النفايات الالكترونية تتحول إلى "مناجم" للمعادن النادرة

فوائد وتحديات..

Al Majalla
Al Majalla

النفايات الالكترونية تتحول إلى "مناجم" للمعادن النادرة

لم تعد المعادن النادرة مجرد أسماء كيميائية غامضة ترد في تقارير الجيولوجيا أو خرائط المناجم البعيدة، بل أصبحت اليوم العمود الفقري غير المرئي للتكنولوجيا الحديثة. من الهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية، ومن توربينات الرياح إلى أنظمة الدفاع المتقدمة، تدخل هذه العناصر في كل ما يشكل ملامح العالم الرقمي الجديد. المفارقة الكبرى أن جزءا متزايدا من هذه المعادن لا يكمن في أعماق الأرض، بل يتكدس بالفعل حولنا، داخل أجهزة مهملة انتهى عمرها الافتراضي وتحولت إلى نفايات إلكترونية.

تظهر فكرة "التعدين فوق الأرض" كأحد أكثر التحولات الجذرية في فهمنا لمصادر الثروة المعدنية. بدلا من شق الجبال وحفر المناجم، باتت صناديق الخردة الإلكترونية، والمستودعات المليئة بمحركات قديمة وأسلاك مهملة، تمثل مناجم بديلة لمعادن نادرة واستراتيجية، دون الحاجة إلى تدمير بيئي واسع أو استثمارات جيولوجية طويلة الأمد.

يطلق مصطلح "المعادن النادرة" على مجموعة من العناصر الكيميائية التي تلعب دورا محوريا في التكنولوجيا الحديثة، رغم أنها ليست نادرة بالمعنى الحرفي لوجودها في القشرة الأرضية. الإشكالية الحقيقية في هذه المعادن لا تتعلق بكمها، بل بصعوبة استخراجها وتركيزها الاقتصادي، إذ غالبا ما تكون موزعة بكميات ضئيلة داخل الصخور، ومختلطة بعناصر أخرى تجعل فصلها عملية معقدة ومكلفة.

مغناطيسات وتطبيقات

من بين أهم هذه العناصر يأتي النيوديميوم، وهو عنصر أساس في صناعة المغناطيسات الفائقة القوة. هذه المغناطيسات تعد القلب الخفي للمحركات الكهربائية المستخدمة في السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، كما تدخل في الأقراص الصلبة وسماعات الرأس ومكبرات الصوت. قوة النيوديميوم المغناطيسية تسمح بتصغير حجم الأجهزة مع الحفاظ على كفاءة عالية، وهو ما جعله عنصرا لا غنى عنه في الإلكترونيات الحديثة.

إلى جانب النيوديميوم، يبرز عنصر الديسبروسيوم، الذي يستخدم لتحسين مقاومة المغناطيسات للحرارة العالية. هذه الخاصية تجعله ضروريا في البيئات القاسية مثل محركات السيارات الكهربائية والطائرات وأنظمة الطاقة المتجددة. من دون الديسبروسيوم، تفقد المغناطيسات كفاءتها عند ارتفاع درجات الحرارة، مما يؤثر مباشرة على أداء الأجهزة وسلامتها.

أما التيربيوم، فيلعب دورا مختلفا لكنه لا يقل أهمية. يستخدم هذا العنصر في تحسين الخصائص المغناطيسية لبعض السبائك، كما يدخل في صناعة الشاشات والإضاءة الموفرة للطاقة، خاصة في المصابيح الموفرة للطاقة، حيث يساهم في إنتاج ألوان دقيقة وواضحة. كذلك يستخدم في بعض الأجهزة الطبية والتقنيات البصرية المتقدمة.

تتضح أهمية المعادن النادرة أكثر عند النظر إلى التطبيقات الطبية والعلمية. فأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، على سبيل المثل، تعتمد على مغناطيسات شديدة القوة والدقة، لا يمكن تصنيعها دون هذه العناصر. كما تدخل المعادن النادرة في الصناعات العسكرية والفضائية، وأنظمة الاتصالات المتقدمة، مما يجعلها مواد استراتيجية تتجاوز قيمتها الاقتصادية البحتة.

نتيجة لهذا الاعتماد الكبير على مصدر واحد، وجد المصنعون أنفسهم أمام واقع محفوف بالأخطار، حيث يمكن أي توتر سياسي أو تجاري أن يهدد سلاسل الإمداد ويعطل الإنتاج

خلال العقود الماضية، تركز إنتاج هذه المعادن بشكل شبه كامل في دولة واحدة هي الصين. فبحسب تقديرات دولية، تسيطر الصين على نحو ثلاثة أخماس الإنتاج العالمي من المعادن النادرة، وأكثر من 90% من قدرات التكرير والمعالجة. هذه الهيمنة لا تعود فقط إلى توفر الخامات، بل إلى استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد، إضافة إلى معايير بيئية أقل تشددا في فترات سابقة، مما خفض تكاليف الإنتاج.

هذا التركز منح الصين نفوذا استراتيجيا بالغ التأثير على الاقتصاد العالمي. فالدول الصناعية الكبرى، مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، تعتمد بشكل كبير على الإمدادات الصينية لتغذية صناعاتها التكنولوجية. ومع تصاعد التوترات التجارية والتكنولوجية، تحولت المعادن النادرة إلى ورقة ضغط جيوسياسية، تذكر العالم بأن التحكم في المواد الخام قد يكون بأهمية التحكم في التكنولوجيا نفسها.

في ظل هذا الواقع، لم تعد المعادن النادرة مجرد عناصر كيميائية في جداول علمية، بل أصبحت مفاتيح حقيقية لفهم توازنات القوة في القرن الحادي والعشرين. فهي تقف عند تقاطع الاقتصاد، والتكنولوجيا، والسياسة، وتكشف كيف يمكن مواد صغيرة الحجم أن تمتلك تأثيرا ضخما على مستقبل العالم.

التعدين فوق الأرض

ونتيجة لهذا الاعتماد الكبير على مصدر واحد، وجد المصنعون أنفسهم أمام واقع محفوف بالأخطار، حيث يمكن أي توتر سياسي أو تجاري أن يهدد سلاسل الإمداد ويعطل الإنتاج، مما دفع الشركات والدول إلى البحث عن طرق بديلة لاستخراج المعادن وتأمينها، سواء عبر فتح مناجم جديدة خارج مناطق النفوذ التقليدية، أو من خلال تطوير تقنيات إعادة التدوير واستخلاص المعادن من الأجهزة القديمة والنفايات الإلكترونية، في محاولة لتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية وبناء قدر أكبر من الاستقلالية في المواد الاستراتيجية.

REUTERS
رقائق الذاكرة، التي تم جمعها من الأجهزة الإلكترونية المهملة

يشير مفهوم "التعدين فوق الأرض" إلى استخراج المعادن من المنتجات المستهلكة بدلا من الصخور الخام. ورغم أن الفكرة ليست جديدة تماما، لكنها ظلت لعقود غير مجدية اقتصاديا بسبب صعوبة فصل المعادن النادرة عن باقي المواد، خاصة المغناطيسات المدمجة داخل الأجهزة.

تاريخيا، لم تتجاوز نسبة إعادة تدوير المعادن النادرة عالميا 1%، وفق تقارير أممية. السبب الأساس هو التعقيد التقني، فالمغناطيسات التي تحتوي هذه العناصر تكون صغيرة، مختلطة بمواد أخرى، ويتطلب فصلها عمليات كيميائية دقيقة ومكلفة.

وفي مدينة ميسا بولاية أريزونا الأميركية، تتكدس آلاف الأطنان من المخلفات الإلكترونية داخل صناديق ضخمة. للوهلة الأولى، تبدو هذه الأكوام مجرد خردة لا قيمة لها، إذ تشمل محركات كهربائية قديمة، وأجهزة مسح طبي، ودراجات كهربائية، وأقراصا صلبة، وأسلاكا متشابكة. لكن في نظر شركات ناشئة متخصصة، تمثل هذه الكتل الصامتة مستودعا هائلا للثروة المعدنية، وبديلا واقعيا لمناجم الأرض التقليدية.

تشير الدراسات الصناعية إلى أن إعادة تدوير المعادن من الخردة الإلكترونية أقل تكلفة من التعدين التقليدي على المدى المتوسط والطويل

والفكرة التي تقوم عليها هذه الصناعة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر. فالمعادن النادرة والمعادن الأساس التي يحتاجها العالم الحديث موجودة بالفعل داخل الأجهزة القديمة. إذ تحتوي الهواتف، والحواسيب، والمحركات، ومولدات الكهرباء، على نحاس، وألومنيوم، وحديد، إضافة إلى معادن نادرة تدخل في صناعة المغناطيسات القوية والشرائح الإلكترونية. بالتالي، فبدلا من استخراج هذه العناصر من الصخور الخام عبر الحفر والتفجير، يمكن استعادتها من منتجات وصلت إلى نهاية عمرها.

تبدأ عملية استخراج المعادن من الخردة الإلكترونية بمرحلة الجمع والفرز. يتم تجميع الأجهزة القديمة من المصانع، وشركات النقل، والمستشفيات، ومراكز إعادة التدوير. بعد ذلك تفرز هذه المخلفات حسب نوعها، لأن كل فئة تحتوي على معادن مختلفة وتتطلب معالجة خاصة. فالمحركات الكهربائية مثلا غنية بالمغناطيسات التي تحتوي على عناصر نادرة، بينما تحتوي الكابلات والأسلاك على نسب عالية من النحاس.

المرحلة التالية هي التفكيك الميكانيكي. في هذه الخطوة، تكسر الأجهزة الكبيرة وتفصل أجزاؤها باستخدام آلات طحن وتقطيع صناعية. الهدف هنا ليس تدمير المواد، بل تحرير المكونات المعدنية من الأغلفة البلاستيكية أو المعدنية المحيطة بها. بعدها تستخدم تقنيات الفصل الفيزيائي مثل الفصل المغناطيسي، والفصل بالتيارات الدوامية، والغربلة، لعزل المعادن المختلفة بعضها عن بعض قدر الإمكان.

بعد الفصل الميكانيكي، تأتي المرحلة الأكثر تعقيدا، وهي استخلاص المعادن النادرة. في هذه المرحلة تعالج المغناطيسات والمكونات الغنية بالعناصر النادرة بعمليات كيميائية دقيقة. تستخدم محاليل خاصة لفصل المعادن وتحويلها إلى أكاسيد أو أملاح قابلة لإعادة الاستخدام الصناعي. هذه العمليات تشبه إلى حد كبير ما يحدث في معامل تكرير المناجم، لكنها تجرى على مواد "نظيفة نسبيا" مقارنة بالصخور الخام.

من حيث التكاليف، تشير الدراسات الصناعية إلى أن إعادة تدوير المعادن من الخردة الإلكترونية أقل تكلفة من التعدين التقليدي على المدى المتوسط والطويل. صحيح أن إنشاء منشآت متخصصة وتجهيزها بتقنيات متقدمة يتطلب استثمارات أولية كبيرة، لكن هذه التكاليف تعوض بعوامل عدة، أولها أن المواد الخام هنا جاهزة ولا تحتاج إلى حفر أو نقل من أعماق الأرض. ثانيها أن نسبة المعادن المطلوبة تكون أعلى تركيزا داخل الأجهزة مقارنة بالصخور الطبيعية. وثالثها أن استهلاك الطاقة والمياه يكون أقل بكثير.

أما التعدين التقليدي، فيعاني من تكاليف متزايدة مع مرور الوقت، لأن المناجم السهلة الاستغلال استنزفت، وأصبح الوصول إلى خامات جديدة يتطلب حفرا أعمق وبنية تحتية أكبر، فضلا عن الأضرار البيئية وما يترتب عليها من غرامات وتشريعات. في المقابل، ينظر إلى التعدين من الخردة على أنه نشاط أكثر استقرارا، لأن مصدره مرتبط بتزايد استهلاك التكنولوجيا، وهو اتجاه في تصاعد مستمر.

تسعى الشركة الناشئة "سايكلك ماتيريالز" Cyclic Materials إلى إحداث ثورة في قطاع المعادن الأرضية النادرة من خلال استغلال "المناجم الموجودة فوق سطح الأرض" بهدف كسر الهيمنة الصينية على هذا القطاع

بيئيا، الفارق بين الطريقتين كبير، فالتعدين التقليدي يخلف نفايات ضخمة، ويؤثر في التربة والمياه الجوفية، بينما إعادة تدوير الخردة الإلكترونية تقلل حجم النفايات، وتحد من التلوث، وتمنع تسرب مواد سامة إلى البيئة. ولهذا السبب، بدأت الحكومات تنظر إلى هذه الصناعة باعتبارها جزءا من حلول الاستدامة، لا مجرد نشاط اقتصادي.

ولا يعني استخراج المعادن من الخردة نهاية التعدين التقليدي، لكنه يمثل تحولا مهما في طريقة تفكير العالم في الموارد. الأجهزة القديمة لم تعد مجرد قمامة، بل مخزون استراتيجي من المعادن. ومع تطور التقنيات وتزايد الاستثمارات، قد تتحول مستودعات الخردة في مدن مثل ميسا إلى مناجم المستقبل، مناجم بلا حفر، وبلا انفجارات، تعتمد على ما تركته الحضارة التكنولوجية وراءها.

REUTERS
حفارات وآلات حفر تعمل في منجم مفتوح في تينكي فونغورومي في جنوب الكونغو

التحول من التعدين التقليدي إلى إعادة التدوير المتقدم، لم يكن ممكنا دون تدفقات استثمارية ضخمة. خلال السنوات الأخيرة، جذبت شركات إعادة تدوير المعادن النادرة عشرات الملايين من الدولارات من مستثمرين ومؤسسات مالية، إضافة إلى دعم حكومي مباشر.

في الولايات المتحدة، دخلت وزارة الدفاع على الخط، معتبرة أن تأمين سلاسل توريد المعادن النادرة مسألة أمن قومي. وقدمت تمويلات لشركات تعمل على إعادة تدوير التكنولوجيا القديمة، لضمان مصادر محلية لهذه العناصر بعيدا من الاعتماد على الخارج.

قصة نجاح

من ضمن الشركات العاملة في هذا المجال، الشركة الناشئة "سايسلك ماتيريالز" Cyclic Materials التي تسعى إلى إحداث ثورة في قطاع المعادن الأرضية النادرة من خلال استغلال "المناجم الموجودة فوق سطح الأرض" بهدف كسر الهيمنة الصينية على هذا القطاع، حيث تسيطر الصين حاليا على 60% من الإنتاج العالمي و90% من قدرات التكرير. وتطمح الشركة إلى توفير بديل سريع ومستدام لبناء المناجم التقليدية التي قد يستغرق إنشاؤها عقدا من الزمن، وذلك من خلال تقنيات إعادة تدوير متطورة تساهم في تعزيز سلاسل التوريد المحلية في أميركا الشمالية وأوروبا.

وقد نجحت الشركة في جذب استثمارات ضخمة، حيث جمعت أخيرا 75 مليون دولار في جولة تمويلية ليصل إجمالي تمويلها إلى 162 مليون دولار. ولا يقتصر الدعم على الجانب المالي فقط، بل يمتد ليشمل عمالقة التكنولوجيا مثل "مايكروسوفت" و"أمازون" الذين دخلوا كمستثمرين. وقامت الشركة ببناء شبكة توريد واسعة تضم أكثر من 500 مورد، من بينهم شركات تأجير الدراجات الكهربائية مثل "لايم"، وشركات تدوير النفايات الإلكترونية التي تمدها بأطنان من الأجهزة القديمة مثل محركات الأقراص الصلبة.

تعتمد آلية العمل في الشركة على عملية مبتكرة طورها مؤسس الشركة وتبدأ العملية بفصل المغناطيسات الموجودة في الأجهزة الإلكترونية ميكانيكيا، ثم استخدام مواد كيميائية لاستخراج أكاسيد العناصر الأرضية النادرة منها. تشبه هذه العملية الكيميائية بكيفية إطلاق الكافيين من حبوب القهوة، وهي تقنية تمتاز بأنها تقلل بشكل كبير استهلاك المياه والانبعاثات الكربونية مقارنة بالتعدين التقليدي. حاليا، يتم إنتاج الأكاسيد في منشأة بأونتاريو، وتتعاون الشركة مع شركة بلجيكية لتكرير هذه المواد في فرنسا، مع خطط مستقبلية للقيام بعملية التكرير ذاتيا.

من المتوقع أن يكون لمنشأة الشركة الجديدة في "ميسا" بولاية أريزونا قدرة استيعابية تصل إلى 25000 طن من الأجهزة القديمة سنويا، مما سينتج منه حوالى 250 طنا من أكاسيد العناصر الأرضية النادرة. بالإضافة إلى هذه العناصر الثمينة، ستنتج العملية معادن أخرى مثل النحاس، حيث يتوقع استخراج 2500 طن من النحاس في أول عامين، تبلغ قيمتها السوقية أكثر من 30 مليون دولار بناء على الأسعار القياسية التي تصل إلى 13000 دولار للطن. وتهدف هذه الجهود مجتمعة إلى المساهمة في تلبية ما يصل إلى 25% من الطلب الأميركي على هذه المعادن الحيوية خلال العقد المقبل.

لا تزال هذه الصناعة تواجه تحديات كبيرة. فحجم المعادن المستخرجة من النفايات، حتى في أفضل السيناريوهات، لا يكفي وحده لتغطية الطلب العالمي المتزايد

يمثل مفهوم "التعدين فوق الأرض" تحولا جوهريا في الطريقة التي ينظر بها العالم إلى الموارد الطبيعية، وهو من الركائز الأساس لما يعرف بالاقتصاد الدائري. هذا النموذج الاقتصادي لا يقوم على مبدأ الاستهلاك ثم الإلقاء، بل يسعى إلى إطالة عمر الموارد لأقصى حد ممكن، عبر إعادة استخدامها واستخلاص قيمتها مرات متعددة بدلا من استنزاف موارد جديدة من الطبيعة.

في إطار الاقتصاد الدائري، لا تعد النفايات نهاية دورة حياة المنتج، بل نقطة انطلاق لدورة جديدة. الهاتف المحمول القديم، أو القرص الصلب المعطل، أو المحرك الكهربائي المستهلك، لم تعد مجرد مخلفات بلا فائدة، بل مخازن صغيرة لمعادن ثمينة واستراتيجية. من خلال عمليات التفكيك والفصل وإعادة المعالجة، تتحول هذه المنتجات إلى مواد خام يمكن إدخالها مرة أخرى في خطوط الإنتاج، وكأنها خرجت لتوها من منجم حديث.

هذا التحول يقلل بشكل مباشر الحاجة إلى فتح مناجم جديدة، وهي عملية غالبا ما ترتبط بتدمير مساحات واسعة من البيئة الطبيعية، وإزالة الغابات، واستهلاك كميات ضخمة من المياه والطاقة. فكل معدن يتم استخلاصه من الخردة الإلكترونية هو معدن لم يستخرج من باطن الأرض، مما يخفف الضغط على النظم البيئية ويؤخر نضوب الموارد الطبيعية.

كما يساهم التعدين فوق الأرض في خفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بعمليات التعدين التقليدي، التي تعتمد على معدات ثقيلة وعمليات نقل ومعالجة كثيفة الطاقة. إعادة تدوير المعادن من النفايات الإلكترونية تستهلك طاقة أقل في كثير من الحالات، خاصة عندما تجرى محليا بالقرب من مراكز الاستهلاك، مما يقلل الحاجة إلى نقل المواد الخام لمسافات طويلة.

ويحد هذا النموذج من تلوث المياه والتربة، وهو أحد أخطر آثار التعدين التقليدي. فعمليات الحفر والتكرير غالبا ما تترك مخلفات كيميائية سامة قد تتسرب إلى الأنهار والمياه الجوفية. في المقابل، تتم عمليات التعدين فوق الأرض في بيئات صناعية خاضعة للرقابة، مما يسمح بالتحكم في النفايات ومعالجتها بشكل أكثر أمانا.

وبذلك، لا يقدم التعدين فوق الأرض حلا تقنيا فحسب، بل يطرح رؤية مختلفة للعلاقة بين الإنسان والموارد. رؤية ترى في المخلفات فرصة، وفي النفايات قيمة كامنة، وتعيد تعريف مفهوم الثروة بعيدا عن مناجم الأرض، لتصبح موجودة بالفعل في ما خلفته الحضارة الصناعية خلفها.

REUTERS
هواتف محمولة مهملة يقوم موظف بتفكيكها في مستودع للنفايات الإلكترونية بالبرازيل

لكن رغم ذلك، لا تزال هذه الصناعة تواجه تحديات كبيرة. فحجم المعادن المستخرجة من النفايات، حتى في أفضل السيناريوهات، لا يكفي وحده لتغطية الطلب العالمي المتزايد. كما أن جمع النفايات الإلكترونية نفسها يمثل تحديا لوجستيا، في ظل انتشارها بين المنازل والمكاتب، بدلا من تجمعها في مواقع محددة.

تشير التقديرات إلى أن منشآت إعادة تدوير متقدمة قد تكون قادرة على معالجة عشرات الآلاف من الأطنان من الأجهزة القديمة سنويا، وإنتاج مئات الأطنان من أكاسيد المعادن النادرة. ورغم أن هذه الأرقام لا تضاهي إنتاج المناجم العملاقة، فإنها تمثل مصدرا مكملا بالغ الأهمية، خاصة للدول الصناعية.

الأهم من ذلك، أن هذه الصناعة تفتح الباب أمام نموذج جديد للتعامل مع الموارد: نموذج يرى في المخلفات فرصة، وفي التكنولوجيا القديمة مخزونا استراتيجيا، لا عبئا يجب التخلص منه.

في عالم يتجه بسرعة نحو الكهرباء والطاقة المتجددة والتحول الرقمي، ستزداد أهمية المعادن النادرة، وستشتد المنافسة عليها. وبينما تستمر المناجم التقليدية في لعب دورها، يبرز "التعدين فوق الأرض" كخيار ذكي، أقل تكلفة بيئية، وأكثر مرونة جيوسياسية.

هكذا، لم تعد القمامة مجرد نفايات، بل أصبحت خزائن مفتوحة للثروة. وبين الأسلاك القديمة والمحركات المعطلة، يتشكل فصل جديد في تاريخ التعدين، فصل لا يبدأ من باطن الأرض، بل من مخلفات حضارتنا التكنولوجية نفسها.

في ضوء هذا التحول، يتضح أن مستقبل الموارد لم يعد مرتبطا فقط بما تختزنه الأرض في أعماقها، بل بما تراكم فوق سطحها عبر عقود من الاستهلاك التكنولوجي. التعدين فوق الأرض لا يلغي التعدين التقليدي، لكنه يعيد رسم خريطة الأولويات، ويمنح العالم خيارا أكثر استدامة وأقل تكلفة بيئيا. ومع تسارع الطلب على المعادن النادرة وتزايد التحديات الجيوسياسية والبيئية، يصبح الاستثمار في هذا النموذج ضرورة لا ترفا، وخطوة أساسية نحو اقتصاد أكثر وعيا بقيمة موارده وقدرته على إعادة إنتاجها بدل استنزافها.

font change