، بل يولد مفعولا، على غرار ما يحدثه التيار الكهربائي الذي يقاس بشدته. المهم هنا ليس ما يقال، بل كمية الطاقة التي تمر عبره. فالمعنى لا يقاس بوضوحه أو حقيقته، بل بدرجة شدته والصعقة التي يحدثها.

لهذا لا يبحث "الراب" (أو فنون الشارع) عن المعنى بالمفهوم التقليدي، بل عن الصدمة، عن الاضطراب والأثر.

إذا كان الفن الكلاسيكي كثيرا ما يعتمد على "التمثيل"، على الصورة، والتناغم، والرموز، والمعنى الخفي الذي يجب تأويله، فإن "الراب" يقوم أساسا على "الشدة". لا معاني هنا وراء الموسيقى والصور، هناك فقط قوى تتمايز بشدتها. كأن الراب لا يريدك أن تفهم بل أن تحس، لا أن تطرب و"ترتاح"، بل أن تهتز، وحتى أن تصعق. هو لا يبلغ ولا "يدل"، بل يؤدى، لا يبتغي الحكمة، بل القطع، الإيقاع، الخلل، الشدة.

حينئذ لا يبقى للغة كبير أهمية. فكأن ابتذالها هنا لا يكون إلا وليد هامشيتها في التعبير. فما يعبر في "الراب" هو الإيقاع والجسد، هو الحركة وليس العبارة. وما يسمى عادة ابتذالا لغويا في "الراب" أو في فنون الشارع عموما، ليس دائما ضعفا في التعبير، بل هو إزاحة للعبارة لصالح أمر آخر: الجسد، الإيقاع، التوتر، الأداء. اللغة هنا لا تقول، بل تنفجر، تتلعثم، تصرخ… أو بالأحرى، ترقص.

فشل اللغة الرسمية

في ظروف التهميش والإقصاء، تغدو اللغة الرسمية "فاشلة"، بل إنها تعد أداة إقصاء بحد ذاتها. فماذا يفعل من لا يجيد "اللغة المقبولة"؟ إنه يبتكر لغة بديلة، لغة مشحونة بالصراخ، مثقلة بالتكرار، مليئة بالعاميات والانزلاقات. لكنها لا تبدو فقيرة إلا إذا قسناها بمعجم تقليدي.
لغة "الراب" لا تستهدف "التبليغ"، إنها ليست ناقلة للمعنى، بل للـحركة، للغضب، للرفض. لذلك فإنه لا "يدون"، بل "يؤدى". لا تهمه كثيرا اللغة التي تؤطرها القواعد والمعاجم. لا يعني ذلك أنه "يقتل" اللغة ويقضي عليها، وإنما يعيد إليها نبضها الجسدي، وحياتها الأولية. لذا، غالبا ما يصدر "الراب" من حنجرة مبحوحة، من جسد يغلي حياة، وينبض إيقاعا.

 Paul ELLIS / AFP
جمهور يتابع فرقة "بلوسومز" خلال حفل موسيقي في ليفربول، بريطانيا، 2 مايو 2021

سبق لأحد رجال السياسة في المغرب أن نعت مغني "راب" مغربيا مستعملا لفظا مستقى من اللغة الدارجة المغربية وهو لفظ "صلغوط"، وهي كلمة بذيئة تعني "سافل"، "ابن الأزقة". كان رد المغني أن تبنى اللفظ بعدما حوره فاشتق من SALGOAT الكلمة  GOAT التي تدل على جماع الأحرف الأولى لعبارة  Gretest Of All Time فأصبحت تعني "الأعظم على الدوام". وأخذ يكتب الكلمة على قمصانه جاعلا منها شعارا، فكأنه أفرغها من محتواها لأنها لا تعني بالنسبة إليه ما تعنيه، أو لنقل ما عهدناها تعنيه، وإنما صارت معه تأخذ معنى آخر. فجعل منها علامته المميزة، محولا إياها من أداة إذلال إلى علامة افتخار، من قذف اجتماعي إلى هوية جمالية. كأنما يريد أن يقول: "نعم، أنا من هناك، "أنا ابن الزنقة"، أنا من الشارع، من حيث لا تودون النظر. لكنني أتكلم، أغني، أعيش، وأظل "الأعظم على الدوام". أنتم تخافون الكلمة، أنا ألبسها". جعل المغني من الكلمة علامة انتماء إلى الهامش، بل مفخرة بهذا الانتماء.

REUTERS/Sharif Karim
فرقة الراب الفلسطينية "Battalion 5" تلتقط صورة في مخيم برج البراجنة في بيروت، 26 أكتوبر 2007

كأن المغني هنا رد على رجل السياسة الذي خاطبه: "أنت لست من جماعتنا"، "تماما، أنا لا أنتمي إليكم، وهذا الشعار هو الدليل". تماما كما فعلت حركات المهمشين حين استعادت كلمات مثل "زنجي" أو "زنقة" أو "مشرمل"... وأعادت إليها حياة رمزية من تحت الركام. حياتها هنا تتجلى، لا في "رقيها" وإنما في مفعولها، وما يترتب عليها من "ضجيج" وانفعالات.

ليس في الصمت وحده وبالعمق والصفاء يصنع الفن، بل ربما أساسا في العتمة والازدحام والأزقة وغضب الجسد

""الراب لا يكتب القاموس، بل يفرغه ليعيد ملأه. إنه لا يؤمن باللغة الرسمية، بل يعمل على إفراغ اللغة "الراقية" من معانيها: يخربها، يشظيها، يدخل إليها العامية، الشتائم، الإيقاعات، التكرار... لكن هذا "التخريب" ليس عبثا، بل هو لحظة خلق.

فليس في الصمت وحده وبالعمق والصفاء يصنع الفن، بل ربما أساسا في العتمة والازدحام والأزقة وغضب الجسد، واهتزاز المنصات تحت الأقدام.

font change